قصص

رواية أرض السافلين … الجزء الاخير

عدنا إلى قاعة العلماء.. وشغل “آدم” الهولوجرام ليجهز لنا المفاجأة.. و..
فجأة انفتح باب القاعة على مصراعيه بصوت عال وكأن رياحًا قوية جدًا فتحته عنوة.. نظرنا مثلما نظر الجميع إلى باب القاعة بدهشة.. هناك صوت شيء ما آت . بل أشياء.. أشياء كثيرة.. الآن ستدخل هذه الأشياء.. وفجأة رأينا ما تراجعت له ظهورنا على مقاعدنا.. واتسعت له أعين جميع الحاضرين دهشة على سعة علمهم وحكمتهم.. لقد دخلت علينا فجأة مجموعة كبيرة من الكائنات الحية.. في الوهلة الأولى سترى حيوانات.. وطيورا.. وقرودا.. وبشرا.. وترى أسماكا كبيرة تسعى في الهواء.. في الوهلة الثانية ستفطن إلى أن هذه الكائنات غريبة الشكل جدا.. الطيور لا تبدو كالطيور التي تعرفها.. ولا الحيوانات التي نعرفها.. ولا حتى القرود.. والبشر ليسوا بشرا.. بل أشباه بشر.. كأن وجوههم ممسوخة إلى قردة.. كل هؤلاء دخلوا علينا فجأة وأخذوا يدورون في الساحة بهمجية.. لكن “آدم” أخرج لهم عصاه ورفعها فبدا مظهره عجيبا وسطهم وهم ينتظمون فيما بينهم ويترتبون وكأنهم ينتظرون الأوامر.
_335_
قال “آدم” بطريقة مسرحية:
والآن يا سادة اقتربوا برؤوسكم.. إني أدعوكم لتشاهدوا الكائنات الانتقالية المفترض أنها تثبت نظرية التطور بما لا يدع مجالا للشك.. ها هي ذي أمامكم.. عجيبة جدا كما نرى .. لكنها لن تكون عجيبة لو فهمنا أن مكانها في تاريخ الكائنات الحية حسب نظرية التطور هو بالضبط في حلقات الوصل ما بين الطوائف.. منهم من هو حلقة الوصل بين طائفة الزواحف وطائفة الطيور.. ومنهم من هو حلقة الوصل بين طائفة الأسماك وطائفة البرمائيات.. ومنهم كثيرون يمثلون حلقة الوصل بين سلف القرد والإنسان.. لا تتعجبوا منهم هكذا.. فهؤلاء هم أسلافنا كما تقول النظرية.. أسلافنا وأبناء عمومتنا.. أجدادنا وجداتنا.. ولكن أين الجدة “لوكا”؟ ها هي ذي وسطهم هناك.. هذه هي جدتنا وجدة كل الكائنات كما تقول نظرية التطور.. فليكن سنعتبرها كذلك حتى إشعار آخر.
لم نفهم ماذا يريد “آدم” أن يفعل هذه المرة.. المهم أنني مستمتع بما يفعله..
قال “آدم”:
دعونا نبدأ بأول مجموعة من الكائنات الانتقالية لدينا.. وحتى نثيركم من البداية سنبدأ بمجموعة أشباه القردة هؤلاء أو أشباه الإنسان أو لا أدري بماذا أصفهم.. إن بعضهم يبدو قرديًا.. وبعضهم يبدو إنسانيًا.. لدينا عشرة كائنات هنا.. وسيتقدمون إليَّ خمسة خمسة.. الخمسة الأولون الذين سيتقدمون هم الأصناف الأقرب للإنسانية.. والخمسة الآخرون هم الأصناف الأقرب للقردية.
أشار “آدم” بعصاه فانفصل خمسة مقرودين عن بقية زملائهم ووقفوا متجاورين بطريقة قردية ينظرون حولهم ويحكُّون رؤوسهم.. مشى “آدم” أمامهم وهو يربت بعصاه على كف يده في أهمية.. ثم أشار بعصاه إلى أول فرد من الخمسة.. كان إنسانا لكن نسبة الشعر في جسده زائدة قليلًا.. شعر رأسه طويل نازل على جبهته في غير انتظام.. حاجباه كثيفان.. ورغم أن فكه بارز تماما مثل فك الشمبانزي .. فإن وجهه كان إنسانيا عاديا ليس مشعرا كوجوه الشمبانزي .. كأنه إنسان بملامح شمبانزي .. نظر له “آدم” وقال:
هذا الكائن الماثل أمامنا يدعى إنسان بلتادون .. لأن حفريته اكتشفت في بلتادون بإنجلترا.. هذه الصورة هي صورة هولوجرامية رسمها الكمبيوتر له بناء على نظرة أهل التطور له.. كما ترون لديه فك شبيه بفك الشمبانزي .. وأسنان تبدو مثل أسنان الشمبانزي .. هذا اكتشاف عظيم.. كائن بجمجمة إنسان وفك وأسنان شمبانزي .. هذا دليل لا يدحض على أن هذا الكائن هو جد من جدود
_336_
الإنسان والشمبانزي .. تم عرضه في المتحف البريطاني في ركن خاص.. وعمل تمثال جميل له ورسومات وأبحاث علمية كثيرة تتحدث عن أرجحية تطور الرأس قبل الفك عند الإنسان.. وملء المجلات العلمية بصوره وتقاريره.. وبعد أربعين سنة من عرضه على الناس وتعليمه في الكتب، أجريت عليه تجربة بالصدفة لاختبار عمره بالفلورين.. وصَدَم العلماء والباحثين والإعلام والتطوريين والطلاب والناس العاديين.. صدمهم بأن عظامه لا تعود إلى نصف مليون سنة كما هو معلوم عنه.. هذه الجمجمة هي جمجمة إنسان عادي حالي يعيش في هذا الزمن.. وهذا الفك وهذه الأسنان فك وأسنان قرد من القردة الحاليين الذين يعيشون في زمننا هذا.. بمزيد من البحث والتقصي عرف العلماء أن مكتشف الحفرية جمع هذا إلى ذاك ليفبرك الكائن.. وقد فعل هذا بمهارة واحترافية شديدة.. كانت قضية تزوير وخداع ماهرة جدًا.. خدعت العالم أجمع أكثر من أربعين عاما.. هذا يا سادة كان إنسان بلتادون.
وضع “آدم” طرف عصاه على رأس إنسان بلتادون فتحول إلى تراب.. ابتسم “آدم” ابتسامة غريبة وتابع مشيه إلى المقرود الثاني.. لم يكن يختلف شكله كثيرا عن صاحبه الأول .. إلا أن شعره كان أطول وشكل وجهه أفضل لأن فكه القردي لم يكن بارزا جدا.. لكنه بارز على أي حال.. الملامح القردية واضحة للعيان وقد أعطاها الشعر الطويل والجسد العاري تأثيرا بدائيا لا شك فيه.. أشار عليه “آدم” وقال:
أما هذا الصديق فيدعونه إنسان نبراسكا .. كل ما اكتشف منه هو ضرس.. فقط ضرس واحد في ولاية نبراسكا.. كانوا يرون أن هذا الضرس هو ضرس قردي الشكل لكنه قريب جدًا بشكل مريب من ضروس الإنسان.. قالوا إذا هذا ضرس لمخلوق ما بين القردة والإنسان.. و نشر الاكتشاف في مجلة Science .. وأعطوا له اسما رنانًا لاتينيًا يشعرك بأهمية الموضوع.. وانتشرت رسومات تخيلية له ولزوجته.. وهي الرسومات التي استقينا منها هذا الهولوجرام.. مرت بضع سنوات وتم الكشف عن أجزاء أخرى من الكائن في نفس الموقع.. هذه الأجزاء كانت صادمة نوعا ما لأنها كشفت عن أن هذا الضرس لم يكن يرجع لإنسان أو لقرد من القردة العليا أو حتى السفلى.. كان الضرس في الحقيقة ضرس خنزير.. خنزير بري منقرض.
وضع “آدم” عصاه على رأس إنسان نبراسكا فتحول إلى خنزير بري صغير غريب الشكل.. ثم إنه ركض خارج القاعة بسرعة مصدرا صوتا خنزيريا.. نظر له
_337_
“آدم” نظرة خاوية ثم استمر في عمله.. المقرود الثالث كان على نفس شاكلة صاحبيه.. الفرق أن عينه كانت تعطي إيحاء بأنه آسيوي .. إذا هو إنسان آسيوي الملامح لكنه ذو فك كبير يجعل ملمحه قردية الشكل.. أشار عليه “آدم” وقال:
إنسان جافا.. لأن حفريته وجدت في جافا بإندونيسيا.. لأجل هذا تبدو ملامحه آسيوية.. كانت الحفرية عبارة عن جمجمة ناقصة وعظمة فخذ.. الجزء الموجود من الجمجمة حجمه أصغر من جمجمة الإنسان وأكبر من جمجمة القرد.. مما يعني مخلوقًا متوسطًا بينهما غالبًا.. لكن الفخذ هو فخذ إنساني بكامل مواصفاته.. تم القول بأن هذا هو الحلقة المفقودة بيننا وبين سلفنا القردي الأول .. ورسموا له رسومات تخيلية كثيرة تظهر كم هو بدائي وتظهر كم أن وجهه قردي الشكل وإنساني في نفس الوقت.. لكن المزيد من الجماجم اكتشفت من نفس الموقع في جزيرة جافا أثبتت لاحقا أن هذا الكائن لم يكن أبدا كائنا متوسطا.. إنما هو إنسان عادي قائم.. تحديدًا هو نوع من أنواع الإنسان العادي يسمونه “هومو إيريكتوس”.. وهو نوع سنتحدث عنه لاحقا.
ضرب “آدم بعصاه على رأس إنسان جافا فاختفت كل ملامحه القردية المزعومة وتحولت إلى ملامح إنسان عادي ذي ملامح كبيرة.. ووقف في مكانه يتحسس وجهه الجديد.. ثم أشار “آدم” إلى المقرود الرابع.. كان شكله شبيها بصاحبه جدا.. إلا أن هذا كانت ملامحه أكبر وعظامه أبرز.. وهناك شبه طابع آسيوي يطغى على ملامحه.. قال عنه “آدم”:
هذا الصديق هو إنسان بكين.. في البداية اكتشف سن واحدة من أسنانه في بكين في الصين.. وتم اعتباره بناء على هذه السن وحدها والمعلومات المستخرجة منها واحدًا من أنصاف البشر.. الأسلاف المقرودين عجيبي الشكل.. ولكن لاحقا تم اكتشاف العديد من بقايا الجماجم والأدوات في نفس الموقع تثبت أن إنسان بكين إنما هو إنسان يتبع النوع الإنساني المسمى هومو إيريكتوس أيضا والذي سأضطر لأن أتحدث عنه الآن.
ضرب “آدم” على رأس إنسان بكين فاختفت ملامحه القردية كلها وتحولت إلى ملامح بشرية عادية لكنها كبيرة… صار يشبه صاحبه إنسان جافا شبها كبيرا.. نظر إليهما “آدم” وهما يقفان بعضهما بجانب بعض بعد تغير ملامحهما إلى بشر وقال:
هذان شخصان كما قلت يتبعان أحد أنواع البشر الذين يسمونهم هومو إيريكتوس.. ولكن مهلًا..
_338_
أصدر “آدم بشفتيه صفيرًا مميزًا وأشار بعصاه إلى جمهرة الكائنات المنتظمة فخرج من وسطهم فتى صغير أسمر ذو ملامح كبيرة نوعا ما.. خرج من وسط الكائنات الانتقالية ووقف بين إنسان جافا وإنسان بكين.. نظر له “آدم” وقال:
هذا هو فتى توركانا.. أكثر حفرية كمالًا وجدت من نوع الهومو إيريكتوس.. وجد هيكله كاملًا وجمجمته كاملة.. وهو كما نرى يملك ملامح مميزة كبيرة مثل صاحبيه.. حسب نظرية التطور فهذا النوع هو نوع متوسط.. بين الإنسان الحديث الحالي وبين أسلاف البشر القدامى.. وحتى أُسهل الكلام أقول أن خط التطور البشري بالنسبة لهم حدث كالتالي: ( سلف مجهول – أوسترالوبيثيكاس – هومو هابيليس– هومو إيريكتوس – نياندرتال – بشر عاديون) .. احفظ هذه السلسلة جيدًا من الآن حتى لا تتوه في أحاديثنا هذه.
دار “آدم” حول الثلاثة.. إنسان جافا وبكين وتوركانا وهو يقول :
كل هؤلاء إيريكتوس.. قالوا عن الإيريكتوس أنه بدائي لأن جبهته عريضة متراجعة وحاجبيه بارزين وفكه كبيرًا.. لكن هذه المواصفات نفسها تنطبق على بعض البشر العاديين الذين يعيشون بيننا مثل سكان أستراليا الأصليين وسكان الإسكيمو والبوشمان وسكان جزيرة إليوت وشعب القوازق .. كل هؤلاء رؤوسهم مثل الإيريكتوس تمامًا.
قالوا أنه بدائي لأن حجم جمجمته صغير.. لكن الحقيقة أن البشر الحاليين بينهم تفاوت كبير في حجم الجمجمة.. فجماجمهم ما بين 700 و2200 سنتيمتر مكعب وكل حفريات الإيريكتوس بلا استثناء تقع في هذا المدى ليست أصغر منه.
ثم اكتشفت لاحقا أدوات ودلائل تثبت أن هذا النوع كان ذكيا ولم يكن بدائيا همجيا.. فلقد وجدت لهم مثل أحافير في جزر منعزلة في اليونان.. هذه الجزر بعيدة داخل البحر والأدلة الجيولوجية تثبت أنها ظلت جزرا منذ ملايين السنين.. ووجود الإيريكتوس في هذه الجزر يدل على أن هؤلاء الإيريكتوس قد عبروا إليها البحر الكبير بأعداد غزيرة بطريقة ما ذات يوم.. وهذا جعل العلماء يرجحون أنهم بنوا سفينة للعبور.. وبهذا يستحيل أن يكون الإيريكتوس بدائيين بأي حال.. بل هم أذكياء يبنون السفن.. إضافة إلى الكوخ الحجري المبني بعناية وإتقان والذي اكتشفه العلماء في Olduvai Gorge وقدروا عمره ب 2 مليون سنة، وهو كوخ لا يمكن أن يبنيه سوى إنسان ذكي يعرف تماما ما يفعل.. وجد هذا الكوخ في زمن لم يكن فيه كما هو مفترض تطوريا غير الهومو إيريكتوس..
_339_
وبالتالي هو الذي بناه.. الخلاصة أن الإيريكتوس مواصفاته تقع ضمن مواصفات الإنسان العادي الذكي الحديث ولا يمكن اعتباره سلفا همجيا.
بإشارة من عصا “آدم” توجه الهومو إيريكتوس الثلاثة ووقفوا جانبا وبدأوا يتصرفون بذكاء وإنسانية.. ثم نظر “آدم” إلى آخر واحد من الخمسة الأولين.. كان رجل عاديًا لكنه يبدو بمظهر بدائي.. جسد قوي جدًا عضلاته نامية.. شعر طويل.. لحية نامية.. عينان غبيتان حائرتان.. أشار له “آدم” وقال:
النياندرتال.. التطور الإنساني التالي بعد الإيريكتوس كما يقولون .. اعتبروا أن ذكاءه نصف ذكاء الإنسان العادي.. واعتبروه بدائي غير قادر على الإبداع مثل الإنسان العادي.. واعتبروا أنه لا يقدر على الكلام إلا بهمهمات مثل التي يتحدث بها القرود.. ثم اكتشفوا لاحقا أنهم كانوا مخطئين.
المزيد من حفريات ومكتشفات النياندرتال أثبتت أنهم كانوا مجتمعا متحضرا.. يرسمون على جدران كهوفهم مثلهم مثل الإنسان العادي.. ويصطادون مثلهم مثل الإنسان العادي.. ويسمعون الموسيقى ويعزفون على آلات موسيقية خاصة.. وكانوا يدفنون موتاهم.. وكانوا يتزينون بالحلي.. وتجمعهم صلات صداقة بالإنسان الحديث كما يسميه التطوريون .. والذي عاش في نفس الفترة معهم.. ثم اكتشف العلماء أن عظمة الـ hyoid التي عندهم في الحنجرة تماثل الموجودة عند الإنسان العادي تماما.. وهي العظمة المسؤولة عن الكلام.. هذا دمر نظرية أنهم لا يتكلمون .. بل إنهم كانوا يتكلمون مثلهم مثل البشر العاديين.. أعاد بعض العلماء تصنيفهم فوضعوهم مع نوع الإنسان العادي الحديث.
أشار “آدم” بعصاه إلى النيندرتال فحلق له شعره حلقة حديثة.. ثم أشار إلى ذقنه فحلق الشعر النامي عليها.. ثم أشار إلى ملابسه فألبسه ملابسَ حديثة أنيقة وحذاء أنيقا.. ثم قال “آدم”:
وها هو النياندرتال بعد تصحيح الاعتقادات الأولى عنه.. لا يميز ملامحه سوى الأنف الكبير نوعا ما والشفتان الكبيرتان… والجسم القوي .. وهذه الصفات منتشرة في الإنسان الحديث بشكل رهيب.. ولو نزل هكذا وسط الشارع لن يلفت نظر أي أحد.
تنحى النياندرتال ووقف بجوار الثلاثة الإريكتوس السابقين فأصبح لدينا أربعة أشخاص عاديون بملامح كبيرة مثل الذين قد تراهم في أي مكان… حول “آدم” نظره عنهم كلهم وأشار إلى الخمسة التالين الذين كان شكلهم ممسوخا نوعا ما.. تقدم الخمسة قرديين ووقفوا متجاورين.. أشار “آدم” إلى أولهم فتقدم
_340_
أو تقدمت على استحياء.. كان يبدو أنها أنثى من تشكيل جسدها.. شمبانزية لكنها تمشي كالإنسان منتصبة.. وكانت نحيلة نوعًا ما مقارنة بصورة الشمبانزي العادي الذي نتخيله.. قال “آدم”:
هذه الأنثى اللطيفة تدعى لوسي.. وقد وجد أهل التطور في لوسي أفضل مرشح لتكون جدة الإنسان والشمبانزي .. لأن فيها كما قالوا مزيجا من صفات البشر والشمبانزي .. أهم هذه الصفات هي أنها تمشي منتصبة وليست منحنية مثل باقي الشمبانزي .. فوضعوها ضمن جنس منفصل من الكائنات سموه “أوسترالوبيثيكاس”.. وهو أول تطور بعد سلف الإنسان المجهول .. سماها مكتشفوها باسم لوسي لأنهم لما اكتشفوها وعرفوا أنها أنثى كانوا وقتها يستمعون أغنية “لوسي في السماء مع الألماس” لفرقة البيتلز.. دعكم من هذا.
الحقيقة التي اكتشفت بعد ذلك بالأبحاث المستمرة على لوسي أثبتت أنها لا يمكن أن تمشي منتصبة أبدا.. لأن جميع صفاتها التشريحية منطبقة على صفات الشمبانزيات وليس على صفات الإنسان.. فجمجمتها مثل جمجمة الشمبانزي تماما.. يكفي أن ترى صورة واحدة لجمجمة لوسي لتعرف هذا.. لا يوجد أي فرق بين رأسها ورأس أي شمبانزي .. عظمة الإصبع التي وجدت كاملة في أحد أحافير الأوسترالوبيثيكاس أظهرت إصبعا مثنيا كأصابع الشمبانزي .. ذلك الانثناء الذي يساعد الشمبانزي على التسلق والتعلق بالأشجار.. أرجلها قادرة على القبض على الأشياء مثل أرجل الشمبانزي .. عظمة الـ hyoid عندها هي مثل الموجودة عند الشمبانزي تمامًا.. أي أنها تهمهم مثل الشمبانزي .. وأسنانها تدل على أنها من آكلي النبات مثل الشمبانزي.
تكوين الأذن الداخلية لها مثل الشمبانزي تماما.. مما يدل على أن توازنها أثناء المشي يكون انحناء مثل الشمبانزي وليس انتصابا مثل البشر.. هذا يعني أنها تمشي مشية الشمبانزي المعروفة عندما يمشي على قدمين ويسند بمفاصل ظهر يده على الأرض.. كل شيء يدل على أنها تمشي هكذا.. أرجلها قصيرة ويدها طويلة.. عظام الرسغ مثل عظام الرسغ لكل الماشين منحنين على مفاصلهم.. عندما أراد داعمو التطور ترقيع هذه الاكتشافات قالوا أن لوسي تمشي منتصبة وفي نفس الوقت تنحني عندما تحب أن تتسلق الأشجار.. وفي النهاية أزيحت لوسي هي وجنس الأوسترالوبيثيكاس من كونها سلف الإنسان والشمبانزي وأصبح هذا السلف المزعوم مجهولا لا أحد يدري من هو.
_341_
رفع “آدم” عصاه على لوسي ففقدت قدرتها على الوقوف منتصبة وانحنت على الأرض مثل الشمبانزي وأخذت تتقافز في مكانها وتحركت ماشية بأرجلها مستندة على مفاصل يدها وأصدرت صوت همهمة الشمبانزيات المعروفة.. نظرنا تلقائيا إلى الكائن التالي.. شكله قردي بامتياز لكنه واقف منتصب قليل ووجهه فيه كثير من اللمحات الإنسانية.. كأنه قرد في ملامح إنسان.. كان عجيبا حقا.. قال “آدم”:
لن أتوقف عند هذا الصديق طويل فهو يدعى زنج Zinj .. لما اكتشف أول مرة قيل عنه كالعادة أنه هو السلف المنتظر.. الحلقة المفقودة.. وانتشرت له ثلاث رسمات مختلفة لثلاثة تصورات تخيلية له.. كلها تصوره في هيئة بشرية.. والهولوجرام هنا رسم لنا أحد هذه التصورات.. الدراسات فيما بعد أثبتت أنه لا علاقة له بالإنسان وإنما هو قرد عادي من القردة العليا المنقرضة.. ولا يمكنه أن يكون الحلقة المفقودة لأنه تم اكتشاف بشر أقدم منه.. فتمت إزاحته تماما من كونه حلقة مفقودة.. إن داعمي التطور حتى الآن غير موفقين في إيجاد الدلائل على افتراضاتهم.. إنما هم بارعون في شيء واحد.. البروباجاندا.. فقط.
وبضربة من عصا “آدم” على “زنج” اختفت ملامحه الإنسانية تما ما وانحنى وزال انتصابه وأصبح قردا عاديا جدا وتحرك جانبا ليقف بجانب القردة لوسي.. نظرنا إلى الثالث.. كان منتصبا قليل ذا رأس دائري وملامح قردية كاملة وجسد أنثوي .. قال “آدم”:
أعرفكم هذه المرة بالقردة شيفا Shiva ..ولن نتوقف عندها طويل أيضا.. كانوا يعتقدون أنها هي سلف الإنسان المباشر.. تيمة الحلقة المفقودة كالعادة.. البروباجاندا كالعادة.. ما حصل هذه المرة هو أن الدراسات كشفت أن شيفا لا علاقة لها بالإنسان ولا بأسلاف الإنسان.. إنما هي قردة من أسلاف قردة الأورانج أوتانج البرتقالية الكبيرة وتمت إعادة تصنيفها إلى تلك الفئة.
مرة أخرى ضرب “آدم” بالعصا.. فلم تعد شيفا منتصبة كما كانت وإنما صارت منحنية تمشي على أربع مثل الأورانج أوتان ووقفت بجوار صاحبيها زنج ولوسي.. تنهد “آدم” تنهيدة عميقة ثم أكمل ناظرا إلى الرابع.. كان قردا كبيرا منتصبا ذا نظرات حادة.. قال “آدم”:
أوشكنا على الانتهاء الآن.. لدينا هذا القرد الكبير.. الهومو هابيليس.. التطور التالي بعد الأوسترالوبيثيكاس.. وعليه جدل كبير.. البعض يصنفه تصنيفًا مستقلًا هو الهومو هابيليس.. والبعض الآخر يصنفه ضمن الأوسترالوبيثيكاس وهو الأرجح..
_342_
لأن كل صفاته موجودة ضمن المدى الخاص بجنس الأوسترالوبيثيكاس.. سواء حجم الجمجمة أو تركيب قنوات الأذن الداخلية أو الأذرع الطويلة والأرجل القصيرة أو تركيب الفك أو تركيب الأصابع.. كل هذا واقع في مدى الأوسترالوبيثيكاس تماما… يعني هذا أن الهابيليس تصنيف خاطئ مقترح إلغاؤه لأن كل حفرياته إما تتبع الأوسترالوبيثيكاس أو أنها تتبع الهومو إيريكتوس.
وإنما ظهر كتصنيف مستقل أول مرة لأن هناك أصواتا كثيرة كانت قد بدأت تعارض محاولة إضافة الصفات الإنسانية على قرد الأوسترالوبيثيكاس.. وأصواتا أخرى تعارض محاولة إضافة الصفات القردية على إنسان الهومو إيريكتوس.. فكان هناك حاجة لإيجاد تصنيف مستقل وكائن جديد بينهما.. لهذا أخرجوا لنا الهابيليس.. ولكن يبدو أن هذا الهابيليس الجديد لم يعجب الكثير من العلماء من داعمي التطور أنفسهم.
ضربه “آدم” على رأسه ضربة خفيفة تحول بعدها إلى قرد ذكر تكوينه شبيه بلوسي وذهب ليقف بجانبها هي وأصدقائها.. ثم نظر إلى الكائن الأخير الذي كان وحده ليس بجانبه أحد.. نظر حوله ثم نظر لآدم بطريقة مضحكة.. كان شكله عجيبا نوعا ما.. كأنه قرد حليق الوجه ليس في وجهه أي شعر.. إلا في ذقنه النامية.. وكان فكه ورأسه صغيرين.. قال “آدم”:
هذا هو آخر حفرية لدينا باقية من أسلاف الإنسان المزعومين.. اسمه هومورودولفينسيس.. تم رسم رسمة له بالكمبيوتر يبدو فيها وجهه إنسانيا.. ولكن بعد اكتشاف المزيد من العظام له تمت إعادة الرسمة مرة أخرى ليصبح الفك بارزا كالقرد.. وأصبح عليه جدل شديد.. أهو يتبع الهابيليس.. أم يتبع الأوسترالوبيثيكاس؟ والأرجح بعد مطالعة جميع الدراسات أنه يتبع الأوسترالوبيثيكاس.. بالنظر إلى حجم جمجمته الصغير وفكه البارز والمساحة الداخلية المتاحة للأسنان.. هذه الصفات لا تجعله يخرج من دائرة الأوسترالوبيثيكاس خصوصًا وأن الراجح أن الهابيليس والأوسترالوبيثيكاس شيء واحد أصلًا.. فكلهم في النهاية قرود أوسترالوبيثيكاس.
أشار له “آدم” إشارة آمرة فتحرك وذهب ليقف جوار لوسي وأصحابها.. قال “آدم”
والآن كما نرى لدينا جنسان مختلفان.. جنس بشري وجنس قردي.. الجنس البشري فيه الهومو إيريكتوس والنياندرتال والبشر العاديون ..
_343_
وها هم يقفون هناك متمثلين في إنسان جافا وإنسان بكين وفتى توركانا ونياندرتال ونحن البشر.. وكلهم في الحقيقة بشر والاختلافات التي بينهم لا تعدو الاختلافات بين البشر العاديين بسبب اختلاف بيئاتهم وأعراقهم وأجناسهم.. وكل المسحات القردية التي أعطيت لهم تم إثبات خطئها.. الجنس الآخر الذين يقفون هناك مقابلهم هم الجنس القردي.. منهم ثلاثة يتبعون الأوسترالوبيثيكاس هم لوسي والهابيليس والرودولفينسيس.. واثنان يتبعون القرود العادية هم زينج وشيفا.. وكل الخمسة تم إثبات أنه ليست لدى أي أحد منهم أية مسحة بشرية.. سواء في الشكل أو في المشية المنتصبة على قدمين.. فهذا جنس بشري .. وذاك جنس قرود.. ولا يوجد أي جنس في المنتصف بين الجنسين.. ولا يوجد أي إثبات أن أي جنس من هؤلاء أو هؤلاء له أي علاقة بالجنس الآخر أو أن أحدهم قد تطور من الآخر.
قال “آدم”:
أيضًا هناك عدة إثباتات أخرى تلغي أي بواقي شك في خطأ سيناريو تطور الإنسان.. أولًا هناك هوة واسعة جدًا في الزمن بين الهومو إيريكتوس وكل من كان قبله من الهابيليس والأوسترالوبيثيكاس.. يعني هناك هواة واسعة من الزمن بين جنس القرود وجنس الإنسان.. هوة تثبت أن الإنسان قد ظهر في السجل الأحفوري فجأة ولم يتطور من أي شيء كما يدعي التطور.
ثانيا اكتشف حديثا أن الهومو إيريكتوس كان يعيش مع النيانديرتال مع البشر العاديين جنبا إلى جنب.. وهذا يصعب تخيل أن أحدهم تطور من الآخر.
ثالثًا وُجد ما قلب خط التطور هذا رأسا على عقب.. فقد وجدت دلائل على وجود بشر عاديين كانوا يعيشون أيام الأوسترالوبيثيكاس.. فأهل التطور يقولون أن الأوسترالوبيثيكاس عمره 4 ملايين عام.. بينما وجدت آثار أقدام بشر عاديين واضحة جدا في Letoli عمرها 4 ملايين سنة أيضا.. 20 أثر لشخص في العاشرة و 27 أثر لشخص أصغر عمرًا.. آثار أقدام لا تحدثها سوى أقدام بشر مقوسة ليس أقدام قرود مسطحة.. والأوسترالوبيثيكاس بالنظر إلى عظامه تجد قدمه مسطحة مثل القرود العادية.. هذا يدل على أن البشر العاديين كانوا يعيشون مع الأوسترالوبيثيكاس.
اكتشفوا أيضا أن الهابيليس كانوا يعيشون مع الإيريكتوس في كينيا لأكثر من نصف مليون عام.. فمثلما يعيش البشر الحاليون مع القرود والشمبانزي .. كان البشر القدامى يعيشون مع القرود القدامى.. لم يتطور أحد منهم من أحد كما يحاولون أن يصدروا لنا طيلة الوقت.
_344_
قال “آدم” بلهجة من يختم هذه النقطة:
أخيرا أقول إن المشي على قدمين ليس ميزة تطورية.. بالعكس.. المشي كالقرد أفضل وأسرع وأدعى للتعلق بالأشجار.. فلن يقدم الانتصاب مزيدًا من السرعة ولا مزيدًا من الأمان.. بالعكس.. وبالتالي لم يكن من المفترض أن يتطور القرد فيمشي على رجلين.. بل كان الأدعى أن يتطور الإنسان ليمشي على أربع..
ما الحاجة التطورية لأن يقف الإنسان قائما ويكون عرضة أكثر للفرائس هكذا؟ الانحناء الإجباري هذا كان يوفر له الاختباء في الغابات.
وأثبتت الدراسات أنه تبعًا لاستهلاك الطاقة يستحيل أن يمشي أي كائن في العالم مشية مركبة من قدمين وأربع أقدام.. إما أن يمشي مستقيما وإما أن يمشي على أربع.. لكن المشية المزدوجة المفترضة المتخيلة هذه لا أساس لها من الصحة.
ثم إنه ما الميزة التطورية في أن يفقد القرد فراءه ويتعرى هكذا؟ كان الفراء على الأقل يحميه من البرد ويجعله مرتاحا إلى أقصى حد.. لكن الإنسان عار محتاج إلى الملابس دائما.. ما الحاجة التطورية للعري ؟ وما الحاجة التطورية للكلام؟ القرود بأنواعها كانت تهمهم مثلها مثل الحيوانات..لماذا صارت فجأة إنسانا يتكلم؟
ما الحاجة التطورية لكل هذا الذكاء الخارق الذي عند البشر؟ إن ما يملكه الإنسان من ذكاء يتجاوز كثيرا مهامه الوظيفية الحالية.. القول بأن الذكاء الإنساني الواعي قد تدرج من أعماق البهيمية هو قول لا يقوم على أي دليل.
إجاباتهم كلها هي دائما افتراضات لا يقوم بها علم حقيقي.. إن القردة كانت قوية كفاية لتعيش وتحكم الأرض بكفاءة عالية ولم يكن هناك داع بيئي أو ظروف تجبرها على التحول إلى إنسان.
ثم قال:
هم دائمًا يغضبون عندما تقول لهم أن نظرية التطور تقول أن الإنسان أصله قرد.. ويقولون أن هذا خطأ.. ويصححون لك قائلين بل الإنسان والشمبانزي والقرد لهم سلف مشترك واحد.. وما هو هذا السلف المشترك الواحد؟ هو كائن ما قردي الشكل قبل الأوسترالوبيثيكاس.. يعني في النهاية بعد هذه الفلسلفة تقول النظرية أن الإنسان أصله قرد.. لكن هذا القرد السلف سيكون له اسم علمي ولا يصح أن نسميه قردًا.. إنما هو في الحقيقة أدنى من القرد.. يعني عندما كنا نقول أنه قرد كان أشرف له.
_345_
بالنسبة للتطوريين فحكاية السلف المشترك هذه.. تجعل بإمكانهم أن يرفضوا أي صفة من الصفات التي لا تتماشى مع السياق العام للتطور فيقولون لك أنها دليل على أن الكائنين لهما سلف مشترك.. وعندما تسأله ما هو هذا السلف المشترك؟ يقول لك مجهول لا نعلمه.. هكذا يهربون من كل الأسئلة.. أختم القول بالخلاصة أن هذا الإنسان القرد أو القرد الإنسان بكل تلك الرسومات والأفلام المصنوعة له هو مجرد خيال بحت لا دليل دامغ عليه حتى من الأحافير نفسها.
و بإشارة من يد “آدم” تحول القرود والبشر القدامى هؤلاء إلى تراب.. ورفع يده الأخرى مشيرًا إلى جمع الكائنات المنتظمة حتى خرج من بينها أربعة طيور عجيبة الشكل.. تشعر عندما تراها أنها طيور أسطورية.. ذهبت لتطير حول آدم في حركة دائرية.. ثم أشار “آدم” بعصاه فهبط كل طائر هبوطا مريحا في موضعه.
رفع “آدم” يده بإشارة إلى واحد منهم.. طائر عجيب رأسه أحمر وجناحاه كبيران عظيمان يبرز من كل جناح منهما يد طائرية ذات ثلاثة أصابع فلا تدري أهذه يد أم أنه جناح أم أنها يد مجنحة.. وكان يفتح منقاره الكبير ذا الأسنان بصوت مميز لم تسمعه من قبل.. قال “آدم”:
دعونا من القرود قليلًا ودعوني أقدم لكم الأعجوبة.. الأركيورابتور.. الدليل الذي أثار ضجة حقيقية عند اكتشافه.. الدليل الدامغ على أن الطيور قد تطورت من الزواحف.. كما نرى .. هذا الذي يغطي جسده هو ريش متشكل على شكل دائري مثل الحراشف.. يعني كأنه حراشف تطورت إلى ريش.. وكما يبدو فهو لم يفقد يديه اللتان كانتا لديه أيام كان زاحفا.. إنما هما فيما يبدو قد تحولا إلى يد طير وخرجت لهما أجنحة.. المشكلة أن هذا الكائن الأعجوبة الذي ظل أعجوبة لمدة سنة أو أكثر.. وكان على غلاف مجلة ناشيونال جيوجرافيك، لم يصمد في النهاية.. تم اكتشاف أنه مزور.. مُصنَّع في الصين من عدة أحافير لُصقت معًا بمهارة وأضيفت إليها بعض التأثيرات الأحفورية المقنعة.. ثم بيعت إلى مشتريها في أمريكا.. كانت هذه بداية تجارة الأحافير في الصين.. والتي لا تزال قائمة إلى اليوم.. وهي مفيدة لأن المجلات العلمية الشهيرة لم تكن تفحص الحفريات قبل عرضها.. وتُعطي اسمك كمكتشفٍ شهرة لا بأس بها.. لكن الأركيورابتور قد أصبح فضيحة عالمية كبيرة بعد أن انكشف ستره.
تحول الأركيورابتور إلى تراب بضربة من عصا “آدم”.. ثم أشار إلى الطير التالي.. نظرنا مليا إلى هذا الطير الجديد.. إنه شهير جدًا لأي متابع لموضوعات التطور..
_346_
كان منظره أسطوري جدًا يليق بشهرته.. جناحان أسطوريان كبيران ملونان ومنقار مخيف ذو أسنان ورجلان طويلتان وذيل طويل عريض يزينه الريش.. أشار له “آدم” وقال:
الأركيوبتركس.. الطائر الأسطوري القديم الذي عاش مع الديناصورات.. الشيء الأساسي الذي جعلهم يقولون عنه أنه ليس طيرًا بل هو ديناصور في طريقه للتحول إلى طير هو أنهم لم يجدوا فيه عظمة القص التي هي صفة مميزة لكل الطيور.. لكن في الأحفورة السابعة له ثبت وجود هذه العظمة.
فتحولوا إلى شيء آخر.. نظروا إلى مخالبه الطويلة وقالوا أنها دليل على أنه ليس طيرًا كاملًا.. مع أنه لدينا طيور عادية في زمننا اليوم لديها مخالب تستخدمها للتعلق بالأشجار مثل طائر الهواتزن Hoatzin .. فسقط هذا الادّعاء.
ثم نظروا بعد ذلك إلى الأسنان وقالوا أنها دليل على أنه زاحف وليس طيرًا ولكن الحقيقة أن هناك طيورًا منقرضة كاملة لا شك في كونها طيورًا كانت لديها أسنان مثل اللياونينجورس Liaoningorins .. كما أن الأسنان ليست صفة أساسية في الزواحف.. فهناك زواحف كثيرة جدًا ليست لديها أسنان… فكيف تكون الأسنان دليلًا على زاحفية الكائن وهناك زواحف أصلًا لا أسنان لها؟ فسقط هذا الادّعاء أيضًا.
ثم وجد في أحد أحافير الأركيوبتركس دليل على أنه يمتلك رئة طير.. وهذه لا توجد إلا عند الطيور فقط.. إضافة إلى صفاته الطيرية الأخرى مثل الجناح الكامل والريش وعظمة الترقوة التي ترتبط بها العضلات القوية الخاصة بالأجنحة.. والتركيب التشريحي العام الذي يماثل تركيب الطيور تمامًا.
وبغض النظر عن هذا فقد وجدت بعد ذلك دلائل أخرى جعلت البعض يصرف النظر تماما عن الأركيوبتركس.. أبرز هذه الدلائل هو وجود جنس كامل من الطيور يدعى الـ Protoavis أقدم من الأركيوبتركس بعشرات ملايين السنين ولديهم صفات طيرية أكثر منه.. كيف يكون انتقاليا بين الزواحف والطيور وهناك طيور عادية أقدم منه.. أيضا لدينا طير الـ Caudipteryx الذي وجد قبل الأركيوبتركس وفيه صفات طيرية أكثر منه أيضًا.. وهناك الطائر الكامل الذي لا شك فيه.. الـ Xiaotingia المكتشف في الصين وهو أقدم من الأركيوبتركس أو في أحسن الأحوال يماثله عمرًا.. وهذا يلغي فكرة أن الأركيوبتركس هو المرحلة الانتقالية بين الزواحف والطيور فهناك طيور أقدم منه وهناك طير كامل يماثله عمرًا.
_347_
وأخيرًا تم اكتشاف آثار أقدام طيور لا شك فيها على طبقة صخرية أقدم من الأركيوبتركس بـ 55 مليون سنة بمقياس التطوريين.. حاولوا أن يقولوا أنها آثار ديناصورات لكنهم لم يجدوا أية ديناصورات تعيش في تلك الفترة لها أقدام تصلح لعمل هذه الآثار.
حرك “آدم عصاه” في إشارة للأركيوبتركس أن يتحرك.. فتحرك ووقف غير بعيد.. ثم نظرنا إلى التالي بملل.. لدينا مخلوق عجيب آخر.. ديناصور صغير ذو ذيل طويل جدًا.. جسمه ليس مغطى بالحراشف مثل الديناصورات العادية بل بشيء يشبه الفراء وفمه مثل الديناصورات العادية لكنه يقترب من هيئة المنقار.. قال “آدم”:
مرة أخرى أقدم لكم من الصين.. السيناصوروبتركس.. في أحفورته وجدوا أليافا رفيعة خارجة من عظام عنقه وذيله الطويل.. وبشكل من الأشكال تخيلوا أن هذه الألياف هي بدايات ريش.. ولكن الدراسات اللاحقة أثبتت أن هذه الألياف لا علاقة لها بالريش إنما هي ألياف كولاجين وأنها موجودة في بعض أحافير الديناصورات العادية مثل البيتاكوصور.. إذ فهي ألياف في النهاية وليست ريشا.. ثم سكت أهل التطور عن هذا السيناصور لما اكتشفوا الأركيوبتركس الذي عاش قبله ب 25 مليون سنة ويمثل أول تحول لزاحف إلى طير في رأيهم.
أشار له “آدم” بعصاه فتحول فراؤه أو ريشه البدائي إلى حراشف عادية فأصبح ديناصورًا عاديًا.. واتخذ جانبًا مع الأركيوبتركس.. ثم استدار “آدم” إلى الطير الأخير.. كان هذا عجيبًا بحق.. يمتلك أربعة أجنحة.. جناحان عاديان وجناحان آخران على قدميه الطويلتين الشبيهتين بأرجل الزواحف.. وذيل طويل مثل الطاووس.. قال عنه “آدم”:
هذا هو الأعجوبة الأخيرة.. المايكرورابتور.. فبرغم أن جسده مغطى بالريش بكامله وله جناحان أماميان كبيران وحوضه مثل حوض الطيور العادية.. فإن قدميه عليهما أجنحة وفيهما مخالب قاتلة تشبه مخالب الديناصورات.. اعتبره أهل التطور ديناصورًا في طريقه للتطور إلى طير.. بغض النظر عن أن حفريات هذا الكائن كلها آتية من الصين ومن نفس المقاطعة التي جاءت منها أحفورة الأركيورابتور المزيفة وأن بعض العلماء ما زالوا يشكون فيها.. إلا أنه وإن كان حقيقيًا بالفعل فالمخالب التي في قدمه لا تعتبر دليلًا على شيء.. فهناك طير عادي يعيش بيننا اليوم ويملك هذه المخالب اسمه طائر الشبنم وهو خطر جدا ويلقبونه بالطير الديناصور.. أيضا مشكلة المايكرورابتور أنه ظهر بمقياس التطوريين بعد 25 مليون سنة من الأركيوبتركس.
_348_
تحرك المايكرورابتور من نفسه إلى الجانب ليقف مع صاحبيه.. نظر لهم “آدم” وقال:
الخلاصة أنه ليس لدينا أي دليل دامغ على تطور الزواحف إلى طيور.. كل الأدلة التي يقولون أنها أدلة تم دحضها وإثبات عكسها.. بغض النظر عن هذا.. لو نظرت تحت الميكروسكوب إلى الحراشف ثم نظرت إلى الريش.. ستجد اختلافًا رهيبًا في كل شيء ولن تجد تشابها في أي شيء.. اللهم إلا أن كل منهما يتكون من بروتين واحد هو الكيراتين.. لكن تذكر أن الكيراتين هو البروتين الذي تتكون منه شعورنا وأظافرنا نحن البشر.. كما أن نوع الكيراتين الذي تتكون منه الحراشف مختلف عن نوع الكيراتين الذي يتكون منه الريش.. ولو كان هناك شيء أدعى أن يتحول إلى طير لكان هذا مثلًا..
خرجت فجأة من بين الكائنات سمكة طائرة بالمعنى الحرفي للكلمة.. سمكة لها جناحان كاملان.. أخذت تحوم حول القاعة.. أشار إليها “آدم”:
هذه سمكة تطير.. وهي تعيش اليوم بيننا.. وهي ليست سمكة واحدة بالمناسبة.. بل عائلة كاملة من الأسماك تدعى Exocoeitidae .. وهي عائلة كبيرة فيها سبعة أجناس.. و 64 نوع.. كلهم يطيرون.. وبأجنحة كاملة مثلما ترون.. وأحافيرها ظلت كما هي منذ قديم الزمان لم تتطور من أي شيء ولا إلى أي شيء.. إن أجنحة هذه العائلة من الأسماك تدعوني للتساؤل أيضا عن الحشرات الطائرة.. من أين أتت أجنحة تلك الحشرات؟ من أين تطورت أجنحة الذبابة؟ بل من أين أتت الذبابة نفسها؟ لن تجد إجابة أبدا.. وهناك شيء أخير.. الزواحف لو أرادت أن تتطور لتطير مثلًا.. لم تكن تحتاج لتخلق تركيبات معقدة جديدة مثل الريش.. البتروصور مثل هو ديناصور طائر ومعروف ومميز جدا.. يطير بالأغشية الرقيقة بين أصابعه.. وفي الثدييات من يفعل هذا بكفاءة مثل الخفاش والسنجاب الطائر.. ما الحاجة لبزوغ تشكيلات معقدة وجميلة وملونة مثل الريش للطيران بها؟
نظر “آدم” إلى الموجودين فوجدهم صامتين تماما.. لا يدري هل هو صمت إحباط بعضهم أم ماذا.. ولكن كان عليه أن يكمل على أية حال.. قال “آدم”:
أرى شبح الملل قد زاركم اليوم.. لا تقلقوا لم يعد هناك الكثير من الكائنات الانتقالية.. فقد سقطت الكائنات التي عرضوها لتطور الإنسان وسقطت مثلها تلك التي عرضوها لتطور الطيور.. والآن بقيت أشهر ثلاثة تطورات.. تطور الأسماك إلى برمائيات.. وتطور الحوت.. وتطور الحصان.
_349_
أشار “آدم” إلى سمكة عجيبة الشكل فجاءت له تسعى في الهواء .. كانت أسطورية الشكل كبيرة جدًا تعطيك شعورًا بأنها سمكة عجوز متوحشة .. الغريب أنه كان لديها أقدام أسفل منها .. قال “آدم” :
أعرفكم بسيدتنا العجوز .. الكوالاكانث .. هل أعجبتكم أقدامها؟ لقد قالوا أن عمرها 80 مليون سنة .. و قالوا أن عندها رئة .. وقالوا أنها تعيش قرب سطح الماء و تخرج إلى الشاطئ تتمشي .. و تقدر على التنفس سواء تحت الماء أو على اليابسة .. وقالوا أنها الحلقة التطورية بين الأسماك والبرمائيات .. وظلوا على هذه الحال ما يقرب المائة سنة كاملة .. حتى حدثت الصدمة.
اصطاد أحد الصيادين من أعماق المحيط الهادي سمكة الكوالاكانث .. التي يفترض أنها انقرضت منذ 80 مليون سنة .. قال أحد العلماء أنه لو قابل ديناصورًا يمشي في الشارع لما كانت دهشته أكثر من دهشته الآن .. نظر العلماء في السمكة الحية إلى ما قال عنه التطوريون في الأحافير أنه أقدام فوجدوا أنها زعانف عادية .. ونظروا إلى ما قال التطوريون عنه أنه رئة فوجدوه مثانة هوائية مملوءة بالدهون .. ووجدوا انها لا تعيش إلا في أعماق البحار والمحيطات وليس قرب سطح الماء كما قال التطوريون ليقنعوا الناس أنها سمكة في طريق تطورها إلى حيوان برمائي .. وتوالت وقائع صيد الكوالاكانث حتى صيد منها أكثر من 200 سمكة أو أكثر .. ثم اكتشف المزيد من أحافيرها القديمة وقدر عمرها بحوالي 400 مليون سنة و ليس 80 مليون كما كان مقدرا سابقًا 400 مليون سنة والسمكة كما هي حتى اليوم لم يزد شيء فيها ولم ينقص.
وهناك كثير من الكائنات غيرها اكتُشفت لها أحافير قديمة جدًا جدًا وهي تعيش بيننا اليوم بنفس حالها من عشرات عشرات ملايين السنين سموها الأحافير الحية Living Fossils .. وعددها كبير جدًا منها ما هو شهير مثل البجع بجميع أنواعه و معظم أنواع القروش الشهيرة .. نجدهم كلهم كما هم منذ ملايين السنين لم تتغير فيهم شعرة.
ثم قال “آدم”:
من سخرية القدر أنه تم اكتشاف سمكة تعيش الآن في عصرنا الحالي لها نفس المواصفات التخيلية التي رسموها سابقا للكوالاكانث .. تلك المواصفات التي كانت جديرة بالرسوم المتحركة .. سمكة لها أقدام تجري بهما على الشاطئ .. وُجدت فعلًا في الواقع .. سمكة الـ Mudskipper .. أو نطاط الطين .. عائلة كاملة من الأسماك تعيش قرب سطح الماء وزعانفها السفلية متحورة لتمشي بها على الشاطئ..
_350_
مخلوق يتنفس في البر وفي البحر عن طريق تكوينات خاصة في جلده.. عيناه ترى في البر كما ترى في البحر.. لا توجد أحافير تقول أن نطاط الطين هذا قد تطور من أو إلى أي شيء.. كل ما لدينا يقول أن نطاط الطين عبر ملايين السنين أنتج المزيد من نطاطي الطين.. لماذا لم يتحول إلى حيوان يمشي على أربع؟
هناك أيضا لدينا عائلة من الأسماك تدعى الـ Handfish .. وهي أسماك زعانفها الأمامية تبدو على شكل يد تمشي بها على أرضية البحر.. لكن دعوني أخبركم بالمفاجأة الحقيقية.. نوع من الأسماك يدعى الـ Axolotl .. هذه أسماك وجوهها مبتسمة وزعانفها الأمامية متحورة على شكل يد لكنها حين تريد أن تصعد إلى الشاطيء، تجد خياشيمها قد غاصت داخل جسدها وكبرت رئتها البدائية داخل صدرها وقويت وصارت فاعلة لتنفس الهواء تحور ذيلها فجأة ليصبح مثل ذيل حيوان السلمندر.. كل هذه التحورات تحدث في لحظات مثل أفلام المتحولين.. وتخرج بها إلى اليابسة وتعيش أسابيع طويلة على اليابسة لو أرادت.. كل هذا مبرمج في جيناتها.. لا علاقة للموضوع بالطفرات التي تستغرق ملايين السنين لتحدث ولا بأي خرافة أخرى تحاول أن تتخذ شكل علميًا.. ولا أي تطور يحدث من كائن إلى كائن.. إن تنوعات الكائنات الحية التي تكتشف لا حد لها ولغرابتها.. وهي تضع التطور في مأزق شديد جدًا دائمًا.
لدينا أيضا أسماك الجوبي اليابانية.. Gobby .. في أسراب هذه الأسماك أنثى واحدة.. لو أخذتها بعيدًا.. سيتحول أحد الذكور إلى أنثى كاملة.. ليلقحها بقية الذكور.. فإذا أعدنا الأنثى التي أخذناها لهم.. تعود الأنثى الجديدة إلى ذكوريتها.. هل هناك أعجب من هذا؟ ذكر يتحول إلى أنثى.. في لحظات.. وكل هذا مبرمج في جيناته.
تحولت الكوالاكانث إلى تراب بإشارة من “آدم”.. الذي رفع عصاه إلى الكائنات فتقدم منها أربعة يمثلون تطور الحوت.. كانوا يمشون ويعوم بعضهم وراء بعض بطريقة يبدو لك حين تراها أنهم حقا متدرجين ومتطورين بعضهم عن بعض.. كان آخرهم حوتًا لكنه مصغر طبعًا حتى يتحمله حجم المكان قال “آدم”:
المثال الجميل كما يسمونه.. تطور الحوت.. فالتطوريون لم يكتفوا بفشلهم في تفسير خروج الأسماك وتحولها إلى برمائيات وإنما اضطرهم الأمر عندما رأوا الحوت أن يقولوا بالتطور الخرافي في الاتجاه المعاكس أيضًا.. وكأن تحول الحيوانات بعضها إلى بعض هو نزهة.. يقولون أن هذا الحوت الضخم الذي صغرناه كثيرًا جدًا جدًا حتى يتحمله حجم القاعة بينما حجمه الحقيقي يتجاوز
_351_
حجم هذه القاعة كلها بعشرين مرة على الأقل.. يقولون أن كل هذا الكائن الضخم العظيم الكبير قد أتى من هذا الحيوان الصغير الذي يقف هناك والذي هو في حجم الكلب.. ادّعاء واسع كما نرى .. ولنضعه في ميزان العلم لربما ينجح في إقناعنا.
أشار “آدم” للكائن الأول والذي كان في حجم الكلب فعلًا.. له رأس طويل وأسنان متوحشة.. ورغم أنه في حجم الكلب فإنه كان يسبح بأقدام لا تدري هل هي أقدام عادية أم أنها متحورة للسباحة.. قال “آدم”:
الباكيسيتوس.. أو الحوت الباكستاني.. وجد منه فقط أجزاء من جمجمة.. ومنها رسموا كل تفاصيل جسده الأخرى التي نراها أمامنا واعتبروه كائنا سابحا في الماء واعتبروه سلفًا للحيتان.. فقط لأجل رأسه الطويل وشكل أذنه الذي يوحي أنها تقترب من أذن الحوت.. لاحقا تراجعوا عن تصورهم هذا لما اكتشفوا أجزاءً أخرى من هيكل الكائن.. تبين لهم أنه حيوان بري عادي يشبه الذئب.. ولا علاقة له بالبحر من قريب أو من بعيد.. وأن أذنه الداخلية ليست مثل الحوت بل هي أقرب شيء لآذان ذوات الحوافر.
تحول الكائن إلى حيوان يشبه الذئب المتوحش.. نظر”آدم” إلى التالي الذي كان يبدو أقرب إلى “سيد قشطة” من أي شيء آخر.. لكن أقدامه تحمل في نهايتها ما يشبه الزعانف.. وقال:
الأمبلوسيتوس.. بضع عظام قليلة مكتشفة رسموا منها أعاجيب.. أعاجيب تعطيك إيحاء أنه يعيش في البر والبحر معا.. ولكن كالعادة هم يعتمدون على خيالهم الواسع وليس على الأدلة الأحفورية الثابتة.. إنهم يبنون رسومات كاملة جميلة دائما بناء على أجزاء صغيرة مكتشفة فقط.. مثلًا نجدهم رسموا له غشاء بين الأصابع.. والغشاء نسيج.. والأنسجة لا تظهر في الأحافير أصلًا.. فما هو إلا تخيل في أدمغتهم لا أصل له.. لكنه ضروري حتى يأتيك الشعور لما تراه بأنه كائن نصف بحري.
تراهم دائما يرسمون له أرجل في نهايتها زعانف.. لا تدري من أين أتوا بهذه الزعانف بالضبط.. ولا توجد أحفورة واحدة فيها أي شيء يشبه الزعانف.. يمكنك أن تفعل هذا بالمناسبة مع أي حيوان.. خذ قردا وارسم له زعانف على ظهره ونسيجا بين أصابعه.. ثم أخبرنا أن هذا هو سلف الدلافين الأول .. هذا ما فعلوه بالسيد أمبلوسيتوس.
_352_
الحقيقة أنه حيوان بري عادي يمشي على أربع ولا علاقة له بالحوت من قريب ولا من بعيد اللهم إلا عظمة الخد النحيفة.. قالوا أن نحفها مثل نحفها في الحيتان و الحقيقة أن هذا ليس دليلًا على شيء.. فعظمة خد الحصان نحيفة جدا أيضا.. الذيل المميز للحيتان غير موجود في الأمبلوسيتوس.. الثقب الذي يخرج منه الماء غير موجود في الأمبلوسيتوس.. التركيب الخاص بالصدى عند الحيتان غير موجود في الأمبلوسيتوس.. باختصار لا توجد صفة واحدة مميزة للحيتان موجودة في هذا الشيء.. وهم يعرضونه في المتاحف بطريقة مائلة ليعطوك إحساسا بأنه سابح.. بينما هو حيوان عادي جدًا يمشي على أربع.
تحول هذا الكائن أيضا إلى حيوان بري يمشي على أربع واختفت زعانفه في نهاية أقدامه وأخذ يمشي في القاعة بلا هدى.. نظرنا تلقائيا إلى التالي والذي كان حيوانًا مائيًا مخيفًا جدًا.. يملك أقدامًا في نهايتها زعانف وذيلًا في نهايته زعنفة ذيل وأسنانًا متوحشة جدًا.. قال “آدم”:
الروديسيتوس.. وهذا قد تخيلوا وجود زعانف في ذيله وزعانف في قدميه بينما هو لم توجد أصلًا في أحافيره عظمة قدم واحدة ولا عظمة ذيل واحدة.. لكنهم بارعون في الرسم جدًا وبارعون في الخيال الغير علمي.. سيضعون لك صورًا.. سيرسمونها بطريقة جميلة متدرجة.. فل تنخدع.
قالها بعصبية وأشار إلى الكائن فاختفت جميع أقدامه واختفى ذيله وسقط على الأرض.. وتركه يتلوى على الأرض.. ثم نظر إلى الرابع.. كان حيوانًا مائيًا ثعبانيًا لديه أسنان متوحشة.. قال “آدم”:
الباسيلوصور.. آخر كائن انتقالي في تطور الحيتان على زعمهم.. طبعا في رسوماتهم الجميلة يجعلونه في طول سابقيه تقريبا لكن الحقيقة هي.. أشار بعصاه إلى الكائن فاستطال أكثر من عشر مرات حتى ارتطم ذيله بباب القاعة وخرج.. قال “أدم”:
هذا هو حجمه الحقيقي.. أكبر بعشر مرات من السابقين له.. لكنهم لا يرسمون لك هذا حتى تظل الرسمة التطورية منطقية.. بعض العلماء يقولون أن جميع وحوش البحيرات مثل وحش بحيرة لوخ نس أو وحش بحيرة شامبيلن هي في الحقيقة باسيليوصورات لم تنقرض.. منظره الأفعواني المتوحش يشي بهذا.. بغض النظر عن هذا.. فهو في النهاية أحد أنواع الحيتان.. والحيتان أنواعها كثيرة جدًا.. ولا توجد فيها كلها أي صفة لها علاقة بالبر.. الشيء الذي جعلهم يشكون
_353_
فيه هو بالأخص هو أن لديه أطرافا خلفية صغيرة جدًا جدًا بالنسبة لحجمه الهائل.. أطرافا في مؤخرة جسمه كما نراها هنا.. هذه هي.. هل ترون حجمها الصغير؟ قالوا أنها بقايا أقدام ضامرة.. أو أقدام في طريقها إلى الضمور.. لكن الحقيقة أن هذه التكوينات هي تكوينات تساعده على التشبث بالأنثى أثناء التزاوج.. وتساعده على الارتكاز عليها.. وحكاية أنها أقدام ضامرة هو هراء.. فتكوينها العظمي نفسه ليس كتكوين الأرجل المعروف.. فخذ – ساق – قدم – أصابع.. إنما هما عظمتان بسيطتان لا أكثر ولا أقل.
توقف “آدم” برهة لينظر إلى الحاضرين.. ما زال الصمت مخيما عليهم.. وبعضهم لعن هذا التطور الذي لم ينجح حتى الآن في أي ادّعاء قدمه.. ضرب “آدم” بعصاه فاختفى الحوت واختفت الكائنات التي قبله.. ولم يتبق من الكائنات التي دخلت علينا في البداية سوى مجموعة الحصان.. تنهد “آدم” بعمق وأشار لهم بملل أن يتقدموا.. وكانوا ثمانية.. قال “آدم”:
لن نتحدث عن كل واحد على حدة.. بل سنتحدث عن السلم التطوري بأكمله اختصارًا.. إن تطور الحصان يبدو رائعًا جدًا ومثاليًا وجميلًا.. فقط في رسومات الكتب.. يرتبون الحيوانات المتطورة فيها من الأدنى إلى الأعلى بشكل منظم جميل.. ترتيبًا يجعلك تتجه ناحية تصديق التطور.. رغم أن الترتيب نفسه لا يثبت شيئًا.. فلو أن لديك ملاعق متشابهة وضعت بعضها بجانب بعض.. فلا يثبت هذا وجود علاقة تطورية بينها.. إنما يثبت أنك أنت صانعها.. لكن عموما دعونا نعود إلى المثال الجميل لتطور الحصان.
كما ترون الحيوان الأول في السلسلة يكبر ويقوى ويخسر عدد الأصابع في قدميه حتى يصل للحيوان الثامن وهو الحصان.. أقواهم وأكبرهم والذي لديه إصبع واحد فقط.. كل أجناس الحصان السبعة القديمة اسمهم اللاتيني ينتهي بـ Hippus فهناك الـ Epihippus والـ Merihippus وهكذا.. سنختصر الاسم للمقطع الأول منه تسهيلًا.. أول حيوان هو الـ Eohippus أو الـ Eo .. سلف الحصان كما يقولون .. تتعجب لِمَ يجعلونه سلفًا للحصان؟ حق لك أن تتعجب فهو مخلوق صغير كما ترى يشبه الأرنب.. حقا الأرنب أقرب له من أي شيء آخر.
ثم أول درجتين بعد الـ Eo هما الـ Oro والـ Epi .. وقد تبين أن هذه الثلاث درجات قد ظهرت معًا في السجل الأحفوري في نفس الوقت.. الأربع درجات التالية هي الـ Meso والـ Mio والـ Para والـ Mery .. هؤلاء الأربعة أيضًا تبين أنهم ظهروا معًا في السجل الأحفوري في نفس الوقت.. فلدينا سبعة حيوانات،
_354_
ثلاثة منها كانت تعيش معًا في وقت معين.. وأربعة منها كانت تعيش معًا في وقت تالٍ .. فهذه أنواع مختلفة من الحيوانات المختلفة كانت تعيش معًا في نفس الزمن.. وليس سلمًا تطوريًا كما يقولون .. هذا مبدأيًا.
التقط “آدم” أنفاسه وقال:
إن سلم تطور الحصان يبدو متدرجا في الرسومات لكن في الحقيقة ستجد أن السلم لا يتجه من الأصغر للأكبر هكذا بشكل مثالي فهناك بعض الأطوار أصغر حجما من ما قبلها.. كما أن الأطوار التي يقدمونها في السلم هي لحيوانات مجمعة من أقطار مختلفة حول العالم.. ليس منطقيا أن يكون واحد يعيش في أستراليا والآخر في المكسيك وتجمعهما معا في سلم واحد في متحفك لتثبت تطور هذا الكائن.. هذا ليس عدلا.
قال “آدم”:
المزيد من عدم المنطق في الموضوع يأتيك عندما تعلم أنه في يومنا هذا هناك عدة أحجام من الحصان.. أصغرها صغير جدًا حجمه 43 سم مكعب.. بينما أصغر كائن حصاني في السلم التطوري حجمه 61 سم مكعب وهو الحيوان الثاني بعد ذلك الشبيه بالأرنب.. فادّعاء أن الحصان القديم كان صغيرًا والحديث صار كبيرًا هو ادّعاء زائف لا قيمة له.. أيضا عدد الأضلع في السلم التطوري يفضح السلم التطوري.. فلو تابعت عدد الأضلع في الأطوار ستجد أنها كانت 15 ثم تصبح 19 ثم تعود إلى 18 مرة أخرى .. الفقرات تكون في البداية 6 ثم تصبح 8 ثم تعود إلى6 مرة أخرى .. باختصار لا يوجد أي سلم تطوري حقيقي.
فُتح الباب الكبير وتحرك من تبقى من الحيوانات ناحيته مغادرين القاعة كلها.. ولكن تبقى واحد لم يغادر.. نظرنا إليه.. إنسان عادي أسود قصير يجلس مطأطئا رأسه في شيء يشبه الألم.. سكت “آدم” قليلًا ونظر إلى الأرض بدوره ثم تقدم من الرجل الأسود القصير وانحنى ومد له يده.. نظر له الأسود بيأس ومد يده.. فأقامه واقفا.. ثم نظر “آدم” للحاضرين وقال:
هذا يا سادة هو السيد المحترم “أوتا بينجا”.. رجل من الكونجو بأفريقيا.. كان يعيش حياة طبيعية في قريته.. ولم يدري إلا وبعض الرجال البيض قد أتوا و”اصطادوه” كما يصيدون الغزال وأخذوه معهم إلى أمريكا.. وأدخلوه إلى حديقة حيوانات شهيرة هناك.. تحديدًا داخل بيت القرود.. ووضعوه في قفص هناك.. كانوا علماء تطوريين مهووسين بالبحث عن الكائنات الانتقالية.. ولأن نظرية
_355_
داروين تقول بوضوح أن الأفارقة هم أقرب الأجناس إلى القرود وأنهم أدنى من القوقازيين البيض في خط تطور الإنسان.. ولأن كل العلماء بلا استثناء كانوا يتبنون تلك الفكرة.. فلقد رأوا في “أوتا بينجا” كائنا مناسبا.. ولذلك قرروا أخذه وعرضه في حديقة الحيوان بجانب القرد والشمبانزي والغوريل كحلقة بدائية في تطور الإنسان.
كان موضوعا في قفص ضيق ويعامَل مثل الحيوانات تماما ويأتي الزوار لمشاهدته.. وكان المرشد يقول لهم عبارات ما زالت ترن في أذن “بينجا”.. “هذا الإنسان ينتمي إلى جنس من أجناس الإنسان يسمى خطأ باسم الأقزام.. هو إنسان صغير مكتمل اكتمالًا لا بأس به.. عينان لامعتان.. رأس جيد.. ليس مشعرًا.. يكون أكثر سعادة عندما يعمل ويصنع الأشياء بيده”.. كانوا يجبرونه على أن يمثل أداءات معينة داخل قفصه لأغراض تثقيف الزوار.. ما زالت العبارات ترن في أذنه “القزم يلعب مع الحيوانات بشكل طبيعي داخل القفص”.. “هذا القرد وهذا الرجل رأساهما متشابهان”.. “هما يبتسمان بنفس الطريقة عندما يرضيان عن شيء ما”.
وضع “آدم” يده على “أوتا بينجا” وأكمل:
ارتفعت داخل حديقة الحيوان أصوات تندد بهذا التصرف الذي لم يتقبله بعض الزوار.. فتم إخراج “أوتا بينجا” من قفصه والسماح له بالتجول داخل الحديقة.. كان يتجول في ملابس عادية.. ولكن الحديقة كانت ما زالت تشير إليه باعتباره كائنا انتقاليا.. ولذلك دائما يكون وراءه وهو يتجول حشد من الناس يرقبونه.. وكان يعود إلى القفص في الليل لينام بذل في بيت القرود.. أنت قرد يا صديقي.. يضعون لك اسما لاتينيًا كما يضعون للبهيمة.. ويعرضونك في قفص كما يعرضون البهيمة.. ويرمون لك الطعام كما يرمون للبهيمة.. لقد كان “بينجا” نجم حديقة الحيوان.. دائما حوله زحام من الرجال والنساء والأطفال يمشون وراءه يتابعون حركاته وينغزونه ويسخرون منه ويقومون بحركات قردية أمامه.. وتحت مزيد من الضغط الذي مارسه البعض على الحديقة.. تم إخراج “أوتا بينجا” من الحديقة نهائيا.. وأصبح عاملًا في محل تبغ.. لكن “أوتا بينجا” لم يتحمل تلك الأصوات التي لا تزال ترن في رأسه.. ولا تلك المشاهد القردية التي يقوم بها الأطفال حوله.. ولا تلك العبارات التي كان يقولها بعض الزوار لبعض وهم يشيرون إليه كأنه Freak .. لم يتحمل إلا بضعة شهور استعار بعدها مسدسًا وصوبه إلى رأسه وقتل نفسه.. ولم يكن “أوتا بينجا” هو الوحيد.. كان
_356_
هناك الكثيرون يتم اصطيادهم وعرضهم في الحدائق والجولات في أجنحة الأنثروبولوجي.. كشواهد على البشر البدائيين القرديين.
احتضن “آدم” “أوتا بينجا” وربت على كتفه ثم قال:
إن الرغبة البشرية الآثمة في الاستيلاء على حقوق الغير لم تكن تحتاج قديما لأي مبرر ولكنها وجدت مبررًا رائعًا جدًا عندما قال داروين في كتابه: “في فترة ما من المستقبل القريب، من المؤكد أن الأجناس المتحضرة من البشر ستتمكن من استئصال الأجناس الهمجية البشرية والحلول محلها في جميع أنحاء العالم”..
كتاب كامل كتبه داروين يثبت أننا منحدرون من أصول قردية.. ويثبت أن جنسنا البشري نفسه متفاوت.. فالزنوج وسكان أستراليا الأصليون درجات أدنى في سلم التطور البشري حيت إنهم أقرب إلى قرود البابون .. بينما الأوروبيون هم أرقى درجات هذا السلم.. ويقول أنه حسب قانون البقاء للأصلح فإن الأجناس الأرقى ستبيد الأجناس الأدنى لأجل البقاء.. لم يكن هناك مبرر أروع من هذا للبيض ليفعلوا كل ما يريدون بضمائر مرتاحة.
أكمل “آدم”:
تأثر ابن عم داروين بكلام داروين جدًا.. كان اسمه “جالتون”.. وخرج على العالم بنظرية تقول أن التميز في الذكاء والشخصية إنما هو آت بالوراثة فقط وكذلك الفقر والغباء.. فأنت فقير وغبي لأنك بالطبيعة كائن أدنى.. وآمن أن البشر يجب تحسين سلالاتهم مثلما يحدث في الحيوانات.. ولذلك اخترع مصطلح اليوجينيا Eugenics .. وتعني النوع الأفضل.. وفكرتها هي تحسين نسل الجنس البشري .. بزيادة عدد الأفراد “الأدنى”.. كل الزنوج والأغبياء والمرضى العقليين والمعاقين والسكان المحليين كالأستراليين الأصليين والهنود وغيرهم.. كل هؤلاء أجناس بشرية أدنى يستحسن التخلص منها لأجل تحسين السلالة البشرية. نظر “آدم” نظرة خاطفة إلى “داروين” وقال:
كان كل العلماء يؤمنون بهذا الهراء أيامها.. المجتمع العلمي كله.. اليوجينيا أصبح لها شرعية.. لذلك تم تجهيز تطعيم يمنع الإنجاب.. وتم إعطاؤه لحوالي 70 ألف شخص محتجز أو مسجون أو متخلف عقليا أو أعمى أو أطرش أو أصم أو مريض صرع أو مريض سل أو كساح.. وحدث المثل مع 60 ألف شخص في كندا والنرويج.. وأخذت الحكومة النازية الفكرة في ألمانيا وأمرت بقيادة هتلر بالقتل الإجباري لكل المصابين بعاهات أو المعاقين فقتل حوالي 200 ألف شخص معاق.
_357_
قال “آدم”:
ليست اليوجينيا فقط التي أصبح لها شرعية.. بل إن العنصرية أصبح لها شرعية.. هؤلاء الكائنات الزنجية القردية الشكل والكائنات المحلية السمراء.. كلها كائنات أدنى، جل ما تفعله هو منافستنا.. هذا شرع استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.. هكذا ارتكب الإنسان الأمريكي أبشع المجازر في أفريقيا وآسيا بدم بارد.. هكذا كانوا يشحنون الزنوج كالبهائم في السفن ويبيعونهم عبيدًا في أمريكا.. هكذا أبادوا ملايين الهنود الحمر واستعبدوا ملايين آخرين بدعوى الحرية.
هكذا اتخذ “هتلر” نفس النهج.. ووظف هذه الأفكار لصالح العرق الآري الذي كان وحده يستحق الحياة.. وأباد “هتلر” أعدادا لا حصر لها من البشر دون أن يؤنبه ضميره.. يكفي أن يتذكر هؤلاء الكلمة السحرية.. البقاء للأصلح.. بالطبع مع تطور العلم واكتشاف الشفرة الوراثية تبين للكل أن هذا هراء.. وأن البشر متماثلون في كل شيء واختلافهم فقط ظاهري .. ولا علاقة للونهم أو شكلهم بقدراتهم العقلية أو رقيهم.
أتذكر المثال الحي الذي جعل الكثير من العنصريين يتوقفون ليلحظوه.. ظاهرة التوائم الملونين Two-tone Twins .. أبرز مثال لها الطفلتان ريمي وكايان.. أختان توأمتان.. واحدة بيضاء ذات عيون زرقاء والأخرى سوداء أفريقية الملامح.. فكان هذا شاهدا حيا.
نظر “آدم” إلى “ريتشارد دوكينز”.. وقال له:
لقد مللت وأنا أفند أحافيرك الانتقالية المزعومة.. وكان يجب ألا أفعل.. ففي مناقشتنا هنا لا نقبل الفرضيات .. وكل ما ذكر من كائنات انتقالية هي فرضيات فقط وتخيلات.. ليس هذا فقط بل وإني أثبتُّ لك خطأها الآن كلها.. هذا يعني أنه لا يوجد أي أحفورة لأي كائن انتقالي يدعم التطور حتى الآن.. بينما لدينا في السجل الأحفوري ملايين الأحافير.. ويفترض طبقا لقانون الطفرات الذي أثبتنا خطأه أصلًا أن تكون هناك آلاف الكائنات الانتقالية المتدرجة التي توضح الفروقات الطفيفة من الكائن المتطور إلى الكائن المتطور له.. هذا هو الطبيعي والمتوقع… أما أن يكون السجل الأحفوري مليئا حتى آخره بآلاف أحافير الكائنات الحية التي عاشت على البر والبحر من البكتيريا للأسماك للبرمائيات للزواحف للثدييات للطيور.. بكل الفصائل والرتب والأنواع.. كلها موجودة بوفرة لم يختف منها شيء.. سيكون السؤال البديهي هنا، لماذا أحافير الكائنات الانتقالية هي
_358_
وحدها التي اختفت؟ لماذا لم تكن موجودة بوفرة في كل الطبقات والعصور؟ بحق كل الطفرات التي حدثت وأخطأت.. وكل الطفرات التي حدثت ونجحت.. أين ذهبت كل تلك الكائنات؟ لماذا بعد كل هذا يكون عدد الكائنات الانتقالية هو صفر؟ والموجود المزعوم منها متخيل أو مفبرك؟ هذا حقيقة مضيعة للوقت.
قال “دوكنز”:
الأحافير مختلف عليها كثيرًا.. وفريق من العلماء التطوريين يرى فيها ما لا يرى الفريق الآخر.
قال له “آدم”:
إذا فلا يؤخذ بها كدليل على التطور.. طالما هي مجرد تكهنات.. إنما نريد هنا أدلة علمية دامغة لنرى لو كان بإمكانها معارضة الدين أم أنها توافقه.
شعرت بيد توضع على كتفي من خلفي.. فنظرت بسرعة.. إنه سكوربيون .. أومأ إلي برأسه لأوقف المناقشة مؤقتا.. لأن رأسه قد تورم من هذه الأحاديث.. فأومأت برأسي له موافقا.. وبالفعل أنهيت النقاش مؤقتا.. وذهبنا مع سكوربيون إلى غرفته.. كان قد جهز لنا كثيرا من الحلوى والشاي.. هذا ما نحتاجه حقا في هذه اللحظات.
_359_
عدنا إلى حيث مبارزة العقول .. لقد كرهت التطور.. وكرهت الأحافير.. وكرهت كل هذه المصطلحات.. نريد قولًا فصلًا فيه.. ولو لم يصلوا إلى قول فصل سنخرج من هنا ولن نعود.
بدأ “دوكنز” الحديث بقوله:
المزيد من أدلة التطور يظهر كل فترة.. يكفي مثل أن تنظر إلى رسومات مراحل نمو جنين الإنسان.. ثم تنظر بعدها إلى مراحل نمو جنين أي حيوان من الثدييات وليكن الكلب.. وستجد أنهما متشابهان تماما.. ستجد أن هذه المراحل تعيد تمثيل القصة التطورية.. فجنين الإنسان تجده في مرحلة مبكرة من حياته لديه خياشيم مثل الأسماك.. ثم في مرحلة متأخرة تختفي هذه الخياشيم ويصبح له ذيل كالقرد.. وهكذا.. فهو يتحاور في كل مرحلة حتى يصير إنسانا كاملًا.. هذا دليل حي يحدث أمام عيوننا.
كان “آدم” يبدو أكثر استرخاء بعد الراحة فقال له بهدوء:
فعلًا.. هذه الرسومات ظلت موجودة سنين طويلة في كتب الأحياء في المدارس والجامعات والكتب المتخصصة.. واشتهر الأمر حتى إنهم كانوا يقولون للأم التي تريد أن تجهض حملها أن “الجنين ما زال في مرحلة السمكة، أنت لا تقتلين بشرًا، أنت كأنك تقطعين سمكة”.. ثم فطن الجميع في النهاية أن هذه خدعة.. خدعة قبيحة جدًا جلبت العار العلمي لفاعلها “إرنست هيغل”.
الحكاية أن هذا العالم الألماني المتخصص المهووس بالتطور فبرك رسومات لمراحل الجنين.. في مرحلة مبكرة رسم خياشم.. بينما هي في الحقيقة ليست سوى المراحل الأولية لتكون الأذن الوسطى والغدة الجاردرقية وغدة التيموس.. وفي مرحلة متأخرة رسم ذيل.. بينما هو في الحقيقة قد أطال الجزء الخلفي من الجنين ضعفين ليبدو للناظرين وكأنه ذيل.. وبالمناسبة هذا الرجل هو المسؤول عن قتل ملايين الأطفال عديمي الحيلة في بطون أمهاتهم بالإجهاض في تلك الفترة.. وبهذا نرى التزوير قد تكرر في جلستنا هذه أكثر من مرة في أدلة التطوريين.. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإفلاس.. لو أنهم وجدوا أدلة حقيقية مقنعة لما احتاج المهووسون منهم إلى التزوير وإحراجهم هكذا مرة بعد مرة.. فدليلك هذا سيدي “دوكنز” هو دليل مفبرك ومزور هو الآخر.
سكت “دوكنز” طويل ثم قال له:
دعك من هذا.. هناك دليل واضح جدًا وصريح جدًا.. يثبت بلا شك أننا نحن والشمبانزي قد تطورنا من سلف مشترك واحد.. دليل جيني هذه المرة.. عندما قارن العلماء بين جينات الإنسان وجينات الشمبانزي وجدوا أنهما متشابهان بنسبة 98.7 %.. يعني هناك 1.3 % فقط فرق بين جيناتنا وجينات الشمبانزي ..هذا دليل دامغ.. مهما جادلت في الأدلة السابقة.. هذا دليل جيني ليس فيه كلام.
_360_
أضاء ضوء أحمر.. وقام رجل طويل أنيق ذو شعر أبيض مهذب ونظارة.. كان هذا هو “فرانسيس كولينز”.. عالم الجينات البارع ومدير مشروع الجينوم البشريHuman Genome Project قال “كولينز”:
سيدي العزيز.. عندما تتحدث عن معلومات جينية لا تنس أن تتحدث بدقة وبناء على أحدث دراسة.. أراك تحدثت عن أقدم دراسة وبرقم غير دقيق وإني أظن أنك تستقي معلوماتك من مواقع الأخبار الساخنة وليس من دراسات علمية موثقة.. الدراسة التي تتحدث عنها أنت قديمة جدا أجريت في الثمانينات قبل عشرين سنة من اكتشافنا للخريطة الكاملة لجينوم الإنسان والتي أعلنّا عنها في 2001 .. وقبل اكتشافنا للخريطة الكاملة لجينوم الشمبانزي والتي أعلنّا عنها في 2005 .
قال “آدم” بتعجب:
أجريت الدراسة والمقارنة طالما لم تكن وكيف أن الخريطة الكاملة لهذا ولا هذا مكتشفة في الثمانينات؟
قال “كولينز”:
قديما في الثمانينات عندما أراد العلماء أن يجروا مقارنة بين جينات الإنسان و الشمبانزي في دراسة، وجدوا أمامهما خريطتين جينيتين في منتهى التعقيد.. وبرغم أنهم لم يكتشفوا الخريطة الكاملة لكل من الكائنين.. فإنهم كانوا قد اكتشفوا حوالي مليون قاعدة في الجينوم البشري ومثلها تقريبًا في جينوم الشمبانزي.
هذا رقم صغير جدًا لو علمت أنه بعد اكتمال خريطة جينوم الإنسان.. وجدنا أنها حوالي 3 بليون قاعدة.. وبعد اكتمال خريطة جينوم الشمبانزي وجدنا أنها حوالي 3.2 بليون قاعدة.. أكبر 3 آلاف مرة من ما كانوا قد اكتشفوه.. ورغم أن المليون قاعدة المكتشفة في الثمانينات هي رقم قليل فإنها كانت معقدة جدا.. وحتى تتم الدراسة، كان لا بد من عمل تبسيط للمليون قاعدة المكتشفة من الشمبانزي ومن الإنسان حتى يمكن إجراء المقارنة بينهما.. وقد طبق العلماء آنذاك طريقة قاسية في التبسيط.
عدل “كولينز” هندامه بأناقة وأكمل:
هناك مناطق في الجينوم غنية بالجينات Gene Rich تحوي جينات كثيرة متنوعة ومتكررة.. ومناطق في الجينوم فقيرة بالجينات Gene Poor ليس فيها أي تنوع..
_361_
فقط جينات متكررة.. ومناطق ثالثة متوسطة بينهما.. قرر العلماء أن يستبعدوا من المقارنة تماما منطقة الجينات الفقيرة والمنطقة المتوسطة.. ويجروا المقارنة فقط على منطقة الجينات الغنية.. ومنطقة الجينات الغنية هذه لا تمثل سوى حوالي 1 % من الجينوم الكلي المكتشف أيامها.. وهي كما نرى مقارنة عجيبة ومجحفة.. فقد قصوا 99 % من الجينوم وقارنوا 1 % منه فقط.. ليس 1% من الجينوم الكامل.. فذاك لم يكتشف إلا في 2001 .. بل 1 % من المليون قاعدة المكتشفة أيامها.. بينما كان هناك حوالي 3 بلايين قاعدة باقية غير مكتشفة بعد.. يعني كأنهم قارنوا فقط 0.0000033 % قاعدة من الجينوم الكامل.
سكت “كولينز” قليل ثم قال:
لقد استغرب العلماء لأنهم عندما وضعوا هذا الجزء الصغير (الـ %1 ) للمقارنة بين الجينومين تبين وجود تشابه رهيب بينهما واختلافات طفيفة.. بالنسبة للختلافات الطفيفة في هذا الجزء الصغير فهناك نوعان منها.. اختلافات ناشئة من استبدال حرف مكان حرف.. واختلافات ناشئة عن حذف أحد الحروف.. قرر العلماء لسبب ما استبعاد الاختلافات الناشئة عن الحروف المحذوفة واعتماد الاختلافات الاستبدالية فقط.
يعني مثلًا لو كان هناك جين عند الإنسان مكتوب هكذا AA BB CC .. وعند الشمبانزي AA BA CC .. هناك حرف A بدل الحرف B.. هذا اختلاف يعترفون به.. لكن لو كان الجين في الإنسان هكذا AA BB CC وعند الشمبانزي هكذا – AA BB C- أي أن هناك حرف C ناقص عند الشمبانزي .. فهو عندهم اختلاف غير معترف به.
و بناءً على الأخذ بالاختلافات الاستبدالية فقط وجدوا أن هناك تشابها قدره 98.7% بين الجينومين.. أذكر مرة أخرى أن هذه المقارنة أجريت على مليون قاعدة مكتشفة فقط من أصل 3 بلايين قاعدة.. وأجريت فقط على ما مقداره 1% من هذه المليون قاعدة.. مع استبعاد الاختلافات التي فيها حذف لحرف واعتماد الاختلافات الاستبدالية فقط.
سكت “كولنز” قليل ثم قال:
طبعا كانت هذه مقارنة هرائية.. لذا تم إجراء دراسة أخرى على المليون قاعدة المكتشفة.. لكن هذه المرة أخذت في الاعتبار الاختلافات الناتجة عن حذف حرف.. فوجدوا أن النسبة قد تقلصت إلى 95%.
_362_
سكت مرة أخرى ثم تابع:
بعد سنوات أجريت دراسة أخرى أدخلت في الاعتبار المنطقة الفقيرة الجينات والمنطقة المتوسطة الجينات.. وهذه المرة كان ما اكتشف من الجينوم هو حوالي 2 مليون قاعدة.. قارنوها كاملة مع 2 مليون قاعدة من الشمبانزي بدون استبعاد أي شيء فوجدوا أن النسبة قد تقلصت من 95 % لتصبح 87%.
ثم قال:
ولمَّا أكملنا نحن عملنا في مشروع الجينوم البشري Human Genome Project وأعلنّا عن خريطة الجينوم البشري الكاملة عام 2001 .. ثم أعلن زملاؤنا في الجمعية الدولية لدراسة جينوم الشمبانزي International Chimpanzee Genome Consortium أنهم أكملوا الخريطة الكاملة لجينات الشمبانزي .. أصبحت الخريطتان كاملتين.. وبالمقارنة الحديثة الآن اكتشفنا أن هناك 2.4 بليون قاعدة في الإنسان يمكن مقارنتها مع 2.4 بليون قاعدة في الشمبانزي ..بينما هناك 0.7 بليون قاعدة لا يمكن مقارنتها بين الجينومين لأنها مختلفة تماما.. بناءً على هذه المعطيات وجدنا في النهاية أن التشابه بين جينوم الشمبانزي والإنسان هو 72 % فقط.. وما زال البعض يصدق بدراسة الـ 98.7 %.. وهو أمر كارثي ومضحك إذا تذكرنا أن الاختلاف الجيني بين الإنسان الأوروبي الشديد البياض وأخيه الإنسان الأفريقي الشديد السواد يمكن أن يصل إلى 5 %.. هم لا يكفون عن إحراج أنفسهم عندما يتحدثون دجلًا باسم العلم.
وسكت قليل ثم قال:
كما قلت هذه النسبة الـ 72 % ونحن لم ندخل في الحساب أن هناك 0.7 بليون قاعدة في الشمبانزي ليست موجودة في الإنسان.. يعني جينوم الشمبانزي أكبر من جينوم الإنسان ب 10 % تقريبا.. فهناك اختلاف خام 10% أصلًا قبل بداية المقارنة لكننا لم نضعه في الحسبان.
ثم ختم كلمه قائلًا:
وفي النهاية أقول أن الـ DNA أصلًا يصف التركيب التشريحي الخارجي والداخلي والتركيب الجزيئي للكائن.. وليس غريبا أن تكون الكائنات المتشابهة خارجيا وتشريحيا متقاربة في الـ DNA ..هذا هو المتوقع أصلًا.. الشمبانزي والإنسان كلهما من الثدييات وكلهما لهما تركيب تشريحي متشابه.. كلهما يأكل ويتنفس ويتكاثر بنفس الطريقة وينتج بروتينات بنفس الطريقة.. لا بد أن تشابهنا في الـ DNA
_363_
مع الشمبانزي سيكون أكثر من الحية الرقطاء مثلًا.. ورغم ذلك فتشابه الإنسان والشمبانزي الذي هو الأقرب لنا – تشريحيًا فقط – هو 72 %.. وهذا يعني أن الإنسان متفرد ومتميز عن أقرب الكائنات تشريحيًا له.
قال “آدم”:
أشكرك جزيل دكتور كولينز.. فليكن إذا.. سقط آخر دليل من أدلة التطور.. وخلاصة القول في التطور هو أنه تم إثبات وجود التطور الدقيقMicroevolution ( تطور سلف الجنس إلى كل الأنواع داخل الجنس..) وتم نفي وجود التطور الكبير Macroevolution ( تطور الأجناس بعضها إلى بعض..) أي أننا في النهاية لا ندري كيف أتت أسلاف الكائنات الحية إلى الوجود.. مئات الآلاف من الكائنات استعمرت الأرض فجأة ولا يدري العلم الحقيقي من أين جاءت هذه الكائنات.. وعلى العلم أن يجاهد ليثبت فرضية أن تلك الكائنات كلها تطور بعضها عن بعض.. وأن كلها جاءت من سلف واحد مشترك.
سمعت تنهيدة من أكثر من شخص من الجالسين.. كانوا قد تأففوا من موضوع التطور هذا خاصة عندما لم يصب أي نقطة لصالحه منذ أن أثير أول مرة.. يبدو أن هناك شخصا ما زال سيتكلم.. كان هو ذلك الشخص الغريب ذو القناع الأناركي والصوت العجيب.. لا أدري ماذا يمثل بالضبط.. ربما يمثل الإلحاد نفسه.. لكنه قام وقال: بغض النظر عن أن نظرية التطور مثيرة للجدل بالنسبة للأحافير أو بالنسبة لآلية الطفرات.. ولكن فقط الأعمار الجيولوجية التي تقدمها نظرية التطور كافية لهدم نظرية الأديان.. فمثلًا الهومو إيريكتوس أثبُّتم هنا بالهولوجرام أنه كان إنسانا عاديا.. فليكن.. هو إذ أقدم إنسان عادي له أحافير.. ولقد ظهر في التاريخ حسب التاريخ الأحفوري الجيولوجي من 2 مليون سنة.. وأقصى عمر مرصود لآدم أبي البشر حسب أكثر المؤرخين الدينيين كرما و أكثر أصحاب الأنساب تساهلًا هو15 ألف سنة.. هذا هو التعارض الصارخ بين العلم والدين الذي نتحدث عنه.
أضاء ضوء أحمر في وسط العلماء وقام رجل.. كان هذا هو “رذرفورد”.. عالم الذرة الشهير.. وفور أن قام قال بسرعة:
لو كانت مناقشتكم هذه لا تقبل الفرضيات فدعني أقول لكم أن الأعمار المليونية التي يرصدها العلماء للأحافير وطبقات الصخور هي مجرد افتراضات.. ليس لها أي دليل يثبتها.. و..
_364_
قاطعه صاحب القناع وكانت أول مرة يقاطع أحد هم أحدَ هم في مناقشتنا هذه.. قال:
ما الذي تتحدث عنه؟ الأعمار الجيولوجية كلها افتراضات؟ تعني أن علم الجيولوجيا بكافة المعدات المستخدمة في دراسته وكافة الجهود القائمة عليه منذ قرون لا فائدة منه.. هكذا ببساطة؟
تبسم “رذرفورد” بطريقة العالم المتبحر بالشيء.. المشفق على جهل من أمامه.. وقال له:
يجب أن أبسط لك المسألة حتى تفهمها جيدًا.. فلو كنت درستها جيدًا لفهمت ما قلته أنا من المرة الأولى.. لكن طالما اعترضت إذًا لا بد أن أبسط لك المسألة.. لكن دعني مبدأيا أقول لك عبارة افتتاحية.. العلم التاريخي ليس علما تجريبيا.. لأنه لا يمكنك أصلًا قياس أحداث حدثت في الماضي السحيق وتقول أنها حدثت في ملايين السنين.. هذا غير قابل للتجربة أصلًا لأنه ماضي وانتهى.. ليس علمًا تجريبيًا.. يعني نحن الآن وما لدينا من الأدوات والأجهزة والمعدات، ليست لدينا طريقة واحدة لقياس عمر شيء أقدم من 50 ألف سنة.. ما كان أقدم من هذا لا يمكننا أن نقول فيه إلا أن هذا الشيء هو أقدم من ذلك الشيء مثلًا.. هذا أتى قبل هذا.. أما تحديد عمره بالسنين فليست لدينا أي طريقة علمية لتحديده.
قال صاحب القناع:
بل هناك طرق كثيرة بالعناصر المشعة ولا توجد أحفورة من الأحافير الأقدم من 50 ألف سنة إلا ونحن نعلم عمرها بالضبط.. وهو مسجل في كل الكتب العلمية.
قال “آدم”:
غير مسموح بأن تقاطع العالم أثناء كلامه حتى ينتهي تماما.. ويكون حديثك بالحجة العلمية. سكت صاحب القناع.. وتحولت الأنظار إلى “رذرفورد” الذي سكت قليلًا ثم قال:
سأسألك سؤالين.. ومن إجابتهما ستفهم ما أريد التحدث عنه.. السؤال الأول .. هناك ماء يقطر من صنبور.. وهناك إناء مملوء بالماء تحته.. حجم الإناء 300 مليمتر.. لو قلنا أن معدل نزول الماء من الصنبور 50 مليمترا في الساعة.. كم المدة التي احتاجها هذا الإناء ليمتلئ هكذا؟
قال صاحب القناع بسرعة:
_365_
ست ساعات.
قال له “رذرفورد”:
رائع.. إجابة صحيحة.. هل رأيت كم هو سهل أن نحدد عمر شيء ما بالعلم؟ لكن المشكلة أن حقيقة الأمر هي أننا عندما تركنا الصنبور ليملأ الإناء.. احتجنا ساعة واحدة فقط.. ماذا برأيك يعني هذا؟
قال صاحب القناع:
يعني أن معدل نزول الماء من الصنبور متغير مع الوقت وليس ثابتا.. يبدو أن المعدل صار أسرع مما هو متوقع.
قال “رذرفورد”:
نعم هذا احتمال كبير.. ربما أيضا لم يكن الإناء فارغا في البداية.. إذًا لكي تحسب عمر شيء ما في الماضي يجب أن تضع افتراضات تظن أنها كانت موجودة في الماضي وتحسب من خلالها.. أنت افترضت أن الإناء كان فارغا.. لكن هل أخبرتك أنا أنه كان فارغا؟ سأسألك سؤالا ثانيا لأقرب لك الصورة أكثر.. كم مر علينا من الوقت ونحن مجتمعون في هذه القاعة؟
قال صاحب القناع:
كم الساعة الآن؟
قال “رذرفورد”:
7:41 مساءً .
قال صاحب القناع:
و كم كانت الساعة لما بدأنا؟
قال “رذرفورد”:
لا أدري .. افترض وقتًا بدأنا فيه في الماضي وابن عليه إجابتك.
قال صاحب القناع:
ربما ساعتين.
قال “رذرفورد”:
ما رأيك هل هذه طريقة علمية؟ أم أنها تخمينية مبنية على افتراضات؟
_366_
قال صاحب القناع:
تخمينية.
قال “رذرفورد”:
هكذا هي طريقة حساب العمر الجيولوجية.. الأمر بالضبط مثله مثل الساعة الرملية.. هاك.. خذ هذه الساعة الرملية لأني سأسألك عنها عدة أسئلة.
تقدم صاحب القناع من “رذرفورد” وأخذ منه ساعة رملية متوسطة الحجم حملها بكلتا يديه.. قال له “رذرفورد”:
تعرف أنه عندما يكون الرمل كله أسفل الساعة ولا يكون هناك أي رمل في الأعلى.. ثم نقلب الساعة.. سيحتاج الرمل ساعة بالضبط حتى ينتقل من أعلى إلى أسفل.. لذلك اسمها ساعة رملية.. الآن انظر إلى الساعة التي معك.. ستجد أن هناك بعض الرمل في الأسفل وبعضه في الأعلى.. والحابس الذي في المنتصف أنا أغلقته في التو قبل أن أعطيها لك.. لم يعد هناك رمل ينزل .. الآن انظر إلى الرمل الذي بالأسفل.. هل يمكنك أن تقول لي ما هي المدة التي استغرقها حتى تتكوم هذه الكمية بالأسفل؟
نظر صاحب القناع إلى الساعة وقال:
يجب أن أحسب كمية الرمل في الأسفل.. وأعرف مقدار الرمل الذي ينزل من أعلى كل دقيقة.
قال “رذرفورد”:
جميل جدًا.. لكنها إجابة خاطئة.. خاطئة جدًا أيضًا.. أنت افترضت أنني فرغت الحجرة السفلية تماما من الرمل.. ثم قلبت الساعة مرة أخرى لتبدأ الحجرة السفلية في الامتلاء شيئًا فشيئًا.. ثم أغلقت الحابس توا وأعطيتك الساعة لتقيس لي المدة.. لو افتراضاتك هذه كلها صحيحة.. فحسابك سيكون صحيحا.
قال الرجل ذو القناع:
ألم تفعل ذلك؟ ألم تفرغ الحجرة السفلية ثم تقلب الساعة لتملأها قليلًا ثم أوقفت الساعة وأعطيتني إياها لأحسب لك المدة؟ ألم تفعل ذلك؟ ماذا فعلت إذا؟
قال له “رذرفورد”:
_367_
لم أفعل شيئا.. لقد اشتريت هذه الساعة ولم تكن الحجرة السفلية فارغة.. بل كان فيها بعض الرمل.. ثم فتحت الحابس قبل قليل لينزل المزيد من الرمل.. ثم أغلقت الحابس توا وأعطيتها لك.
قال الرجل ذو القناع:
ولماذا لم تقل لي هذا منذ البداية.. كيف يمكنني أن أحسب المدة لو لم أعرف هذا؟
قال “رذرفورد”:
هذا هو بالضبط ما يحدث في حساب العمر بالمواد المشعة.. لنأخذ مثلًا طريقة اليورانيوم والرصاص وتذكر الساعة الرملية أثناء كلامي.. اليورانيوم يتحلل مع الزمن بمعدل معين فينتج عنه رصاص )كأنها ساعة رملية أعلاها يورانيوم وأسفلها رصاص(..
العلماء يأتون على صخرة من الصخور.. يجدون فيها مثلًا نسبة من اليورانيوم ونسبة من الرصاص )مثل الساعة التي أعطيتها لك وجدت فيها رملًا بالأعلى و رملًا بالأسفل(..
كيف يحسب العلماء عمر هذه الصخرة؟ هم يحسبون كمية الرصاص الموجودة فيها )كمية الرمل الذي بالأسفل(.. وبمعرفة معدل تحول اليورانيوم إلى رصاص )معدل نزول الرمل(.. يعرفون المدة التي استغرقها هذا الرصاص ليتكون .. أين الخطأ؟
الخطأ أنهم يفترضون أن هذا الرصاص الموجود في الصخرة كله جاء من تحلل اليورانيوم.. يعني يفترضون أن الصخرة قديما كان فيها يورانيوم فقط.. لم يكن فيها أي رصاص )يفترضون أن الساعة الرملية كان أسفلها فارغ تماما وأعلاها ممتلئ تمامًا(.. بناء على هذا الافتراض أمكنهم أن يحددوا عمر الصخرة.. هكذا يحسبون العمر.. وهكذا يكون دائما عمرًا مليونيًا.. وسأبين لك بمثال عملي كيف أن هذه الطريقة افتراضية وليست علمية.
سكت “رذرفورد” قليلًا ثم قال:
أخذ العلماء عينة من فوهة الصخور النارية لبركان “سانت هيلين” المعروف أنه انفجر عام 1986 .. وجدوا فيها نسبة من البوتاسيوم المشع الذي يتحول إلى أرجون مع الزمن.. عندما قاسوا نسبة الأرجون فيها ليعرفوا عمر هذه الصخور، وجدوا أن عمرها 350 ألف سنة.. بينما نحن نعرف عمرها وهو تاريخ انفجار البركان منذ حوالي 30 سنة.. منذ 30 سنة فقط انفجر البركان ولفظ الحجر الناري وبرد وتصلب.
_368_
أيضا أخذت عينة من جبل “ناجوروهو” في نيوزلاندا وهذا معلوم أنه انفجر منذ خمسين سنة فقط.. فلما حسبوا عمره بطريقة الأرجوان وجدوا أن عمره 3.5 مليون سنة.. هل رأيت؟ في كل مرة نستخدم فيها العناصر المشعة لنعرف عمر شيء معلوم لنا عمره.. تكون النتيجة مليونية ضخمة لا علاقة لها بالواقع.
قال “رذرفورد”:
وهناك شيء أعجب.. اسمع لهذه المفارقة.. عندما أخذنا عينات من جبل “جراند كانيون” الشهير.. من طبقة بركانية حديثة جدًا معلوم لنا حداثتها.. واستخدمنا طريقة البوتاسيوم أرجون لنعرف عمرها، أعطتنا الطريقة أن عمر الصخرة هو مليون سنة.. وعندما استخدمنا عليها طريقة الروبيديوم سترونتيوم وجدنا أن عمرها بليون سنة.
ثم أخذنا عينات أخرى من مكان آخر على الجبل.. وقسنا عمرها بطريقة اليورانيوم رصاص كان العمر 2.6 بليون سنة.. ثم عندما قسناها بطريقة الساماريوم نيوديميوم وجدنا أن عمرها 916 مليون سنة.
في كل مرة نستخدم طريقتين مختلفتين من طرق القياس بالمواد المشعة لنعرف عمر صخرة واحدة، نجد أن النتائج تتفاوت تفاوتا رهيبا جدا.. هل هذه طريقة علمية؟ طريقة لا تنجح في تحديد عمر شيء نعرف عمره.. طريقة لو قسنا العمر بها بعدة نظائر نجد أرقاما مختلفة وليس كأي اختلاف.. بل اختلاف هائل.. أي طريقة علمية هذه بالضبط؟!
سكت المقنع ولم يرد فقال “رذرفورد”:
خذ هذه المفاجأة أيضا.. لو استخدمت أي طريقة من هذه الطرق لتعرف عمر عدة أحافير لكائن واحد، ستجد أعمارا متفاوتة ومختلفة جدًا.. هل تعرف لماذا تخطئ هذه الطرق دائما؟ بسبب الافتراضات.. لكنهم تعجبهم هذه الافتراضات جدًا.. لأنها تعطي عمرًا مديدًا لهذه الدنيا مما يسمح للتطور المزعوم أن يحدث.
قال “رذرفورد”:
هل اكتفيت؟ دعني أخبرك بشيء آخر سيجعلك أنت نفسك تضع هذه الطريقة على الرف.. أبعد رف يمكن أن تضعها عليه.. شيء اسمه الدليل الجيولوجي.. تابع معي.. عندما يقيس العلماء عمر أحفورة ما في المعمل..
_369_
و يخرجون بنتيجة أن هذه الأحفورة عمرها مثل 5 مليون سنة.. تراهم لا يقبلون هذا العمر رسميًا إلا عندما يتوافق مع ما يدعى الدليل الجيولوجي.. ما معنى هذا؟
معناه أنهم منذ البداية وقبل أن يحددوا عمر الصخرة في المعمل.. تكون لديهم رؤية أن هذه الصخرة أو هذه الأحفورة لا بد أن يكون عمرها مثل من 10 مليون إلى 15 مليون .. لتتوافق مع الرؤية التطورية.. لكن المعمل يقول أن عمرها 5 مليون سنة.. إذا نرفض رأي المعمل لأنه لا يتوافق مع الدليل الجيولوجي.. فلنحاول أن نستخدم عنصرًا مشعًا آخر في تحديد العمر لربما أخرج لنا عمرا أطول .. فيقيسونها بنظير مشع آخر.. فيخرج لهم عمر يناسب تطلعاتهم فيوافقون عليه.
هذا هو العلم الذي يدينونكم به في هذه المناقشة.. ليس علمًا.. إنما هو في الحقيقة خيال علمي.. منحاز إلى رؤية معينة.. لقد حركوا دفة العلم وجعلوه ينحاز إلى جهة من الجهات.. فأنتجوا خيالًا علميًا فاسد الذوق .. ولا يصلح لأن نجابه به الدين ولا العقل.. لا يصلح أن نجابه به أي شيء.
قال الرجل ذو القناع:
أنت تقول كلامًا يجانب المنطق.. هل تريد أن تقول أن جميع علماء الجيولوجيا متآمرون علينا؟
رد عليه “رذرفورد”:
ليس الموضوع أن كل الجيولوجيين يتآمرون علينا.. لكن الموضوع أن هناك رؤية معينة يؤمنون بها.. ويجب أن تكون كل النتائج تابعة لهذه الرؤية.. هذه الرؤية هي التطور.. وكل شيء لا بد أن يتبعه.
قال ذو القناع من وراء القناع:
ولماذا في رأيك ينحاز العلم لهذه الرؤية؟
قال “رذرفورد”:
هذه هي الرؤية المادية.. الفلسفة المادية.. إن الإيمان بهذه الفرضيات والترويج لها كثيرًا والدفاع عنها باستماتة هو إيمان بالفلسفة المادية.. لا دخل له بالعلم التجريبي.. وإنما يُلصق بالعلم لأنهم جعلوا العلم متبنيا ومحاميا عن الفلسفة المادية وهو منها براء.. فهي في النهاية عقيدة.. تم إبقاؤها على قيد الحياة رغم أنف العلم.. تجد المجتمع العلمي يتسامح مع كل الفرضيات التي تتجه ناحية
_370_
هذا الاتجاه.. يتسامحون مع حكايات (هو هكذا لأنه هكذا).. ويتعاملون بمنتهى القسوة مع القول بوجود أي تدخل إلهي.. لأنه لديهم تعهد مسبق للمادية.. ليس الأمر أن الطرق العلمية هي التي تجبرهم على تفسير مادي لظواهر الحياة، بل هم أجبروا أنفسهم بتعهدهم للمادية على أن يصنعوا آلات ويختبروا أشياء حتى يخرجوا بتفسير مادي.. لا يعنيهم كم يخالفون البديهة والفطرة.. لا يعنيهم شيء.. المادية عقيدة ثابتة وهم لا يسمحون لأي قدم إلهية أن تدخل من الباب.
قال صاحب القناع:
لا تهول الأمور.. لا بد أن يكون عمر الأحافير متناسبا مع عمر الأرض المحسوب بدقة وهو 4.5 بليون سنة.
قال “رذرفورد”:
لو قرأت الدراسة التي اقترحت أن عمر الأرض هو 4.5 بليون سنة والتي قام بها العالم “باترسون” ستفهم تمامًا أن الموضوع عبارة عن افتراضات وتخيلات ثبت في النهاية خطؤها.. كان”باترسون” هو أول من استخدم طريقة اليورانيوم رصاص.. ولما اقترح عمر الـ 4.5 بليون سنة لاقى رواجًا واسعًا لأن أعمار الأرض المقترحة وقتها لم تكن تكفي لحدوث التطور.
لاحقًا كلما يتم تحليل الرصاص لتربة أخرى غير التي أخذ منها باترسون عيناته نجده يرسم خطوطًا مختلفة تمامًا عن التي رسمها باترسون .. ولو قرأت دراسة باترسون هذه ستجد أنه كتب بنفسه: “إنه يبدو متعارضا مع الحقيقة أن نسلم بنسب رصاص ويورانيوم تواجدت قبل بلايين السنين.. لأن المتطلبات التي تحقق هذه الافتراضات تبدو متطلبات شديدة التطرف ولا يحتمل أبدًا أنها تعطي عمرًا صحيحًا”.
ولكن المجتمع العلمي اعتمد هذا العمر لأنه مناسب للتطور البيولوجي.. لظهور الخلية الأولى.. لتطورها إلى جميع الكائنات.. لم يعد أحد يهتم بتغيير هذا الرقم.. ليس هناك أي مكسب لتغييره.. 4.5 بليون سنة هو عمر الكوكب.. مضى نصفها في تهيئة الظروف عليه لاستقبال المادة الحية.. ومضى النصف الآخر في تطور الكائن الأول إلى إنسان.. سيناريو متناسب تماما مع التطور.
ختم “رذرفورد”:
_371_
فهذه القصص التي نسمعها.. تطور الميكروب إلى الإنسان.. الأرض القديمة لبلايين السنين.. هذه القصص كلها متصدرة بلا أي حق.. وهي أكثر قصص تغذي الفكرة الإلحادية.. وحقيقتها أنها مجرد فرضيات في النهاية.
سكت صاحب القناع ثم قال له:
وكم عمر الأرض في رأيك إذا؟
قال “رذرفورد”:
هناك تجارب عديدة وضعت حدًا لا يمكن أن يتجاوزه عمر الأرض.. سأقول لك أشهر تجربتين.. التجربة الأولى قام بها إدموند هالي.. صاحب المذنب الشهير وقد اقترح طريقة ذكية جدًا لحساب عمر الأرض، عن طريق معرفة عمر البحر.. تعرف أن هناك كثيرًا من العوامل تضيف ملوحة إلى ملوحة البحر العادية.. كل سنة يزيد مقدار ملوحة البحر مقدارًا معينًا.. لو حسبنا ملوحة البحر الحالية.. ومقدار الزيادة الثابت الذي يحصل في الملوحة كل سنة.. يمكننا أن نعرف عمر البحر.. وبالتالي عمر الأرض.. طبق العلماء اقتراح هالي ووجدوا أن عمر البحار والمحيطات لا يمكن أن يتجاوز 90 مليون سنة.. هذا طبعا لو أن افترضنا أن البحر في أول تكونه كان عذبا بلا ملوحة على الإطلاق.. ولو كان البحر مالحا بدرجة ما أول ما تكون .. سيكون عمر البحر أقل من هذا.. لكن الحد الأقصى هو 90 مليون سنة هي عمر البحر الأقصى.. وبالتالي عمر الأرض الأقصى.
ثم قال:
ثاني تجربة قمت بها أنا “رذرفورد”.. واكتشفت فيها أن المواد المشعة عندما تتحلل فإن تحللها ينتشر في الجو على هيئة نَوَيات هيليوم.. فلو تمكنا من حساب معدل تكون الهيليوم في الصخور التي تحتوي عناصر مشعة ومعدل هروبه من تلك الصخور.. ومعدل دخوله للجو.. وعرفنا نسبة الهيليوم في الصخور ونسبة الهيليوم في الجو.. سيمكننا أن نعرف عمر الغلاف الجوي .. لقد قدمت أنا الفكرة وحسبها العلماء من بعدي فوجدوا أن الحد الأقصى لعمر الأرض بهذه الطريقة لا يتجاوز 2 مليون سنة فقط.
وأكمل قائلًا:
على أن أهم أدلة على أنه أقصر مما نتخيل، هو اكتشاف خلايا حية موجودة في أحافير يفترض أن أعمارها ملايين السنين.. كان هذا حقًا دليلًا مضحكًا.. اكتشفوا مرة خلايا دم داخل إحدى عظام الديناصورات.. هذا يشير إلى أن عمر
_372_
هذه العظام آلاف من السنين على أقصى تقدير ويستحيل أن تكون ملايين السنين كما يقولون .. أيضا وجدوا في أحافير أخرى لديناصورات أخرى بروتين الكولاجين.. هذا هو الذي ظنه التطوريون بدايات ريش.. لكن الحقيقة أنه مجرد بروتين.. والبروتين لا يبقى كل هذه السنين.. أيضا لدينا الـ DNA المستخلص من أحفورة البكتيريا التي قدروا لنا عمرها ب 425 مليون سنة.. بينما الـ DNAأصلًا لا يمكنه البقاء سوى بضعة آلاف من السنين.. وأدلة كثيرة أخرى تقول بأن عمر هذا الكوكب أقل من 2 مليون سنة وأن الكائنات التي تعيش عليه لم توجد من ملايين السنين كما يدّعون وإنما عمرها عشرات الآلاف من السنين على أقصى تقدير.
تنهد “آدم” وقال:
انتهى كلام العلماء في حكاية التطور هذه… في النهاية تبدو لي نظرية التطور الكبير Macroevolution وكأنها قصة خيالية للبالغين.. فهي سيناريو غير علمي يفترض أن المادة التي تفتقر إلى الحياة تمتلك خاصية سحرية وذكاء يجعلها تخلق كائنات معقدة التركيب.. متنوعة.. جميلة.. تنتشر في البر والبحر والجو.. هذه المرأة الجميلة هناك مثلًا.. كانت يوما قردية الشكل.. وكانت قبل ذلك ثديية الشكل بهيئة الكائن سلف الثدييات.. وكانت قبل ذلك برمائية الشكل.. يعني كانت أشبه بالضفدعة.. هذا يعيد إلى مخيلتي قصص الأطفال التي تتحول فيها الضفدعة إلى أميرة.. لكن عموما بقيت نقطة واحدة.. بقي أن نعرف رأي الدين.. سيد “المبارك”، ماذا يقول الدين في التطور؟
كان المبارك ساكنًا طوال الوقت ينظر إلى أحاديثهم.. ثم اعتدل وقال:
فليكن.. هذا الحديث كان طويلًا حقا.. بالنسبة للدين فالله أخبرنا شيئا مهما في القرآن.. يقول ربي : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.. إذًا كل الدواب مخلوقة من ماء.. ولاحظ هنا أنه لم يقل: “خلق كل دابة من الماء” بل قال: “خلق كل دابة من ماء”.. يعني كل دابة من هؤلاء لها ماؤها الذي خلقت منه.
ثم يعمم في آية أخرى فيقول : ﴿ وَجَعَلنَا مِنً المَاءِ كُلَّ شَيء حَي ﴾.. وهنا لم يقل خلقنا.. بل قال جعلنا.. يعني جعلنا كل شيء حي مخلوق من جنس الماء سواء كان
_373_
دابة بر أو دابة بحر أو ليس بدابة أصلًا لكنه كائن حي.. الكل مخلوق من جنس الماء.. لكن لكل دابة ماؤها. والإنسان له ماء خاص به أيضًا فيقول الله عنه : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴾.. وسلالة يعني نوع.. فلكل دابة ماؤها حتى الإنسان.
سكت “المبارك” قليلا ثم قال:
لكن ما معنى الماء؟ اتضح هذا تماما في آيات أخرى عندما قال سبحانه وتعالي: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾.. هذا هو الماء.. ماء الرجل الذي يخرج من صلبه.
لو نظرنا داخل ماء الإنسان سنجد أن المسؤول عن التلقيح فيه هو الحيوانات المنوية.. ولو نظرنا داخل الحيوانات المنوية سنجد أن المسؤول عن التلقيح فيها هو الكروموسومات.. فالكروموسومات إذا هي الماء.. هي المادة الوراثية.. وهي مختلفة في كل كائن عن أي كائن آخر.. لكل كائن كروموسومات خاصة به.. لكل كائن حي ماء خاص به.. وهذا بديهية علمية اليوم.
قال له “آدم”:
معلوم أن كل كائن حي له كروموسومات خاصة.. مادته الوراثية الخاصة.. لكن حدثنا من أين جاءت الأسلاف الأولى للأجناس؟ كيف خلقها الله؟ هل جاءت من ماء هي الأخرى ؟ هذه الأجناس هي التي بدأت واستعمرت الأرض أول مرة.. ونتج عن كل واحد منها آلاف الأنواع.. وطالما هي لم تأت بالتطور من شيء سابق عنها.. ولم يكن هناك مخلوق قبلها ينجبها لتأتي من مائه.. فمن أين أتت إذا؟
قال “المبارك”:
يقول الله: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ﴾.. يعني خلق السماوات وجهز الأرض بالجبال ثم “بث فيها من كل دابة”.. استعمار المخلوقات للأرض يتحدث عنه القرآن فيقول عنه “بث”.. يعني نشر.. نشر فيها من كل دابة.. ولاحظ هنا.. إنه يقول .. بث فيها “من كل دابة”.. لم يقل بث فيها كل دابة.. بل قال بث فيها “من كل دابة”.. يعني بث فيها دابة من جنس كل دابة.. ولم يبث كل دواب الأرض مرة واحدة.. بل بث البعض.. فنتج عنهم الكل.. هذا هو ما توصلتم له في النهاية بعد كل هذه المناقشات.. أن هناك أسلافا تم بثها في الأرض.. وهذه الأسلاف تطورت منها كل الكائنات الحية الحالية.. هذا هو التطور الصغير Microevolution ولا مشكلة فيه عندنا.
_374_
قال “آدم”:
لكن السؤال يا سيدي كيف خلق الله الدواب الأولى هذه؟ هل خلقها بيده مثلًا؟
قال “المبارك”:
لم يفصل الله هذا في القرآن ولم يفصل فيه النبي في الحديث.. وبالتالي نحن لا ندري كيف خلقها الله؟ كل ما نعرفه أنه تم “بثها” في الأرض.
قال “آدم”:
فليكن.. وما قول الله في عمر هذه الأرض؟ أثبتنا هنا أن موضوع ملايين السنين هذا مجرد افتراض وأن المخلوقات على الأرض عمرها عشرات الآلاف من السنين.. ماذا قال القرآن عن عمر الأرض؟
قال “المبارك”:
ليس لدينا تحديد جازم في الإسلام بهذا.. النبي محمد قال أن عمر آدم ألف سنة.. وقال أن بين آدم ونوح عشرة قرون (و القرن مائة عام) يعني بين آدم ونوح ألف سنة.. وجاء في القرآن أن نوحًا لبث في قومه 950 سنة.. فلنفرض إذا أنه عاش ألف سنة.. هذه ثلاثة آلاف سنة تقريبا.. ثم كان بين نوح وإبراهيم مدة نص القرآن على أنه لا يعلمها إلا الله.. يقول الله : ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾.. فالذين بعد نوح وعاد وثمود إلى إبراهيم لا يعلم أحد عددهم وأعمارهم.. بعد إبراهيم هي فترة معروفة تاريخيا ومسجلة وهي حوالي 4500 سنة.. فلدينا ثلاث فترات.. 3000 سنة من آدم إلى نهاية نوح.. فترة من نوح إلى إبراهيم مجهولة.. فترة من إبراهيم إلى عصرنا 4500 سنة.. لذا فالخلاصة.. إسلاميا.. لا يوجد تحديد يقول أن آدم نزل إلى الأرض قبل كذا من السنين.
شكره “آدم” شكرًا وفيرًا.. وبدأ العلماء يقومون من أماكنهم ويفكون أجسادهم بعد الجلوس الطويل.. وكذا فعلنا أنا وأنت.. حقا إن الأمر كان صعبًا جدًا.. أصعب سؤال في العالم تقريبا هذا الذي سألوه.. حقا إن لم يكن هذا هو أصعب سؤال في العالم فما هو أصعب سؤال؟ هيا بنا من هنا يا صديقي.. إنني أحتاج إلى راحة طويلة جدًا.
***
_375_
مشت بنا الكرولر خارجة من هذا العالم.. يبدو لي أننا أنهينا عوالم السافلين.
دخلنا على سكوربيون بالكرولر.. قل لي يا سكوربيون .. لماذا هناك أرض للإلحاد في هذا العالم.. هل لدى الإلحاد شيء يحصل على الإنترنت السفلي فقط؟ أنا أراه على الإنترنت العادي وأراه في كل مكان.. هل تعتبرونه من السفالة.. أنا أعرف السفالة في كل ما رأيناه في أرض السافلين.. لكن الإلحاد هو اعتقاد.. ما دخل السفالة به؟
قال لي سكوربيون :
إن أرض الإلحاد موجودة هنا لسبب واحد يا عزيزي .. أنك هنا في شبكة الديب ويب لا يوجد أي رقيب عليك.. لا توجد هنا عين تراك.. إلا عين ربك.. هذه العين الذي يجب أن تستحي منها و تكف عما تفعل إذا كنت أصلًا مؤمنًا أن هناك رب في هذا العالم.. أما إذا لم تكن مؤمنا.. فهدف مجمع آدم والعلماء هو أن تراجع اعتقادك هذا.
فليكن يا سكوربيون .. هذه المرة لن أدعك تثرثر مع الرجل.. أرحه قليلًا.. وإني أراه قد استكفى منك.. لقد أنهينا كل العوالم في أرض السافلين.. لقد زرنا السبع نوافذ.. رأينا كل أصناف السافلين.. وعلمك سكوربيون كل ما يمكن أن يتعلمه المرء في الإنترنت السفلي.
قال لنا سكوربيون :
الآن.. والآن فقط.. يمكنكم أن تروا الخاتمة.. العالم الأخير.. وهو العالم الذي سيخرجكم من بعده خارج هذه الأرض.. يخرجكم إلى النور.. هذا العالم ليس من الطراز الذي له نافذة.. بل هو عالم له اسم معروف.. ستدخلون الآن إلى أرض النور.
تفضلوا.. إلى الكرولر.. لتأخذكم إلى بوابة النور الأخيرة.
***
_376_
أرض النور
هذه الأرض بوابتها النور.. نور عن يمين وشمال.. انفرج من منتصفه ليدخلنا.. أول ما يطالعك هو سماء وأرض.. ليست السماء كالسماء التي تعرفها ولا الأرض التي تعرفها.. السماء هنا قريبة من رؤوسنا.. نرى تفاصيلها.. شموسها وكواكبها ومجراتها.. كلها قريبة يمكن أن تراها بعينك المجردة.. هناك طاقة روحية عالية جدا تجعل الأجواء تهتز كل حين.. الأرض هنا جنة.. أنهار ونخيل وجبال خضراء وشلالات على مد بصرك.. وكأن الأرض قد تزينت هي والسماء.. كل شيء هنا في أبهى صورة.
لقد أخذت منا ذاكرتنا مع هذا النور فعدنا على الفطرة.. بيض الأرواح والعقول.. لا ندري شيئا.
سمعنا صوتا يأتينا من كل مكان وكأنه صوت الكون نفسه.. من أين أتيت أيها الإنسان؟ انظر إلى جسدك الكامل الذي يحملك.. انظر إلى كل البهاء الذي حولك.. انظر إلى السماء والأرض والوديان والكواكب.. من أين أتى كل هذا الإتقان؟ أنت تتحرك وتنظر وتسمع وتشم وتفكر.. من الذي أوجد فيك كل هذا؟ وأوجد حولك كل هذا؟ أخبرتك الفطرة البيضاء التي أنت عليها أن هناك ربا عظيما وراء كل هذا.. فتنادي أيها الكون من هو ربي؟ من الذي خلق فسوى؟ من الذي قدر فهدى؟ من الذي أخرج المرعى؟
ثم سكت الصوت ولم نعد نسمع سوى صوت الطيور والشلالات والأنهار.. تعال بنا أيها الروح نسير في هذه الأرض.. لربما نهتدي إلى ربنا.
انطلقنا إلى قوم سمر الوجوه يضعون مناشف على رؤوسهم.. قالوا أنهم مصريون فراعنة.. أشاروا لنا إليه.. قالوا هذا إلهنا وإله آبائنا.. نظرنا إليه فإذا هو رجل أسمر يرتدي تاجا على رأسه.. قالوا هذا هو الإله الخالق.. قالوا أن اسمه أتوم.. وأنه الإله الأوحد وإله كل الآلهة.. قالوا أنه خلق نفسه.. ثم مارس العادة السرية فخرج من مائه إله رجل وإلهة أنثى.. الرجل هو الإله شو.. والأنثى هي الإلهة تيفنوت.. فذهبا في البحر يستكشفانه.. فأضاعهما الإله أتوم وأرسل رسلا ليبحثوا عنهما.. نظرنا إلى إلههم مليا.. هذا ليس ربنا.. إن ربنا لا يضيع منه شيء في
_377_
الأرض ولا في السماء لأنه خلق ما في الأرض وما في السماء.. ثم إن فطرتنا تقول لنا أن ربنا لا يفعل هذه الأمور الوضيعة الشهوانية.. هو أكبر وأعظم من ذلك.. أعرضنا عنهم وانصرفنا .
انطلقنا فإذا قوم سود الوجوه يقولون أنهم من مملكة كوبا العظيمة.. كانوا يظهرون الخضوع والخنوع لكيان ما وراءهم.. نظرنا فإذا هو وجه كبير يحتل جزءا لا بأس به من السماء.. قالوا هذا إلهنا الذي خلق كل شيء.. قالوا إن إلهنا كان وحده في الظلام فأحس بألم في معدته فتقيأ فأخرج الشمس والقمر والأرض.. ثم تقيأ مرة أخرى فأخرج الفهد والنسر والتمساح والسمكة.. نظرنا إليهم.. إنني أحس بألم في معدتي أنا الآخر.. فلنذهب من هنا من فضلك.. أين ربنا الذي له ملكوت السماوات والأرض؟ أين الذي خضعت له العيون والقلوب؟
انطلقنا إلى حيث قوم آخرين.. يسكنون الجبال في بيوت يبنونها على شكل درجات.. ذوو بشرة برونزية مميزة.. قالوا لنا أنهم حضارة الإنكا العظيمة.. سألناهم عن ربنا.. فقالوا ها هو ذا.. نظرنا فإذا كيان ذهبي على شكل إنسان مربع الوجه.. قالوا هذا إلهنا فيراكوشا.. قالوا أنه قد خلق الأرض ثم خلق الناس.. ثم بكى على المآزق التي أصبح فيها الناس والكوارث والشرور.. ثم اختفى في البحر وعاد للبشر على هيئة متسول.. وصار يعلم البشر الحضارة.. نظر بعضنا إلى بعض.. إله يتنكر في شكل شحاذ.. فلنذهب من هنا.. ما بال هؤلاء الحضارات؟ أليس فيهم رجل رشيد؟
ثم انطلقنا إلى قوم بيض الوجوه عيونهم مائلة.. قالوا نحن إمبراطورية اليابان العظمى.. قلنا يا قوم أين هو الإله؟ قالوا لنا أن الآلهة سبعة.. وقد اجتمع السبعة ووكلوا اثنين منهم.. رجل وفتاة.. لخلق هذا العالم.. الرجل يدعى إيزاناجي.. والفتاة تدعى إيزانامي.. فخلق الاثنان جزيرة.. ثم نزلا إليها.. ونصبا عمودا في منتصفها. ثم قررا أن يتزاوجا.. فأمسكا بالعمود ودارا حوله.. ولما تقابل في المنتصف.. دار بينهما الحوار التالي:
إيزاناجي: أيتها الإلهة الجميلة إيزانامي كيف تكون جسدك؟
إيزانامي: لقد تكون كله ما عدا منطقة واحدة لم تنم بشكل كامل.
إيزاناجي: أنا نما جسدي بشكل كامل وعندي منطقة نمت بشكل كبير جدا.. أرى لو أني وضعت المنطقة النامية من عندي في داخل المنطقة الغير نامية بشكل كامل عندك سننجب كل الأراضي والأشياء.. ما رأيك؟
_378_
فوافقت إيزانامي وحصل بينهما علاقة جنسية.. خرجت منها كل الأراضي والجزر والمخلوقات.. أهذه مسرحية هزلية أم دين؟ لماذا يحب الناس أن يصدقوا بهذه الأمور الغريبة دائما عن ربنا؟ تعال فلنمض من هنا.. عسى أن يهدينا ربنا لأقرب من هذا رشدا.
فانطلقنا إلى قوم آخرين.. كان بينهم رجل يرتدي طاقية صغيرة فوق رأسه وله ملامح حكيمة جدًا.. قال أنه أول من كتب عن الآلهة التي يؤمن بها اليونانيون.. وأن اسمه هوميروس.. يا هوميروس أيها الرجل الحكيم.. حدثنا عن آلهة اليونانيين.. قال إن آلهتهم تبدو مثل البشر في هيئاتهم.. منهم ذكور وإناث.. الفرق بينهم وبين البشر أنهم خارقون لا يموتون.. هم الأكثر وسامة وجمالا وأجسامهم هي الأكمل والأكثر قوة.. الإناث منهم يلدون ويشعرون بالرغبة الجنسية ويمارسون الجنس حتى إنهم ينامون بعد ممارسته.. وهم يتنافسون فيما بينهم ويشعر بعضهم بالغيرة من بعض ويحسدون بعضهم بعضا.. وقد أصبح الإله زيوس ملكا عليهم وأصبحوا يخافون منه.. هم يرون كل ما يحدث وكل ما يفعله البشر.. لا مانع عندهم من الخداع للوصول إلى مبتغياتهم.. الإله زيوس ملك الآلهة ذات مرة اتخذ شكل بجعة واغتصب امرأة أحبها تدعى ليدا.. والأرض هي الأم التي تناكحت مع ابنتها الجنة لتخرج لنا العماليق.. الذين قطع زعيمهم جزءا من المنطقة الحساسة للجنة فنتج عن هذا القطع أفروديت آلهة الجمال.. و..
كنا قد انصرفنا عن هوميروس.. لم نسمع باقي ثرثرته.. إنها تبدو مثل الحكايا المسلية التي تحب أن تسمعها في ليلة سمر.. لكن أن نؤمن بآلهة كهذه ونعبدها.. فهذا هو الجنون بعينه.. مشينا قليلا فقابلنا رجل قال أنه أفلاطون.. قال لنا إن كل قصص الآلهة التي انتشرت في بلاده اليونانية عن الآلهة هي قصص مكذوبة.. وليس معنى أنها منتشرة بين الناس أنها صحيحة.. بل هي خاطئة وحمقاء.
ثم قال.. نعم هناك آلهة.. وكلنا نراها.. انظروا إلى الشمس.. القمر.. إنهما أزليان وأبديان.. إذا فهما إلهان.. لكنهما فقط إلهان مرئيان.. لكن هناك إله غير مرئي.. وهو أيضا أزلي وأبدي.. الآلهة المرئية مثل الشمس تدفئنا والقمر يضيء لنا في الظلمات.. أما الإله الغير مرئي فهو الذي يرعانا ويهتم بنا.. وهو الذي صنع هذا العالم كله.. وهو الذي صنع الشمس والقمر.. هذا هو الإله الأعظم.
إله واحد عظيم.. هذا يبدو منطقيا.. لكن هل الشمس والقمر إلهان أيضا؟ نحن نعلم أنهما يفيدوننا لكن ما الذي يجعلهما إلهين؟ هل كل شيء أزلي يفيدنا
_379_
يكون إلها؟ إذا ستكون الأنهار إله والجبال إله.. هذا لا يبدو منطقيا.. فلنبحث عن هذا الكيان العظيم الواحد.. هو سيغنينا عن كل شيء.
ابتعدنا قليلا فإذا جمع غفير من الناس يصنعون الكثير من التماثيل ويتعبدون لها.. إنهم الهندوس.. رأينا كثيرا جدا من أشكال التماثيل وألوانها.. أتيناهم فقلنا ماذا تصنعون يا قوم؟ قالوا نتعبد لآلهتنا.. فقلنا ماذا تعبدون؟ قالوا نعبد إلها واحدا.. أعلى من كل شيء قدرا.. وأعظم من كل شيء حجما.. لا يحده شيء.. أبدي لا نهائي.. محيط بكل شيء.. موجود في كل مكان.. منه أتى كل شيء.. وإليه يرجع كل شيء.. اسمه العظيم هو براهمان.. كثير منه غير معلوم.. وقليل منه معلوم.. الكثير الغير معلوم لا يظهر لأحد ولم يظهر عليه أحد.. والقليل المعلوم منه هو الذي تمثل لنا على هيئة كل شيء في هذا الكون.. تمثل لنا في هيئة السماء والأرض والجبال والحيوانات والإنسان.. كل هذه هي تمثلات يتمثلها الإله لنا.. كلها قطع من ذاته.
يتشكل ربنا على شكل ثلاثة آلهة أساسية.. الخالق براهما.. والحافظ فيشنو.. والمدمر شيفا.. ورغم أنهم ثلاثة آلهة.. فإنها تشكلت للإله الواحد براهمان.. كما يتشكل ربنا البراهمان على شكل آلهة أخرى كثيرة جدا قادرة على التحدث إلى الإنسان.. لكنها لا تحدث أي إنسان.. إنما تحدث أناسا صالحين قد وصلوا في صلاحهم إلى أعلى درجة.. أناس اسمهم الفيدا.
وربنا البراهمان يتشكل في شكل الغذاء الذي تتغذى به المخلوقات كلها.. والغذاء الذي تتغذى به الآلهة.. وربنا يتشكل في هيئة أرواح كل الكائنات التي تعيش في الكون.. فكل موجود في الكون هو جزء من ربنا البراهمان.. وكل غذاء في الكون هو جزء من ربنا البراهمان.. وكل روح في الكون هي جزء من ربنا البراهمان .
إن آلهتنا الثلاثة.. براهما وفيشنو وشيفا.. وكل الآلهة الباقين قد حدث بين بعضهم وبعض كثير من الحروب العظيمة بأسلحة عظيمة.. لأن بعض الآلهة صاروا أشرارا فجأة فسميناهم “آسورا”.. بينما الآلهة الذين بقوا خيرين سميناهم “ديفا”.. الآسورا الأشرار أحيانا يهزمون الديفا الخيرين ويجبرونهم على الهرب.. وأحيانا أخرى يحدث العكس.
ما كل هذا يا قوم؟ إلهكم يتشكل على هيئة كل شيء في الكون؟ حتى الغذاء؟ فلما آكل طعاما فأنا آكل إلهكم.. ولما أخرج فضلات بعد الأكل لتأكلها الديدان فالديدان تأكل إلهكم؟ الحجر إلهكم والديدان إلهكم والقمر إلهكم والسماء والأرض إلهكم؟
_380_
قالوا بل هي أجزاء من إلهنا وليست إلهنا.. إنما إلهنا ضحى بأجزاء من جسده لتكوينها.. قلنا فليكن كما قلتم.. أليس هو تشكل في ثلاثة أشكال رئيسية أحدهم خالق والآخر حافظ والأخير مدمر.. هل ربكم يدمر؟ هل ربكم مسؤول عن الدمار الذي يحدث في هذا العالم؟
قالوا هو جزء من إلهنا نعم.. جزء يدمر به ما يستحق التدمير.. قلنا فليكن كما قلتم.. أليست هذه الأشكال الثلاثة لإلهكم صارت تحارب في حرب عظيمة في مواجهة أشكال شريرة أخرى لإلهكم؟ أتقولون أن أعظم ثلاثة أشكال لإلهكم.. الخالق والحافظ والمدمر قد دخلت في حرب؟ أن تحارب شخصا يعني أنت تحاول هزيمته وقد تفوز وقد تخسر.. هل إلهكم يقاتل؟ ليدخل نفسه في حرب مع الشر.. أليس بقادر على أن يهزم الشر من فوره؟ أيجرؤ الشر على أن يقف في وجه إلهكم ويحاربه؟ إن إلهكم ليس هو ربي.. إن ربي أكبر من إلهكم.. إن ربي أعظم من إلهكم.. لا أظن في ربي أن يكون طعاما أويكون شيئا محقورا.. لا أظن في ربي أن يتهيأ في هيئة أشكال عجيبة تحارب بعضها بعضا.. منها الخبيث ومنها الطيب.
أعرضنا عنهم ومشينا قليلا في هذه الأرض الجميلة حتى رأيناه.. قال أن اسمه المبارك.. كان يقف بعباءته البنية وملامحه الوسيمة.. قلنا: يا مبارك حدثنا عن إلهك.. فقال: ربي الأول قبل كل أول.. والآخر بعد كل آخر.. والدائم بل زوال.. والخالق خلقه من غير أصل ولا مثال.. هو الفرد الواحد من غير عدد.. وهو الباقي بعد كل أحد.. إلى غير نهاية ولا أمد.. له الكبرياء والعظمة.. والبهاء والعزة.. والسلطان والقدرة.. تعالى عن أن يكون له شريك في سلطانه أو في وحدانيته نديد.. أو في تدبيره معين أو ظهير.. أو أن يكون له ولد.. أو صاحبة.. أو يكون له كفوا أحد.. لا تحيط به الأوهام.. ولا تحويه الأقطار.. ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.. ليس كمثله شيء.. هو نور السماوات والأرض .
ألم يخلق ربك آلهة يا مبارك تقوم بشؤون الكون؟ فقال: سبحان ربي هو منزه عن أن يحتاج في تدبير أمره إلى أحد.. فهو الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه.. هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله.. لا إله إلا هو.. وإنما ظن الأقدمون أن هناك عدة آلهة لأن هناك عدة قوى وعدة صفات وعدة أفعال فافترضوا أن لكل صفة إله ولكل قوة إله ولكل فعل إله.. لكن هذا باطل.. فالكيان الواحد قد يكون له عدة صفات وعدة أفعال.. مثلما أقول عن فلان أنه الطبيب الأديب المفكر.. مع أنه شخص واحد.. كذلك علمني ربي أنه الله واحد لا شريك له وإنما له “أسماء” يعني صفات
_381_
فقلنا: يا مبارك علمنا صفات ربنا.. فقال: هو الله الظاهر فليس فوقه شيء.. الباطن فليس دونه شيء.. الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء.. هو الملك الذي لا يقدر على إحصاء ملكه أحد ولا ينازعه في ملكه أحد.. هو القدوس المنزه عن كل نقص وعن كل خيال فكل ما خطر ببالك فالله غير ذلك.
هو العزيز الذي لا يعجزه شيء في الكون.. هو الذي له الكبرياء عن كل سوء.. هو الخالق الذي يخلق من العدم.. البديع الذي يخلق بغير مثال.. هو الرزاق الذي يرزق كل مخلوقاته.. الطير والحيوان والإنسان المؤمن أو الكافر والبر والفاجر.. كل يسهل له رزقه الذي كتبه له.. يوسع على من يشاء ويقدر على من يشاء.. ولا ينقص هذا من ملكه مثقال ذرة .. هو المنزه عن أن يحتاج إلى عبادة أحد.. ويحتاجه كل أحد.
هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. يعلم ما كان ويعلم ما هو كائن ويعلم ما سيكون.. وما تسقط من ورقة إلا يعلمها.. السميع الذي يسمع كل الأصوات الظاهرة منها والباطنة التي تخفيها الصدور.. البصير الذي أحاط بصره بجميع المخلوقات في أقطار السماوات والأرض فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى سريان الماء في أعضائها الدقيقة.. هو المحيي الذي وهب الحياة لمخلوقاته الحية.. وهو المميت الذي ينزع الحياة ممن يقدر عليه الموت.. وهو الحي الذي لا يموت.
هو الخافض الذي يخفض كل من تكبر وتجبر وظن أن لن يقدر عليه أحد.. وهو الرافع الذي يرفع كل من تواضع.. هو الذي له الحكم وحده في الكون لا يشاركه في حكمه أحد.. وهو العدل الذي لا يظلم أحدا مثقال ذرة.. هو الحليم الذي لا يعجل بالعقاب لمن عصاه وكفر به.
هو الجميل الكامل الجمال.. وهو الكبير الذي يصغر كل شيء أمام عظمته ولا تهتدي العقول لوصفه فهو أكبر من أن يقاس به شيء.. الحكيم الذي لا يخلق شيئا عبثا ولا يشرع شيئا سدى.. القوي الذي لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه راد.. القاهر الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة وعنت له الوجوه ودانت له الخلائق.
قلنا: يا مبارك ، أين ربك؟ قال لي: سأسالك سؤالا.. هل تقدر على أن تقول لي أين مكاني أنا المبارك ؟ قلت له: أنت عن يميني.. قال لي: جميل دعنا نجرب شيئا آخر.. ثم رفع يده ناحيتي فأصبحت أدور حول نفسي مثل المغزل.. ثم قال لي: هل
_382_
تقدر على أن تقول لي أين مكاني؟ سكت لساني قليلا ثم قلت له: أنت في كل ثانية في مكان.. قال لي: جميل.. ثم رفع يده ناحيتي فأصبحت أتحرك وأنا أدور حول نفسي هكذا.. أتحرك لأدور حول المبارك.. فأصبحت أدور دورانين.. واحدا حول نفسي والآخر حول المبارك.. فسألني: هل تقدر على أن تقول لي أين مكاني؟ قلت له: الأمر أصعب.. لكنك كل جزء من الثانية في مكان.. ثم رفع المبارك يده فتوقفت عن الحركة وتوقفت عن الدوران.
قال لي: هذه الأرض التي نعيش عليها تدور حول نفسها مثل المغزل.. وهي في نفس الوقت تدور حول الشمس.. ففي أي لحظة من اللحظات تكون الشمس في موقع مختلف.. فأنت لا تستطيع أن تحدد اتجاه الشمس بالنسبة لك.. عرفت ما يريد المبارك أن يقول لكنني قلت له: لا أسألك عن الاتجاه.. فحولنا اتجاهات لا متناهية.. بل أسألك عن المكان.. أنا مثلا يمكنني أن أقول أن هذه الشمس هي في المجموعة الشمسية مثلا.. يعني لها مكان.. لذا أنا أسألك أين مكان الله؟ لا أعني في أي اتجاه هو بل أسألك أين هو مكانه؟
قال لي: فليكن، سنجرب تجربة أخرى.. فجأة رأيت نفسي أطير بسرعة صاعدا إلى الأعلى أنا وأنت والمبارك فخرجنا من هذا العالم كله وأصبحنا نسبح في الفضاء.. قال لي المبارك: أين هي الشمس؟ نظرت فإذا الشمس فوقي.. والقمر فوقي أيضا.. أراهما معا.. والكثير من الكواكب رأيتها فوقي.. المنظر يبدو للناظر وكأن هذه الأرض التي تحتنا اختفت وصارت كيانا مظلما بينما ما زالت الشمس وما زال القمر فوقنا.
قال لي المبارك: هكذا سترى الشمس لو خرجت من الأرض.. ستراها فوقك في كل حين.. لكن في واقع الأمر الشمس عن يميننا.. لكننا نراها فوقنا دائما وأبدا.. حتى وإن درنا حولها فسنراها فوقنا في كل حين.. حتى لو انتقلنا ووقفنا على عطارد فسنراها فوقنا.. ولو وقفنا على المشتري فسنراها فوقنا.. ولو وقفنا على نبتون فسنراها فوقنا.. هل سألت نفسك لماذا نحن نراها فوقنا دائما بينما هي أصلا عن يميننا؟
سأجيبك أنا.. أنت تراها فوقك هكذا دائما لأن الشمس أكبر منك بليون مرة.. ولكن لو كبرت أنت في الحجم فصار حجمك مثل حجم الأرض.. ستكون الشمس ساعتها أكبر منك بمائة مرة فقط.. عندها يمكنك أن ترى موقعها.. باختصار حتى ترى موقع شيء ما يجب أن تقترب منه في الحجم.. لكن لو كان هذا الشيء أكبر منك ببلايين المرات فأنت ستراه دوما فوقك.. فلو افترضنا.. فقط افترضنا حتى
_383_
نقرب المسألة لعقلك القاصر أن الله ربي سبحانه وتعالى عن هذا المثال.. أكبر من هذا الكون كله بمائة بليون مرة.. فعندما تأتي أنت وتسألني أين هو الله؟ سأقول لك لا بد أن تكبر أنت فيصير حجمك أكبر من الكون ببليون مرة عندها يمكنك أن تسأل أين هو.. عن يمينك أو شمالك.. لكن طالما أنت ذرة لا ترى بالنسبة للكون .. وطالما هذا الكون هو ذرة بالنسبة لله.. وطالما كل شيء مخلوق هو ذرة بالنسبة لله.. فلا يمكنك أن تسأل أين هو؟ فطالما هو أكبر من الجميع فسيكون دائما في الأعلى فوق كل شيء.. لذلك أنت عندما تدعوه ترفع يدك وتنظر إلى الأعلى.. ليس معنى هذا أنه في جهة العلو.. بل هو فوقك وفوق كل شيء لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء.
قلت له: أنت عندما وصفت الله ربك قلت أنه هو الظاهر فليس فوقه شيء.. وهو الباطن فليس دونه شيء.. بالنسبة للظاهر الذي ليس فوقه شيء ففهمناها وعرفناها.. لأنه أكبر من كل شيء.. فهو يظهر فوق كل شيء.. لكن ماذا تعني أنه الباطن الذي ليس دونه شيء؟ قال لي: انظر إلى الشمس والمجموعة الشمسية.. هذه الكواكب كلها لو صار لها عيون سترى الشمس عن يمينها أليس كذلك؟ حسنا الآن صغر كل كوكب من هذه الكواكب بليون مرة.. فيصير حجم كل كوكب مثل حجم حبة الرمل.. واترك حجم الشمس كما هو.. الآن اسأل الكواكب وقل لها أين الشمس.. سيقولون الشمس فوقنا.. لم تعد عن يمينهم.. لأنهم صغروا في الحجم بليون مرة.. هذا مفهوم.
الآن انظر لهذا النظام مرة أخرى .. هل هناك شيء نقدر على أن نقول أنه تحت الشمس؟ هذا النظام حيث الشمس هي العظيمة الكبيرة.. وكل شيء حولها حبات رمل.. ولا مقارنة بين حجمها وحجمهم الذي لا يذكر.. انظر لهذا النظام نظرة مدققة.. هل هناك شيء تحت هذه الشمس العظيمة؟ لا شيء.. لأنها هي أعظم شيء في هذا النظام.. أعظم وأكبر بلايين المرات من كل ما حولها.. واسأل كل حبات الرمل هذه التي تدور حول هذه الشمس العظيمة.. أين ترون الشمس؟ سيقولون نراها فوقنا.. وهكذا عندما تريد أن تصف هذا النظام باللغة العربية ستقول أن هذه الشمس هي الظاهرة الكبيرة فليس فوقها شيء.. وهي الباطنة فليس دونها شيء.
سألته: وهل الله ربك كبير أكبر من كل شيء ببلايين المرات وكل شيء حوله صغير؟ قال لي: إنما مثلت لك بمثال حتى يفهم عقلك فقط.. لكن هذا النظام.. الذي يقضي بأن كل شيء مادي في العالم له مكان وله زمان وأبعاد.. هذا النظام
_384_
الله ربي هو الذي خلقه.. وطالما هو الذي خلقه فلا تجري عليه قوانينه.. يعني ربي لا تجري عليه قوانين المكان ولا قوانين الزمان ولا الأبعاد.. فهو الذي خلق الزمان وخلق المكان وخلق الأبعاد.. إنما مثلت لك المثال السابق حتى أعلمك معنى أنه يمكن منطقا أن يكون شيء ظاهر فليس فوقه شيء.. وفي نفس الوقت باطن فليس دونه شيء.. وهذا لا يتحقق إلا إذا كان هذا الشيء هو أكبر من كل شيء.. وأعظم من كل شيء.. وليس يقترب من قدره شيء.. سبحان ربي عن كل مثال.
قلنا: يا مبارك مررنا بأقوام حدثونا عن ربهم أنه مدمر؟ فهل ربك خلق الشر؟ هل ربك مدمر؟ قال: إن ربي لا يصدر عنه شر قط.. بل هو الخير سبحانه.. إذًا أيها المبارك لماذا هناك شر في هذا العالم؟ لو كان ربك يعلم وجود الشر ولا يقدر على أن يوقفه فهو ليس بإله قادر.. ولو كان يعلم وجود الشر وتركه كما هو فهو ليس بإله رحيم.. لماذا هناك أناس تموت بالجملة في الحروب والمجازر ؟ لماذا هناك أطفال يعذبون في حياتهم بالسرطان حتى يموتوا؟ لماذا يموت المظلومون مظلومين وفقراء؟
قال: إنك تتحدث عن الموت وكأنه شيء كارثي.. لكن الحقيقة هي أن أجساد هؤلاء هي التي تموت.. لكن أرواحهم حية باقية بعد أن تخرج من أجسادهم.. الروح لا تهرم.. روحك وأنت طفل هي روحك وأنت شاب هي روحك حين تشيخ هي روحك بعد أن يموت جسدك.. إنما هي تنتقل لتعيش الفصل الثاني من المسرحية.. فهذه المسرحية لها فصل ثان .. هؤلاء الأطفال الذين تعذبوا بالمرض فماتوا في الفصل الأول .. سيبعثهم الله في مقام كريم في الفصل الثاني.. الكل سيتمنى لو كان طفل عذبه المرض في الفصل الأول … ليصل إلى هذا المقام الكريم في الفصل الثاني.. وهذا الفصل الثاني مدته أبدية.. بينما كان الفصل الأول مدته ساعات معدودة لا تذكر.
المظلوم في الفصل الثاني يقتص ممن ظلمه في الفصل الأول حتى يرضى المظلوم.. ولا يظلم ربك أحدًا.. الفقير المعدم في الفصل الأول يصير ملكا في الفصل الثاني لو كان مؤمنًا.. هؤلاء الذين ماتوا بالجملة في الفصل الأول .. سيبعث الله من آمن به منهم في مقام الشهداء في الفصل الثاني.. أن تنظر إلى فصل واحد لتحكم على مسرحية كاملة فهو نظر قاصر.. الله سمى الفصل الأول الحياة الدنيا.. وسمى الفصل الثاني الآخرة.. وعلمنا أن الدنيا صغيرة محقورة بينما الدار الآخرة هي دار القرار وهي الحياة الحقيقية الأبدية.
_385_
قلنا: يا مبارك أنت تقول أن هؤلاء يكونون في مقام الكريم في الدار الآخرة.. يعني أين يذهبون بالضبط؟ قال: يسكنون في درجات عالية من الجنة.. قلنا: وما الجنة؟ قال: هي كيان عظيم جميل عرضه كعرض السماوات والأرض.. يعني حجمه مثل حجم هذا الكون الكبير بكل نجومه ومجراته.. من يدخلها ينعم فيها ويخلد ولا يموت ولا يهرم.. وهي نور يتلألأ.. وقصور مشيدة.. وفاكهة لا تنقطع.. وأنهار تجري .. قلنا: ومن يدخلها؟ قال: يدخلها من يرضى الله عنه.. قلنا: وكيف يرضى الله عنا؟ قال: من رضي بالله ربا و بالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وجبت له الجنة.
قلنا: وأين يذهب من ظلم وقتل؟ قال: يذهبون إلى نار يعذبون فيها على سوء أعمالهم.. قلنا: ومتى يخرجون منها؟ قال: لو كانوا مسلمين سيعذبون فيها بقدر ما أذنبوا في حق ربهم أو في حق غيرهم ثم يخرجون إلى الجنة وينعمون فيها إلى الأبد.. قلنا: ولو لم يكونوا مسلمين؟ قال: حين يذكر هؤلاء يقول الله عنهم أنهم يخلدون فيها أبدا.. والخلود هو البقاء الطويل.. والأبد هو المدة الطويلة من الزمن.. يعني هؤلاء يبقون في النار أمدا طويلا جدا بسبب كفرهم وإنكارهم لله.. لكن لا يبقون فيها إلى الأبد.. إنما هم يبقون أمدا طويل جدا.. قلنا: وماذا يحصل فيهم بعد هذا الأمد الطويل.. قال: هم في ذمة الله يفعل بهم ما يشاء سبحانه.
قلنا: بعضنا ينكر الله لأنه لم يعرفه.. لم يصل إليه حديث مثل حديثك.. بل وصلت إليه أحاديث أخرى عن ربه.. ولقد مررنا قبل أن نأتيك بأقوام لهم أحاديث كثيرة في أمر الرب.. قال: لا يعذب ربي قوما حتى يبعث إليهم رسل.. فكل من رأيتهم من حضارات لم يتركهم الله بل أرسل لهم رسل وأرسل لهم أنبياء يحدثونهم عن الله.. قلنا: وما الأنبياء وما الرسل؟ قال: الرسول هو بشر اختاره الله ليحدث قومه عن الله ويقيم عليهم الحجة بالعقل ويبلغهم بشريعة الله.. فإذا مات هذا الرسول بعث الله بعده أنبياءً يذكرون الأجيال اللاحقة من هؤلاء القوم بشريعة ذلك الرسول .. فكل رسول تبعه أنبياء.. وآخر رسول هو رسول الله وخاتم النبيين ولا نبي بعده.. كل من سبقوه كانوا مبعوثين إلى أقوام بعينهم.. أما هو فقد بعثه الله إلى الناس كافة.. محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
قلنا: في الأرض أقوام متباعدون كثر.. قد لا تصل إلى أكثرهم رسالة محمد.. قال: لا يعذبهم الله حتى تصل لهم رسالة محمد كاملة غير ناقصة، سليمة غير مشوهة أو متلاعب بها.. فإن لم تصلهم بهذه الشروط لا يعذبهم الله.. فإذا وصلهم مثلًا أن هناك كذابًا بعث اسمه محمد يقول كذا وكذا فلا يعذبون .. لا
_386_
يعذب أحد حتى يصل إليه رسول نذير يقيم عليه الحجة البينة.. والنار لا يدخلها ولا يلقى فيها من فوج إلا سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير فيقولون بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء.
قلنا: وما يفعل الله في كل من لم تصله الرسالة أو وصلته مشوهة؟ قال:
يجمع الله كل من لم تصله الرسالة سليمة، سواء كان قبل محمد أو بعد محمد، أو من الذين ابتليت عقولهم بجنون أو نحوه فلم يعقلوا الرسالة.. يجمعهم كلهم ويمتحنهم بامتحان.. فإذا أفلحوا فيه أدخلهم الجنة وإذا لم يفلحوا أدخلهم النار..
قلنا: وبماذا يمتحنهم وقد عرفوه وأيقنوا بوجوده؟ قال: يأخذ عليهم الميثاق والعهد أنه سيأتيهم رسول وأن عليهم أن يطيعوه في كل ما يأمرهم.. فيأتيهم رسول فيؤجج لهم نارا ويأمرهم باقتحامها.. فمن اقتحمها وأطاع الله بعد أن أخذ عليه العهد بالطاعة كانت عليه بردًا وسلامًا ودخل الجنة.. ومن لم يقتحمها يقول الله لهم إياي عصيتم فكيف لو أرسلت لكم رسلي؟
قلنا: أفأكثر أهل الأرض في الجنة أم في النار؟ قال: إن الجنة عرضها السماوات والأرض فحجمها مثل حجم الكون كله.. أما النار فورد فيها أنه إذا رُمي حجرا فيها سيصل إلى قعرها بعد سبعين سنة.. بحسابات الأجسام الساقطة من علٍ .. تجد أن أي جسم ساقط لو ظل يسقط سبعين سنة سيقطع حوالي 2500 سنة ضوئية.. هذا هو عمق النار.. وحتى تعرف معنى هذا الحجم أقول لك أن مجرة درب التبانة وحدها قطرها 100 ألف سنة ضوئية.. يعني حجم مجرة واحدة أكبر من حجم النار بأربعين مرة.. أما حجم الجنة فهو مثل حجم الكون الذي فيه 100 بليون مجرة.. فحجم الجنة أكبر من حجم النار ب 4 تريليون مرة.. وأخبر النبي أن الله قال للجنة والنار أن لكل منهما ملؤها من الناس.. فسيملأ الله كل واحدة حتى آخرها.. فالذين في الجنة سيكونون أكثر من الذين في النار ب 4 تريليون مرة.. وحتى هؤلاء الفئة البسيطة التي لا تذكر والتي ستدخل النار سيبقيهم الله أمدًا طويلًا ثم ينتهي هذا ا لأمد وينتهي بقاؤهم فيها.
اطمأنت قلوبنا.. وارتاحت أرواحنا.. وعاد لنا كل ما فقدناه من ذاكرتنا.. ونظرنا إلى المبارك.. وإلى كل ما مررنا به معه.. إن دين هذا الرجل هو دين لا يتعارض مع العلم بل هو سابق عليه ويؤيده.. دين هذا الرجل لا يعارض فطرة وليس فيه أي خرافة أو نقيصة.. ولو لصقت به أي خرافة أو نقيصة تجدها دائمًا حديثا ضعيفًا أو مكذوبًا.. دين هذا الرجل هو الخير وهو الرحمة وهو العدل.. إن دين هذا الرجل هو الإسلام.. وإنا قد أسلمنا وجهنا معه إلى ربنا.. نور السماوات والأرض ومن فيهن.. قيوم السماوات والأرض ومن فيهن.
_387_
نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا نبيه ورسوله.. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون .. وسلام على كل من أرسل من نبي ورسول .. وسلام على خير البشر.. محمد النبي المختار المصطفى.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
***
انكشفت لنا السماء فرأينا نورًا لا حد له يسع كل الأرجاء.. نور أضاء لنا كل شيء فوقنا وتحتنا.. نور مشينا فيه حتى وصلنا إلى بوابة العالم التي دخلنا منها.. ولما خرجنا نظرنا إلى أرض السافلين.. فرأيناها قد تجمدت بعد هذا النور فلم تتحرك فيها أي حركة.. مشينا فيها ونحن ننظر إلى أرجائها ونذكر ما مر بنا فيها.. ظللنا نمشي حتى انفتحت لنا البوابة التي دخلنا منها أول مرة.. فخرجنا منها.
نظرت إليك.. أنت لم تعرف اسمي.. ولم أعرف اسمك.. هل يبدو الأمر غريبًا؟ لا أظنك ستنسى مجيئك إلى هنا.. ولا أظنك ستنسى كل ما مررنا به.. الآن سيعود إليك الطور المادي ويذهب عنك طور الروح.
دعني أحدثك بحديث قبل أن تذهب إلى طور الجسد.. انظر إلى روحك التي بداخلك هذه.. زكها دائمًا بكل ما هو زكي.. ولا تدنسها بكل ما هو دنس.. فهذه الروح هي الشيء الوحيد الباقي في هذا العالم بعد أن يفنى كل شيء.. روحك هي الباقية.. فلا تجعلها دنسة.. طهرها اليوم وأنت قادر على ذلك.
.. تمت..
_388_
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق