قصص

رواية أرض السافلين …الجزء التاسع

عدنا إلى عروشنا وجلسنا كلنا.. ودخل “المبارك” من الباب.. إن الدور دوره الآن ليتحدث برأي الدين في المسألة..
نظر الجميع إلى “المبارك”.. كان يبتسم ابتسامة هادئة وهو يقف في إحدى زوايا القاعة.. قال “المبارك”:
لا يمكنني أن أتحدث عن الدين في وجود قامات أمثال “الغزالي” و”ابن تيمية”.. فهما أولى بالحديث مني.
قال “آدم”:
بالتأكيد هما أولى بالحديث منك.. ولكن قد تم اختيارك أنت لأنك رأيت ما لم يرياه وشهدت تطور العلم والحضارة.. كما أنك سمعت ما لم يسمعاه ممن جاء بعدهما من العلماء.. كما أنك تحفظ كلامهما وتسير على دربهما هما وغيرهما من العلماء.. ثم إن دورهما اليوم كان فلسفيًا بحتًا.
قال “المبارك”:
في هذه الحالة يمكنني الحديث.. يمكنني أن أقول في البداية أن أفضل حديث فلسفي حل جميع المشاكل الفلسفية للموضوع هو كلام “ابن تيمية”.. ولكن هناك مشكلة بسيطة.. نحن يمكننا أن نناقش إمكانية أن تكون المخلوقات أزلية أم لا ونثبت أنها ليست أزلية.. كل هذا جميل.. لكن لا يمكننا أن نتحدث بهذا الحديث على الله تعالى.. لأن الأزلية هي أصل تعبير من تعبيرات الزمن.. هي زمن لا متناهي في الماضي.. والله تعالى هو خالق الزمن.. فكيف نجري عليه قوانين زمنية لا نهائية وهو سبحانه الذي خلق الزمن.. بتعبير آخر لا يصح أن نقول أن الله أزلي..
_151_
لأن كلمة أزلي ستعني أنه مطبقة عليه قوانين الزمن.. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.. فهو ليس كمثله شيء.. لا نقول عنه إلا كما قال هو عن نفسه أنه هوا لأول .. وهو الآخر.. وكلمة الأول وحدها تلغي مفهوم الأزلية تمامًا.. وهو من أسمائه الحسنى سبحانه.
ثم نظر “المبارك” ناحية الفلسفة وقال:
ربما كان أرسطو محقا لما تخيل أن المخلوقات تعشق الله.. يمكننا أن نتخيل هذا حين نقرأ في القرآن: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾.. لكنه أخطأ في ما عدا ذلك بالطبع.. ولقد حل الفلاسفة المسلمون معضلته حلًا رائعًا.
ثم نظر “المبارك” ناحية العلماء وقال:
بالنسبة لرؤية الإسلام عن الكون وتكون الكون وهيكل الكون فالحقيقة أن محمدًا قد أبلغنا بوصف للكون يماثل تمامًا صورة الكون التي توصلتم لها بعد كل هذه السنين.. وإنه شيء مخجل أن المسلمين في عصر النهضة العلمية والصناعية الحديثة لم ينتبهوا لهذا مع أنه كان مكتوبًا في القرآن بوضوح شديد قبل ألف وأربعمائة عام.
قال له “آدم”:
هذا ادّعاء واسع يا سيدي.. يجب أن تحدثنا بأمثلة.
قال “المبارك”:
سأحتاج إلى الهولوجرام إذًا لكي يدعمني بالصور.
قال “آدم”:
هو رهن إشارتك.
قال “المبارك”:
حتى نفهم تصور القرآن للكون يجب أن نفهم مصطلاحاته الكونية.. ولست من الطائفة الذين يلوون ذراع المصطلحات القرآنية لتتوافق مع اكتشافات العلم.. بل هذا اتجاه أكرهه وأحاربه.. وأرى أنه يحرج الذين يفعلونه.. لأنهم يركضون ليُطوعوا كلمات القرآن لتتوافق مع فرضية علمية ما عن الكون ..ويصرخون .. هذا ما قاله القرآن قبل ألف وأربعمائة عام.. ثم حين يثبت خطأ الفرضية العلمية وتستبدل بفرضية أخرى أجدهم يدفنون رؤوسهم في التراب.. ثم يخرجونها بعد ذلك ليحاولوا تطويع كلمات القرآن لتتوافق مع الفرضية
_152_
الجديدة.. وهكذا.. هؤلاء يتحدثون باسم الإسلام والحقيقة أنهم أكثر من يؤذون صورة الإسلام.. الصحيح أننا حتى نفهم مصطلحات القرآن، يجب أن نفهمها بلغة العرب البسطاء الذين نزل القرآن فيهم.. ولا نلوي ذراع لغتهم لتتوافق مع أي شيء حديث.
توجه “المبارك” ناحية الهولوجرام وهو يقول :
فقط ثلاثة مصطلحات لو فهمتها ستجعلك تفهم وصف القرآن للكون بشكل كامل كما نزل على محمد.. “السماء”.. “السماوات”.. “السماء الدنيا”.
رفع “المبارك” يده ناظرًا إلى السقف فانفتحت قبة القاعة العلوية فجأة وظهرت السماء فوقنا بنجومها البديعة.. فرفع الكل رؤوسهم ينظرون والمبارك يقول :
السماء في اللغة العربية هي كل ما ارتفع فوق رأسك وأظلك.. سقفًا كان أم جوًا أم قبة سماوية كالتي نراها فوقنا.. أي شيء يظلك.. فلمًّا كان السقف مغلقا فوق رؤوسنا قبل قليل كان اسمه سماء في اللغة العربية.. ولما انفتح السقف وظهرت القبة السماوية.. فهي في اللغة العربية اسمها سماء أيضا.
قال “المبارك”:
لكن القرآن ميز ثلاثة أشياء كلها فوقنا.. السماء.. السماوات.. السماء الدنيا.. أجرينا بحثًا شاملًا لكل المرات التي ذكرت فيها كل كلمة من الثلاثة حتى نفهم الفرق بينهم بالضبط.. بدون الاعتماد على تأويلات المتأولين.. بل بالاعتماد على القرآن وحده.. كل كيان من الثلاثة يورد القرآن أوصافا دقيقة تدلنا عليه.
فجأة اختفت كل النجوم من القبة السماوية فوقنا وصارت السماء كلها سوداء معتمة.. قال “المبارك”:
بالنسبة للسماء.. قال عنها القرآن “والسماء ذات البروج”.. هذا أول وصف نعرف به السماء في القرآن.. والبروج عند العرب وعند القدماء هي تجمعات من النجوم تتشكل في هيئة معينة.. بعضها أبراج شهيرة مثل الجدي والجوزاء وغيرها.. وبعضها أبراج صينية.. وبعضها أبراج ذات أسماء أخرى .. المهم أن كل تشكل من النجوم تنبه له أي أحد من القدماء وسماه أي اسم فهو برج.. إذًا السماء في القرآن هي الشيء الذي فيه بروج.
ظهرت النجوم مرة أخرى في القبة السماوية فوقنا ولكن هذه المرة في تشكيلات تصل بينها خطوط مضيئة ليتضح شكلها أكثر.. ثم قال “المبارك”:
_153_
ثم قال القرآن “والسماء ذات الحُبُك”.. والحبك في اللغة العربية هي الطرق المتشابكة.. مثل الرمال عندما تهب عليها الريح فتحدث فيها أشكالا كأنها طرق رفيعة متشابكة متداخلة.. أو مثل الخيوط المتشابكة أو المنسوجة نسجا محبكا.. يقول القرآن أن السماء ذات حبك.. لم يعرف أحد ما يقصده القرآن تحديدًا بهذا الوصف الغير معتاد.. ما معنى أن تكون هذه السماء ذات حُبُك؟
نظر “المبارك” إلى الأعلى وقال:
كما ترون.. لم يحدث شيء في الهولوجرام.. لأن العرب لم يفهموا ما معنى هذا بالضبط.. كل ما عرفناه عن صفة السماء في القرآن أنها ذات بروج.. وأنها ذات حبك.. وهناك شيء أخير.. قال الله عن السماء : ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾.. من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصّعّد في السماء”.. ويصّعّد بالشدة على حرف الصاد والعين.. يعني من يصعد شيئا فشيئا.. فكل من يصعد في السماء من البشر يضيق صدره كلما صعد أكثر وأكثر.
عاد “المبارك” ينظر إلى الحضور ويقول :
ثم هناك شيء في القرآن يدعى السماء الدنيا.. أو السماء القريبة.. قال عنها الله في القرآن : ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾.. لاحظ هنا.. يقول “بزينةٍ الكواكب”.. بالتنوين.. يعني حدد حصرًا أنه جعل زينة السماء الدنيا هي الكواكب.. والكواكب عند العرب غير النجوم.. فالنجوم هي تلك النقاط المضيئة التي تملأ السماء.. أما الكواكب فهي النقاط البادية المتلألئة البراقة الزاهرة المتجلية في الليل.. لا مقارنة بين بريق ولمعان الكوكب وبريق النجم الخافت.. لذلك قال عن الكواكب أنها زينة..ولذلك شبهها في موضع آخر بالمصابيح لما قال: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾.. كأنها مثل المصابيح التي كان يعلقها العرب في السقف.. يقول الله لقد زينا السماء الدنيا بهذه الكواكب المضيئة الجميلة الشبيهة بالمصابيح.. وهي خمسة كواكب فقط.. عطارد والزهرة والمريخ وزحل والمشتري .. الإنسان القديم أو حتى الحديث لا يستطيع أن يرى بعينه أي كواكب غيرها في السماء.. إذًا هناك خمسة كواكب.. خمسة مصابيح تزين السماء الدنيا.. بالنسبة للعربي فهو يقول عن هذه الكواكب الخمسة أنها كواكب سيّارة.. لأنه لاحظ أنها تسير ولا تكون ثابتة في موضع واحد من السماء.. هكذا عرفنا السماء الدنيا بأن فيها الكواكب الخمسة.
كان الجميع ينظرون في السماء التي بدت فيها خمس نقاط لامعة فعلًا ألمع بكثير من كل النقاط الأخرى في السماء.. قال “المبارك”:
_154_
ثم يقول الله عن السماء الدنيا: ﴿ وجعلناها رجومًا للشياطين ﴾.. ويصفها فيقول عنها أنها : ﴿ حفظًا من كل شيطان مارد * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ﴾.. فهو يقول أنه جعل في السماء الدنيا شهبا ترجم بها الشياطين.
لاحظنا أن هناك شهبا تلمع في السماء كل عدة ثوان .. واحد يلمع هناك والآخر يلمع هنا.. كان منظرًا جميلًا.. قال “المبارك”:
ثم قال القرآن للعربي: ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ﴾.. والطرائق المسارات.. هو يعرف أن هناك خمسة مسارات للخمسة كواكب في السماء.. لكن القرآن الآن يقول له أن هناك سبع طرائق.. لم يفهم العربي طبعًا لأنه لا يرى سوى خمسة فقط.
نظر “المبارك” إلى السماء بكواكبها وشهبها وقال:
إذًا أصبحنا نعرف كعرب أن “السماء الدنيا” فيها خمسة كواكب وربما سبعة.. وفيها شهب.. وأن “السماء” فيها بروج وحبك.. لكن أليست السماء الدنيا هي السماء؟
ثم أجاب “المبارك”:
بل لقد اتضح أن “السماء” مقسمة إلى سبع سماوات وأن أدنى واحدة منهن هي السماء الدنيا.. يقول الله في القرآن: ﴿ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ﴾.. سوى الشيء بمعني حسّنه وعمل عليه تعديلًا ما.. يعني أنها كانت سماء عادية فجعلها الله سبعة مستويات.. وتسوية السماء سبعًا قد فصلت في موضع آخر في القرآن عندما قال “فقضاهن سبع سماوات”.. وقضى بمعني حكم.. يعني أصدر حكمًا بتمييزها إلى سبعة مستويات.. فسواهن بمعني قضاهن أي حكم بتمييزهن سبعة مستويات بعد أن كن سماء واحدة.
ثم عمل “المبارك” حركة بيده تشير إلى شيء يعلو على شيء وقال:
ثم قال الله عن السماوات أنها “سبع سماوات طباقا” يعني بعضها فوق بعض.. والسماء كما اتفقنا هي كل ما ارتفع فوقك وأظلك وعلاك.. والسماوات هي عدة طبقات مرتفعة فوقك وتظلك.. يعني إذا كنت في مبنى.. وفوقك سبعة أدوار.. الدور الأول الذي فوق رأسك هو سماء.. وكل دور فوق الدور الأول هو سماء أيضًا.. وسقف المبنى هو سماء.. فكلها إذًا سماوات.. وبعضها فوق بعض.
نظر “المبارك” إلى السماء وقال:
_155_
ثم قال الله للعربي: ﴿ خلق السماوات بغير عمد ترونها ﴾.. ترونها يعني أنتم قادرون على رؤية السماوات السبع بأعينكم.. وقال أيضًا: ﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾.. يعني هم قادرون أن ينظروا ما الذي يوجد في في السماوات السبع لو أرادوا.. وقال في موضع آخر: “وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون”.. بمعني أنهم قد مر عليهم بعض من عجائب السماوات لكنهم لم يؤمنوا.. وحتى يؤكد أكثر قال: ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجًا ﴾.. لم يقل جعل القمر لهن نورا بل قال جعل القمر فيهن نورًا.. يعني جعل القمر نورًا في السماوات السبع.. إذًا عندما تنظر إلى القبة السماوية فأنت تنظر إلى السماوات السبع.. وسترى القمر نورًا فيهن.. إذًا فهم العربي أن هذه القبة التي ينظر إليها فوق رأسه هي في الحقيقة سبع سماوات.. لكن كيف يميز بين بعضها وبعض؟ هو عرف أن أول سماء منها هي السماء الدنيا وفيها الشهب والكواكب الخمسة وربما السبعة.. لكن ماذا عن الست سماوات الباقية؟ كيف يمكن أن يفرق بينها؟
أشار “المبارك” إلى الأعلى وهو يكمل:
الله لم يقل في قرآن أو حديث أي كلمة عن محتويات أي سماء من السماوات الست التي فوق السماء الدنيا.. أما عن التمييز بينها جميعًا فقد قال الله في القرآن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾.. يعني انظر إلى السبع سماوات الطباق التي فوقك.. لن ترى فيهن تفاوتًا.. يعني لن ترى بينهن اختلفا أو تباينًا.. لن تستطيع أن تميز بينهن بنظرك البشري القاصر.. مهما حاولت تدقيق النظر وإعادته أكثر من مرة.. لن ترى أي صدوع أو شقوق أو حدود تبدو وكأنها فوارق بين سماء وسماء.. فالنجوم والكواكب والشهب كلها متناثرة هنا وهناك لا يستطيع بصرنا رؤية من منهم فوق الآخر ومن تحت ا لآخر.. كل ما نعرفه هو أن الشهب والكواكب في السماء الدنيا.. ماذا بقي؟ لم يبق إلا النجوم في بروجها.. إذا لا بد أن الست سماوات الباقية كلها فيها بروج.
قال “المبارك” مفكرًا:
لكن هل نستطيع أن نصعد إلى السماوات أو حتى إلى السماء الدنيا؟ قال الله : ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ ﴾..
_156_
أشار “المبارك” فتهيأ رجل صغير الحجم في وسط القاعة ثم طار ناحية السماء.. وظل يطير حتى وصل إلى الأفق.. ثم فجأة عاد وهو في غاية الرعب.. ثم اختفى الرجل.. بدا الكل مندهشا غير فاهم.. قال “المبارك”:
أيها الإنس وأيها الجن.. إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات يعني إن استطعتم أن تخترقوا أي واحدة من السماوات السبع وتنفذوا منها فانفذوا.. وإن استطعتم أن تخرجوا من الأرض وتنفذوا خارجها فانفذوا.. لن تستطيعوا أن تنفذوا من هذه أو من تلك إلا بسلطان.. والسلطان هو القوة أو القدرة المعينة أو النفوذ المعين.. ولو نفذتم بدون هذا السلطان.. سيرسل عليكما شيء عجيب وصفه بكلمتين.. “شواظ من نار” و”نحاس”.. الشواظ من نار يعني اللهب.. فقط اللهب بدون النار اسمه شواظ.. والنحاس هو الدخان الذي بلا نار.. يعني سيرسل عليكما لهب ودخان بلا نار.. شيء عجيب لم يفهمه العربي.. لكنه شيء خطر.. وهو يظهر له لو حاول الخروج من أي واحدة من السماوات السبع.. ولو حاول الخروج من الأرض.. وسيحتاج إلى سلطان ليحميه منه.
قال المبارك:
نقطة أخيرة عن السماوات من القرآن.. قال الله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾.. يقول أنه بث الدواب في السماوات وفي الأرض.. والدابة عند العرب هي كل ما يمشي على الأرض من حيوان أو إنسان أو طير وكل ما يسبح في الماء من دواب البحر من سمك وغيره.. يعني ليست الأرض فقط فيها دواب.. بل إن السماوات أيضا فيها دواب…. قد تظن أن دواب السماء هي الملائكة لكن الملائكة ليست من الدواب يقول الله : ﴿ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ ﴾.. فهناك دواب في السماوات والأرض وهناك ملائكة.. والدواب ليست حيوانات فقط بل إن الإنسان نفسه دابة.. يقول الله : ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾.. إذًا هو يقول للعرب أن هذه السماوات والأرض التي ترونها فوقكم يعيش فيها دواب أمثالكم وأمثال الدواب التي تمشي على أرضكم.. لا تظنوا أنها فارغة أو أنها مجرد زينة.. ولهذا يقول الله عن نفسه “رب العالمين”.. أي رب العوالم الكثيرة.. ليس عالمكم فقط.. بل إنه رب عوالم كثيرة. هكذا صار العربي ينظر للسماء بشكل مختلف..
_157_
فبدلا من النظرة العادية الجامدة إليها كزينة.. الآن صار ينظر لها وهو يعرف أن هناك من يعيش في هذه النجوم البعيدة والبروج.
ختم “المبارك” هذه النقطة فقال:
الرجل العربي القديم الذي قرأ القرآن.. كان يعرف أن كل هذه القبة السماوية التي فوقه اسمها سماء.. وأن هذه السماء مقسمة سبعة مستويات.. وأنه غير قادر على التمييز بينهم ببصره.. لكنه يعلم أن أول واحدة هي السماء الدنيا القريبة منه.. وهي مليئة بالشهب وفيها خمسة كواكب وربما سبعة.. ثم هناك بعدها ست سماوات.. هذه الست سماوات فيها البروج بنجومها التي يراها لامعة فوقه.. وهو يعرف أن هذه السماء بمستوياتها السبعة كلها ذات حبك.. كأنها ذات طرق متشابكة أو شيء من هذا القبيل.. ويعرف أن السبع سماوات يعيش فيها كائنات عاقلة ودواب.. وأنه لو حاول الخروج من الأرض أو من أي سماء منهن سيصيبه دخان بلا نار فيه نار بلا لهب.. هكذا كانت نظرته إلى الكون بعد القرآن.
ثم قال “المبارك”:
انتهينا من السماوات.. بقيت الأرض.. يقول ربي في القرآن: “وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكُل .. يعني هذه الأرض التي تمشي عليها فيها قطع متجاورات.. هذه القطع المتجاورة فيها جنات ونخيل وأعناب.. لكن ليس بعضها مثل بعض في الثمار.. فبعضها خصب كثير الثمار والأشجار وبعضها غير ذلك.. لم يكن العربي المسلم قد خرج من المدينة المنورة ساعتها إلى أي مكان.. ومحمد يقول له أن في الأرض قطع متجاورات يختلف بعضها عن بعض في الطبيعة والخصوبة وفي نوع وكثرة الثمار.
ظهرت على أرض القاعة.. قطع كبيرة من الأرض متجاورة فيما يشبه الخريطة.. بعضها مليء بالزروع وبعضها صحراء.. لكنها قطع كثيرة.. قال المبارك:
ثم جاء في القرآن: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾.. يعني مثلهن في العدد.. فكما خلق الله من السماء سبع سماوات، خلق الله من الأرض سبع أراضٍ .. بتفصيل أكثر للفظ.. الله خلق )من( الأرض سبع أراض .. يعني كل السبع أراضي خلقهم الله )من( هذه الأرض.. فكما كانت السماء سما ء واحدة.. وسواها الله إلى سبع سماوات.. أيضًا كانت الأرض واحدة.. وخلق الله منها سبع
_158_
أراضٍ .. لكن أين هي السبع أراضي؟ نحن لا نرى إلا أرضا واحدة.. لا بد أنها أراض بعيدة عنا ولم نرها.. لكن مهل.. ألم يقل الله أن الأرض فيها قطع متجاورات بعضها يختلف عن بعض في الغنى والزرع؟ هذه أرا ض بعيدة لم نرها أيضا. إذًا فالسبع أراضي هي هذه القطع المتجاورة نفسها.
تغير منظر القطع المتجاورة الكثيرة وصارت سبع قطع متجاورة كبيرة.. ثم قال “المبارك” بلهجة من يقول شيئا أخيرا: في النهاية يقول الله في القرآن: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْل ﴾.. يكور الشيء يعني يجعله كرة.. مثلما يكور العربي عمامته.. يعني يمسكها ويلفها على رأسه.. يقول له الله أنه يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل.. وهذا يحدث في تكوير العمامة حين يمسك بطرفيها ويلف بعضهما على بعض.. فهو يكور هذا على ذاك.. ويكور ذاك على هذا.. لذلك كان أول من انتبه أن الأرض كرة هم المسلمون .. بعد الاعتقاد السائد أنها مسطحة دائرية كأنها قرص.. فأصبح شكل الكرة هو فكرة العرب المسلمين الأوائل عن الأرض بعد القرآن.
تحولت الأرض المسطحة التي تحمل القطع المتجاورة السبع إلى كرة تحمل سبع قطع متجاورة.. ثم قال “المبارك”:
أرض على شكل كرة.. فوقها سماء دنيا فيها شهب وكواكب فوقها ست سماوات فيها بروج.. كيف خلق الله كل هذا؟ كيف بدأ؟ ما هي الحكاية من أولها؟
نظر “المبارك” إلى السماء والأرض ثم أشار إلى الأرض وقال:
قال الله: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾.. وانتبهوا هنا لأن ألفاظ القرآن دقيقة جدًا.. يقول أنه خلق لنا ما في الأرض من جبال وبحار ونبات وحيوانات وطيور.. لاحظ.. خلق “ما في الأرض”.. ليس “خلق الأرض” نفسها.. يعني الأرض كانت موجودة.. إنما هو الآن يتحدث عن أنه خلق “ما فيها”.. ثم يقول أن قصده قد تحول إلى السماء فسواها سبع سماوات.. ولاحظ هنا أيضًا.. السماء كانت موجودة.. إنما هو الآن يتحدث عن أنه سواها.. فالسماء والأرض كانتا مخلوقتين.. إنما هو هنا يقول أنه خلق “ما في” الأرض.. ثم سوى السماء سبعة مستويات.. وطالما هو خلق ما في الأرض ثم تحول إلى السماء.. فالسماء كانت موجودة بينما هو يخلق ما في الأرض.. يعني السماء مخلوقة قبل الأرض.. فالترتيب يكون .. خلق السماء.. خلق الأرض.. خلق ما في الأرض.. قسم السماء سبعة مستويات.
_159_
قال “المبارك”: ثم فصل أكثر فقال: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾.. الآن عرف العربي أن السماء والأرض خلقتا في ست مراحل متتالية.. أربع مراحل للسماء ثم مرحلتان للأرض.. بالنسبة للسماء فهو بناها.. كيف بناها؟ بمراحل أربع.. “رفع سمكها” ثم “سواها” ثم “أغطش ليلها” ثم “أخرج ضحاها”.. ثم بالنسبة للأرض فهو دحاها.. يعني بسطها ويسرها للمعيشة.. كيف دحاها؟ في مرحلتين: “أخرج منها ماءها ومرعاها” ثم “الجبال أرساها”.
أكمل “المبارك”:
أول شيء بدأ بالسماء.. فرفع سمكها.. والسمك هو الارتفاع والعلو.. يعني رفع ارتفاعها.. وهو مثل أن يكون لديك شيء مرتفع عال فترفعه أكثر وأكثر.. مثل أن يكون لديك مبنى مرتفع فتزيد في حجمه أكثر وأكثر.. ثم سواها.. وتسوية الشيء يعني تحسينه وتعديله.. لا يوجد تفصيل أكثر.. ثم أغطش ليلها.. أغطش يعني أظلم ليلها.. يعني زاد في إظلام ليلها أكثر وأكثر.. ثم أخرج ضحاها يعني أنه بعد أن أظلم ليلها أكثر وأكثر حتى صار شديد الإظلام أخرج ضحاها.. يعني أخرج نورها من ليلها.. هكذا انتهى من السماء.. ثم تحول إلى الأرض فدحاها.. أخرج منها الماء والمرعى الذي هو الزرع.. ثم أرسى الجبال فيها.. فجعلها جاهزة لكم ولأنعامكم يعني حيواناتكم.. هذه ست مراحل.. ثم لو أضفنا بعد هذه الست.. المرحلتين اللتين أخبر بهما في الآيات الأولى.. خلق ما في الأرض كله من مخلوقات.. ثم قسم السماء سبعة مستويات.. فسيصبح لدينا الآن ثماني مراحل.. رفع سمك السماء ثم تسويتها ثم إظلام ليلها ثم إخراج نورها من ليلها ثم أخرج الماء من الأرض والمرعى ثم أرسى فيها الجبال ثم خلق ما في الأرض من مخلوقات ثم سوى السماء سبع سماوات.. هكذا كان العربي يرى مراحل خلق السماء والأرض الكاملة بعد القرآن.. ثم بعد هذا طبقًا للقرآن أيضًا.. كان خلق الملائكة ثم خلق الجن ثم خلق الإنسان.
ثم قال “المبارك”:
ثم أضاف مرحلة أخيرة.. ليست أخيرة في الواقع بل هي مرحلة أولية.. يبدو أنها حدثت أثناء بناء السماء.. يقول الله في القرآن: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾.. “أولم ير” عندما تأتي في القرآن تكون
_160_
بمعني أولم يعلم.. مثل: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.. يعني: ألم تعلم ما حدث لأصحاب الفيل؟ هنا يقول أولم يعلم الذين كفروا.. أن السماوات والأرض كانتا رتقًا.. والرتق هو الشيء المسدود الأصم الذي ليس فيه فتحات.. يعني كانتا مجموعتين بعضهما إلى بعض مخيطتين ملتئمتين بعضهما في بعض في كيان واحد.. مرتوقتين بعضهما إلى بعض في “رتق” واحد.. أي أنهما كانا كيانًا واحدًا مصمتًا.. ثم يقول .. فنزعنا بعضهما من بعض وفرجناهما.. إذًا فالعربي الآن أصبح يعلم أن السماوات بكل ما فيهن من كواكب وبروج نجوم وشمس وقمر كل هذا كان مع الأرض في كيان واحد ثم انفرج هذا الكيان.. وبعده بدأت مراحل خلق السماء ثم الأرض.
ثم قال “المبارك” بلهجة من يختم شيئا طويلًا:
معذرة على الإطالة وهي ليست من عادتي.. شرح المصطلحات يبدو صعبًا علينا نحن.. لكن العربي كان يفهم هذه المصطلحات مباشرة لأنها لغته.. كل هذا الشرح فعلته دون أن أنظر للموضوع حسب نظرتنا الحديثة أو أحاول التوفيق بينها وبين القرآن.. هذا الشرح هو فقط للمفردات العربية كما كان يفهمها عرب القبائل الذين نزل فيهم القرآن.. وحتى أعتذر لكم عن هذه الإطالة دعوني أعوضكم عنها بشيء مثير.
رفع “المبارك” يده إلى الأعلى بحركة مميزة.. فبدا وكأننا نتحرك إلى أعلى.. واختفت جدران القاعة فجأة.. وصرنا نصعد إلى السماء:
دعونا نقترب الآن من السماء لنرى التصور الحديث للكون .. ونرى هل يتفق مع نظرة العربي المسلم القديم.. دعونا نصعد ببطء.
بينما كنا نصعد بدأنا نرى أرض السافلين من أعلى.. ورأينا العالمين اللذين مررنا بهما ولمحات من العوالم الأخرى .. صعدنا أكثر وصغرت أرض السافلين أكثر حتى لم تعد ظاهرة وبدأت معالم الكرة الأرضية العادية في الظهور.. بقاراتها السبع قال المبارك:
كما ترون.. عندما صعدنا لننظر إلى الأرض من علٍ وجدنا أنها في الحقيقة سبع أراض .. على هيئة قطع متجاورة.. نحن نسميها اليوم قارات.. آسيا.. أفريقيا.. أوروبا.. أمريكا الشمالية.. أمريكا الجنوبية.. أستراليا.. أنتارتيكا.. سبع قطع متجاورات.
ظللنا نصعد حتى وصلنا إلى السحب.. قال “المبارك”:
_161_
انتبهوا لأن الأكسجين سيضيق كلما صعدنا.. العربي سمع هذا في القرآن.. لكنه لم يجربه طبعا.
عمل “المبارك” حركة بيده فصرنا داخل ما يشبه الفقاعة الزجاجية الشفافة ونحن نصعد:
هكذا صرنا بأمان.. لنصعد أكثر.. أصبح الجو رائقًا هنا بل سحب كما نرى .. هذه طبقة الستراتوسفير من الغلاف الجوي .. الآن لنصعد أكثر.. وانظروا جيدا.
رأينا كلنا ما يشبه الوابل من الشهب.. يضرب السماء هنا وهناك.. قال “المبارك”:
هنا طبقة الميزوسفير.. قطع الغبار التي تسقط من الفضاء على الأرض تحرقها طبقة الميزوسفير هذه فتصير شهبا حارقة.. وعددها كبير جدا.. لدينا حوالي عشرون ألف شهاب يضربون الأرض كل يوم من أيام السنة وهناك أيام معينة يتضاعف فيها هذا العدد.. من أين تأتي الشهب؟ تأتي من خارج الأرض.. من الفضاء.. تحديدا من الغبار والقطع المتناثرة في أرجاء المجموعة الشمسية كلها.. هذه هي الرجوم التي تحدث عنها القرآن.. وفي الحقيقة إن كثرتها فوقنا كما نرى تمنع أي جسد كان أن يحاول اختراق الأرض إلى الفضاء.. سواء كان شيطانا أو إنسانا أو أي شيء.. وإنما خص القرآن الشياطين بها لأنه يعلم أنه لا يوجد من مخلوقاته من يستطيع أن يخترق الأرض بجسده هكذا إلى الفضاء سوى الشياطين.. وعندما يفعلون هذا ستتبعهم وترصدهم شهب حارقة ثاقبة.
استرسلنا في الصعود.. كانت الشهب حقا حولنا في كل مكان.. وكانت تصطدم بزجاج الفقاعة بشكل مخيف.. بعضها حجمه صغير كحبة البازلاء الحارقة.. وبعضها كبير كحجم قبضة اليد.. وبعضها كحجم كرة القدم.. ينطلقون هنا وهناك حولنا وفوقنا وناحيتنا بشكل مخيف.. ثم بدا لنا كأن طبقات الغلاف الجوي قد بدأت تنتهي وبدأنا نخرج خارج الأرض.. وهنا رأينا شيئا عجيبا جدا.. كان هناك ما يشبه الغلاف من السحب حول كوكب الأرض.. لكنها ليست سحبا عادية كالتي نراها في جو الأرض.. بل سحب مخيفة.. كأنها متسخة.. والأكثر رعبا هو أن فيها صواعق رعدية تنطلق في أرجائها هنا وهناك كل حين.. توقفت الكرة الزجاجية التي نصعد بها قليل وقال “المبارك”:
دعوني أقدم لكم.. البلازما الغبارية.. Dusty Plasma .. وهي شكل من أشكال البلازما يكون مركزا في الفضاء على هيئة سحب.. ما هي البلزما أصلًا؟ هي الشيء الذي يشكل 99.9 % من الفضاء الخارجي.. كل الوسط البين كوكبي والبين نجمي
_162_
والبين مجري اسمه بلازما.. وتكون لها عدة أشكال.. واحدة منها اسمها البلازما الغبارية.. وهي هذه السحب المخيفة.. والتي تتركز كحلقات حول كل كوكب من كواكب الكون واسمها Circumsolar Ring .. أو كسحب كبيرة بين الكواكب اسمها Interplanetary Clouds .. أو كسحب ضخمة هائلة بين نجوم المجرة الواحدة واسمها Molecular Clouds كل هذه السحب تسمى سدم أو Nebula .. وهي منتشرة وموزعة في الفضاء في كل مكان.
نظرنا إلى السحابة المخيفة المحيطة بالكوكب و”المبارك” يقول :
مشكلتها أنها مليئة بالصواعق.. كأنها سحابة مكهربة.. لو دخلنا فيها بأجسادنا طبعا ستكون نهايتنا.. يجب أن نكون محفوظين في زجاجة سحرية كهذه أو نكون في مركبة فضائية محفوظة.. لمَّا كان الله يقول في القرآن أن من يحاول أن ينفذ من الأرض أو من السماء سيجد شيئًا عجيبًا عبارة عن دخان بلا نار فيه لهب بلا دخان.. كان يتحدث عن هذه التي أمامنا.. دخان بلا نار هو هذه السحب الكبيرة.. ولهب بلا نار هو هذه الصواعق.. وهذه هي حقيقتها.. لهب يحرق بلا نار.. وهذه التشكيلات ليست موجودة حول الأرض فقط بل هي موزعة في أرجاء السماوات كلها.
ثم دخلنا فجأةً في وسط السحابة المحيطة بالأرض فضربتنا الصواعق من كل مكان حتى خفنا على أنفسنا.. لولا زجاج الفقاعة المتين الذي لم يهتز.. كان منظرا مرعبا بحق.. أكملنا طريقنا بأمان.. حتى خرجنا من السحابة.. لقد قال القرآن.. لا تنفذون إلا بسلطان.. وحقا لم ننفذ إلا بسلطان.. لم ننفذ إلا بمركبة كهذه.. أكملنا طريقنا ابتعادا.. رأينا كثيرا من هذه السحب منتشرة هنا وهناك.. رأينا القمر ورأينا الكواكب المحيطة.. وكلما ابتعدنا أكثر وجدنا كوكبًا.. حتى عددنا خمسة كواكب.. عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.. قال “المبارك”:
هذه الخمسة كواكب التي كانت تلمع في السماء.. والتي قال الله عنها أنها موجودة في السماء الدنيا.. وتنبهوا عندما نصعد أكثر لأننا سنجد كوكبين آخرين.. أورانوس ونبتون .. وهما اللذان أخبر القرآن عن وجودهما لما قال أن فوقكم سبع طرائق.. سبعة كواكب سيّارة.. بالنسبة للكوكب الثامن بلوتو فقد أسقطه العلماء من اعتباره كوكبا مع تطور ملاحظتهم للفضاء لمًّا وجدوا أنه ليس كوكبا وإنما مجرد جرم من أجرام حزام Kupier الذي يحيط بالمجموعة الشمسية كلها ويحد لها حدودًا.
_163_
كنا متجهين خارج المجموعة الشمسية و”المبارك” يقول :
المجموعة الشمسية هي السماء الدنيا التي فيها الكواكب.. والتي تأتينا منها القطع الغبارية التي تتحول إلى شهب تضرب الأرض.. حتى الآن النظرة القرآنية دقيقة.. المفترض أننا الآن سننفذ من السماء الدنيا إلى السماوات التي تليها.
خرجنا من حزام Kupier ..وفجأة وجدنا سحابة كبيرة جدًا ضخمة تحيط بالمجموعة الشمسية كلها.. سحابة مكهربة أيضا مثل كل السدم المكهربة المتوزعة هنا وهناك.. لكن هذه كانت مكهربة وكبيرة ومحيطة بكل المجموعة الشمسية.
قال “المبارك”:
ها نحن نريد أن ننفذ من السماء الدنيا إلى السماء التي بعدها.. وها نحن نواجه ذلك الشواظ من نار ونحاس مرة أخرى .. أو السحب المكهربة.. هذه السحابة المحيطة بالمجموعة الشمسية اسمها Orot Cloud .
دخلنا في السحابة واحتملنا كثيرًا من الصواعق هنا وهناك على زجاج الفقاعة حتى خرجنا من السحابة والمجموعة الشمسية كلها.. الآن زادت الفقاعة سرعتها..
قال المبارك وهو يشير بيده:
انظروا حولكم إلى النجوم.. كل هذه نجوم مثل الشمس.. بعضها يمسك حوله كواكب وبعضها لا.. نحن الآن في منطقة تدعى Sun Neighborhood يعني حي الشمس.. الحي من المجرة الذي فيه الشمس.. وهو مليء بالنجوم كما ترون.. وأغلبها نجوم مرئية من الأرض.. أبرزها نجم الشعرى اليمانية هناك ونجم الشعرى الشامية هنا ونجم إبسيلون .. وكل هذه النجوم التي حولنا محددة أيضا بسحابة كبيرة تضمها كلها.. اسمها Local Interstellar Cloud .. وهي مثل سحب الفضاء.. سحابة كهربائية.. حي الشمس الذي تحيط به هذه السحابة هو السماء الثانية.. وإنا خارجون منها الآن إلى التي تليها.
قال “المبارك”:
الآن تنبهوا فسننطلق بسرعات عالية حتى نرى التكوينات الكبيرة في الكون .. سترون الآن بينما نصعد ملامح مجرتنا العزيزة درب التبانة.. والتي هي على شكل حلزون.. درب التبانة يمكن أن تراها وأنت على الأرض على هيئة قوس ضخم ضبابي من النجوم.. منظرها جميل جدا من الأرض بالمناسبة.. وها نحن وسط نجومها.. إن فيها حوالي 400 بليون نجم.. شيء لا يصدق.. وها نحن بسرعتنا هذه
_164_
نخرج منها.. إن درب التبانة هي السماء الثالثة.. وهي واضحة يمكن رؤيتها من الأرض.
بدأنا نرى الكثير من المجرات مختلفة الأشكال والألوان هنا وهناك متناثرة وسط الفضاء الأسود في مشهد يسكر الأبصار.. الآن يفترض أننا في السماء الرابعة.. قال “المبارك”:
هذه المجرات التي حولنا هي مجموعة مجرات اسمها Local Group .. وهي مجموعة فيها مجرات شهيرة ومن ضمنها مجرتنا.. انظروا إلى اليمين هناك.. هل ترون هذه المجرة التي تبدو مثل القرص؟ هذه مجرة أندروميدا.. وتلك الدائرية هناك هي مجرة المثلث Triangulum .. لماذا اسمها مثلث؟ لأنها ضمن برج المثلث Triangulum .. نعم فتلك الأبراج التي كنا نراها على الأرض لا تحتوي على نجوم فقط.. بل إن فيها مجرات.. وهي تبدو لنا نقاطا مضيئة وسط البرج فنظنها نجمات.. إن الـ Local Group هذه هي السماء الرابعة وفيها 54 مجرة.. وكثير من محتوياتها ظاهرة لنا من الأرض.. أشهر هذه المحتويات هما مجرة أندروميدا ومجرة المثلث اللتان يمكن أن نراهما في ليلة ليلاء لا قمر لها.
نظرنا إلى كل هذا بانبهار وبدأنا نبتعد أكثر ونصعد أكثر بسرعة حتى أصبحنا في فضاء واسع ونرى حولنا عدة مجموعات من المجرات متباعدة هنا وهناك.. قال “المبارك”:
مرحبا بكم في السماء الخامسة.. إن فيها عدة مجموعات من المجرات.. هذه المجموعات مجتمع بعضها مع بعض في عنقود عظيم جدًا.. اسمه عنقود فيرجو Virgo Supercluster .. يمكن رؤية محتوياته من الأرض أيضا مثل مجرة بودي الحلزونية التي تتبع مجموعة M81 .. ومجرة قنطورس التي تتبع مجموعة قنطورس وغيرها.. عنقود فيرجو هو السماء الخامسة.. وفيه مائة مجموعة من المجرات.. فيها حوالي ألفا مجرة.
ابتعدنا أكثر من هذا.. فإذا مجموعات من العناقيد متناثرة هنا وهناك.. إن هذه العناقيد تبدو مثل مدن فضائية كبيرة فيها كثير من الأنوار التي تضيء في الظلام.. مثل أن تنظر إلى مدينة من شباك الطائرة في الليل.. كل ما تراه هو أنوار.. هذه أيضا أنوار لكنها متجمعة في شكل عناقيد.. قال “المبارك”:
نحن في السماء السادسة.. سماء العناقيد أو الـ Superclusters .. نحن بعيدون جدا عن الأرض الآن.. كل شيء حولك عبارة عن عناقيد.. مختلفة الأشكال بلا ترتيب معين.. والآن دعونا نزيد السرعة لنصل إلى السماء الأخيرة.
_165_
صعدنا فوق العناقيد وظللنا نصعد ونصعد حتى بدأت العناقيد تكون بعيدة.. وتبين لنا أن هذه العناقيد كلها متجمع بعضها مع بعض في أشكال أخرى .. خيوط كبيرة ضخمة وسط الفضاء الأسود.. كانت تصغر كلما ابتعدنا عنها.. قال المبارك:
والآن إنها السماء السابعة.. كما ترون.. كل شيء هنا أصبح عبارة عن خيوط.. متشابكة.. متشعبة.. في كل خيط منها عناقيد.. وفي كل عنقود مجموعات.. وفي كل مجموعة مجرات.. وفي كل مجرة نجوم.. وحول كل نجم كواكب.. وحول كل كوكب أقمار.. هذه الخيوط هي الكون .. يسميها العلماء Galaxy Filaments .. والقرآن قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴾ .. انظروا حولكم في كل مكان ونحن في السماء السابعة.. كل شيء عبارة عن مجموعة كبيرة من الحبك.. مجموعة كبيرة من الـ Galaxy Filaments .
قال “المبارك”:
هل نستطيع أن نرى محتويات السماء السادسة والسابعة من الأرض؟ العناقيد والخيوط.. لا يمكننا هذا.. إذا كيف قال الله أنه يمكنكم أن تروا كل ما في السماوات ؟ لأنه بين الحين والآخر تأتينا مشاهد من السماء السادسة أو السابعة.. مشاهد مثيرة جدا يمكننا أن نشاهدها.. المثير في هذه المشاهد أنها انفجارات.. تأتينا من أبعد سماءين.. ويمكننا أن نرى هذه الانفجارات ونحن على الأرض.. نراها على هيئة نقطة مضيئة.. تظل مضيئة بضع دقائق.. أو ربما ساعة كاملة.. ثم تنطفئ.. هذه الانفجارات اسمها انفجارات أشعة جاما.. هذا مثل الانفجار الشهير الذي سموه 080319B والذي استمر 30 ثانية والذي جاءنا من مسافة 7.5 بليون سنة ضوئية.. وهذا أبعد من عنقود فيرجو وأبعد من كل العناقيد المعروفة.. أبعد من السماء الخامسة والسادسة.. هذا انفجار أتانا من السماء السابعة.
ثم رفع المبارك يده وخفضها فاختفى الكون كله.. لم يعد هناك شيء.. ثم نظر إلينا وقال:
الآن سنرى نشأة الكون .. سنرى كيف خلقت هذه السماء.. في البدء كانت نقطة.. هذه هي هناك ترونها وسط اللشيء.
فجأة كبرت هذه النقطة إلى كرة شفافة كبيرة جد ا مثل المنطاد الضخم.. في لحظات.. قال المبارك:
_166_
كبر الكون فجأة تريليون تريليون تريليون مرة.. بدون مقدمات.. ألم يقل القرآن أن المرحلة الأولى من بناء السماء أنه رفع سمكها.. رفع ارتفاعها.. كبرها أكثر وأكثر.. حتى صارت الآن كبيرة كفاية ليبدأ منها كل شيء.
وفجأة ظهرت في هذه الكرة الشفافة الكبيرة نقاط ملونة كثيرة تتحرك وتتغير ألوانها.. قال “المبارك”:
الآن ظهرت الكواركات.. واجتمع بعضها على بعض لتكون أشياء أعقد هي البروتونات والإلكترونات.. والتي نتج عن تصادمها فوتونات مضيئة.. فصار الكون مليئا بالفوتونات والبروتونات والإلكترونات.. كلها مكدسة في هذه الكرة التي لم تعد شفافة.. بل صارت مضيئة بضوء مكتوم.. لماذا هو مكتوم؟ لأننا لو دخلنا لهذه الكرة الآن سنجد البروتونات والإلكترونات والفوتونات يتضارب بعضها مع بعض.. فتمسك البروتونات والإلكترونات بالفوتونات وتمنعها من الجريان.. والفوتونات هي الضوء.. وحين يكون ممسوكا هكذا يظهر بشكل مكتوم.. فكان الكون كله عبارة عن حساء مضيء بضوء مكتوم.. هذا التحول من الشفافية إلى الكواركات إلى البروتونات والإلكترونات والفوتونات حتى وصلنا إلى هذا الحساء المكتوم المضيء هو قول القرآن.. “سواها”.. وهي المرحلة الثانية من بناء السماء.. ونلاحظ أنه قال رفع سمكها )فسواها(.. حرف العطف هنا هو الفاء.. يعني المرحلة الثانية حدثت فورا بعد الأولى.. وحسب التقدير الحديث فبين انتفاخ الكرة الشفافة وبداية ظهور النقاط الملونة فيها هو زمن يسير جدا قدره تريليون جزء من الثانية.. وبعد ظهور النقاط الملونة استمرت عملية التسوية 10 ثوان تحولت فيها النقاط إلى بروتونات وإلكترونات وفوتونات مضيئة بضوء مكتوم.
تقدم المبارك من الكرة المضيئة بالضوء المكتوم ولمسها وقال:
هذه الكرة مصمتة.. مسدودة.. لأن الفوتونات ممسوكة ومحبوسة داخلها.. لا تقدر على أن تخرج.. البروتونات والإلكترونات تمسك بها.. هذا قول القرآن “رتقا”.. هذه الكرة المصمتة.. العلماء يسمون الكون في مرحلة الكرة المصمتة هذه أنه Opaque Universe يعني مصمت.. مسدود.. لا ترى عينك من خلاله.. هذا هو الرتق. ولكن انظروا معي.
بدأت الكرة تكبر وبدأت الفوتونات تجد حرية أكثر في التحرك حتى نجحت الفوتونات في الهروب من الكرة والخروج خارجا وحين تخرج الفوتونات يختفي ضوؤها لأن الفوتون لا يضيء إلا إذا اصطدم بشيء ما.. في الداخل كان يصطدم بالبروتونات والإلكترونات لكنه الآن خرج إلى الفراغ حيث لا شيء يصطدم به
_167_
فاختفى ضوؤه.. بالنسبة للكرة فقد تحولت من كرة مصمتة مضيئة بضوء مكتوم إلى كرة متخللة بعضها مضيء.. لأن هناك فوتونات هربت وأخرى ما زالت بالداخل.. قال “المبارك”:
الآن صار الكون عبارة عن كرة تتخللها فتحات أو ما يعبرون عنه بكلمة Transparent Universe .. يعني صار يرى من خلاله.. يمكنني لو نظرت من خلال الكرة أن أرى الجهة الأخرى .. هذا هو تعبيره أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما.. لقد فتق الكرة المصمتة فصارت متخللة بالفتحات.
قال له “آدم”:
وهل هذه الكرة المصمتة كان فيها السماوات والأرض؟
قال “المبارك”:
نعم.. فالتفاعل بين الثلاثة مكونات الموجودة في حساء الكرة المصمتة نتج عنه كل شيء في الكون .. حساء البروتونات والإلكترونات والفوتونات هذا نتج عنه حالات المادة الأربع.. فهذه المكونات التي في الحساء حين يتفاعل بعضها مع بعض بطريقة سينتج عنها جسم صلب.. وحين تتفاعل بطريقة ثانية سينتج عنها سائل.. وحين تتفاعل بطريقة ثالثة سينتج غاز.. وحين تتفاعل بطريقة رابعة سينتج بلازما.. البلازما هي 99 % من الكون وهي السماء.. وال 1 % الأخرى موزعة بين صلب وسائل وغاز.. لكن ما الذي حدث للكرة بعد أن تفتقت؟
ظلت الكرة تكبر وتخرج منها فوتونات أكثر حتى خرجت منها كل الفوتونات.. عندها أظلم الكون كله فلم تعد ترى أي ضوء فيه.. حتى أصبحنا لانرى أيدينا.. قال “المبارك”:
هربت الفوتونات كلها من الكرة.. وانتشرت في الفضاء حرة.. ولم تجد شيئا تصطدم به.. فأظلم الكون كله.. وهنا لمَ قال القرآن.. أغطش ليلها.. فلمَّا كانت Opaque كانت مضيئة.. ولما أصبحت Transparent صارت أكثر إظلامًا.. ثم الآن صارت مظلمة تماما.. هذا التدرج هو كلمة أغطش ليلها.. يعني زاد في ظلمة ليلها حتى أظلمه تمامًا.. هذه المرحلة المظلمة من الكون يسميها العلماء Dark Ages واستمرت فترة طويلة جدًا.
وفجأة برزت أضواء في الكون هنا وهناك.. كأننا كنا في مدينة مظلمة ثم فتح الكل أنوارهم تباعا.. قال “المبارك”:
_168_
وهنا المرحلة الأخيرة.. الفوتونات التي هربت من الكرة اجتمعت إلى الإلكترونات وكونت هيدروجين.. ثم اجتمع الهيدروجين إلى الهيدروجين فكونوا خيوطا كبيرة.. داخل كل خيط كرات.. كل كرة هي شمس أولية.. هذه الشموس الأولية هي أول ظهور للضوء في هذا الكون المعتم.. ولقد كانت تضيء في كل مكان تباعا هكذا كما رأينا.. هنا يقول القرآن عن المرحلة الأخيرة.. أخرج ضحاها.. وانظر إلى كلمة أخرج.. يعني كان شيئا مختفيا ثم أخرجه.. هكذا انتهت مراحل خلق السماء كما وصفها الله وكما وصفتها نظرية البيج بانج المعتمدة.. رفع سمكها.. سواها.. الرتق أو الكرة المسدودة.. فتق الكرة.. أغطش ليلها.. أخرج ضحاها.
ختم “المبارك” قائلًا:
بالنسبة لحكاية أن المجرات يتباعد بعضها عن بعض فقد قالها القرآن أيضا لما قال: ﴿ وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾.. يقول الله إنّا بنينا هذه السماء بأيد )بقوة وقدرة(.. وإنا لموسعون .. يعني نحن نزيدها سعة ونوسع أرجاءها.. وموسعون تفيد الاستمرار.. فنحن كنا موسعون في السابق ونحن موسعون الآن.. وسنستمر موسعون .
والآن بدأت الفقاعة الزجاجية تهبط بسرعة شديدة.. ومررنا في أثناء هبوطها بكل السماوات السبع نزولا حتى المجموعة الشمسية ثم دخلنا في جو الأرض ثم ظهرت القارات.
قال “المبارك” وهو ينظر إلى الأرض الجميلة:
بعد أن بنى السماء بكل مجراتها ونجومها.. خلق كوكب الأرض.. وبعد أن خلقها يقول أنه دحاها.. ودحاها يعني أخرج منها ماءها ومرعاها ثم أرسى الجبال فيها.. بالنسبة للماء فالفرضية الأكثر قبولا اليوم هي أن الماء الذي على الأرض قد خرج من الأرض نفسها.. ثم ظهرت النباتات الأولى.. ثم الجبال.. وقد ثبت علميا أن الجبال كانت مرحلة متأخرة بعد خروج الماء والنبات.
نزلنا إلى أرض السافلين إلى القاعة التي كنا فيها.. واختفت الفقاعة الزجاجية.
ختم “المبارك” قائلًا:
إذا الدين يتفق مع العلم بأن الكون له بداية ويتفق معه في طريقة هذه البداية.. لكن هناك مشكلة بسيطة توقف أمامها العلم الحالي.. كيف بدأ البيج بانج؟ لا أحد يدري .. لو قال أحدهم أن النقطة الصغيرة البادئة لكل شيء أتت من العدم.. لأصبح هذا ضد قواعد العلم نفسه.. فل يوجد شيء ينتج من لا
_169_
شيء.. الدين يحل هذه المعضلة.. فيقول أن الله هو الذي خلق هذه النقطة الصغيرة وهيأ عوامل انفجارها.. لكن هل خلقها من العدم ؟ لا لم يخلقها من العدم بل لم يكن قبلها عدم أصلًا.. كانت قبلها مخلوقات أخرى.
وهنا أضاء كرسي بأنوار كثيرة متعاقبة.. وقام عنه رجل ذو شكل ملفت جدًا.. لم يكن يجلس مع الجالسين.. بل كان واقفا مقابل “المبارك”.. كان رجلًا يرتدي السواد الفاحم.. لكن لم يكن هذا هو الملفت.. الملفت هو أن هذا الرجل كان يرتدي قناع الأناركية الأبيض الساخر المميز.. بدأ الرجل يتكلم ويقول :
معذرة ولكن هذه طريقة الدينيين الأزلية دائما وهي تستفزني.. أنت تقول أيها “المبارك” أن العلم لم يعرف بعد ما الذي سبب البيج بانج.. وبالتالي تقول أن الله هو الذي خلقه.. أنتم تسدون الثغرات بإلهكم.. في كل منطقة لم يتوصل لها العلم في عصر من العصور.. تقولون هي هكذا لأن الله جعلها هكذا.. فلو اكتشف العلم سبب الانفجار ثم وقف عاجزا عن تفسير المرحلة التي قبله ستقولون .. لأن الله خلقها هكذا.. ستظلون هكذا أبد الدهر.. ولو صدقناكم ما تعلمنا شيئا ولا كان العلم قد اكتشف سبب أي شيء.
سكت “المبارك” برهة ثم قال له:
هذه يا سيدي مشكلة قديمة بين الدينيين والملحدين مع أنها ليست مشكلة أصلًا.. الملحدون يقولون أن المتدينين يجعلون الله في الثغرات التي لم يتوصل العلم لها.. فهو إله الثغرات.. والمتدينون يردون بأن الملحدين هم الذين يجعلون العلم في الثغرات.. فعندما يواجهون شيئا يعجز العلم أمامه تماما يقولون هذا لا علاقة لله به بل هو شيء لم يتوصل العلم لتفسيره بعد.. فهو علم الثغرات.. وإله الثغرات.. الفريقان يملآن الثغرات بما يكافئ عقيدتهم.. هؤلاء يملؤون ثغراتهم بالله وهؤلاء يملؤون ثغراتهم بعلم مستقبلي ربما يصلون له ذات يوم.
ثم أكمل “المبارك” قائلًا:
فلسفيًا لا يوجد تعارض بين الاثنين.. فلسفيًا فقط يمكننا أن نقول .. الله يخلق بالعلم.. الله يحيط بكل شيء علمًا.. الله عليم.. الله عالم الغيب والشهادة.. الإنسان أيضا عنده علم.. لكن علم الإنسان بالنسبة لعلم الله كنقطة في بحر.. إذًا فلسفيًا فقط لو زاد الإنسان من علمه حتى صار علمه كالبحر.. لصار الإنسان إلهًا.. بعبارة أخرى فلسفيا أيضا نقول .. الإنسان لا يعلم ماذا وراء الانفجار العظيم.. لكن الإله يعلم.. ولو زاد الإنسان من علمه قليلًا سيعلم..
_170_
ولو زاد أكثر سيعلم أكثر وسيرى أكثر وأكثر.. حتى يصل افتراضيًا إلى علم الإله.. وهذا طبعا لا يكون فالله يقول: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أي أن الله العليم دائما فوق كل علم يتعلمه أي أحد.. نحن لا نعترض أن علم الإنسان يمكنه أن يتوصل إلى كذا وكذا بل نحن نشجع هذا ونأمر بهذا.. لكن هناك حد لعلم الإنسان وضعه الله.
لقد تحدى الله في القرآن كل الناس فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ .. لو طبقنا هذه الآية مثلًا على من يؤمن بالعلم التجريبي وحده من دون الله.. الله يقول لهم.. يا من تؤمنون بالعلم من دون الله، علمكم مهما تطور عبر الزمن فلن يتمكن من خلق شيء ضعيف مثل الذباب ولو اجتمع علماء العالم له.. فنحن لا نضع الله في الثغرات التي لم يتوصل لها العلم… بل نضع حدودا نقول فيها أنه يمكن للإنسان أن يمشي ما يحل و له حتى يصل إلى هذه الحدود.. لكنه لن يتعداها أبدًا.. حدود هي علم أيضًا.. لكنه علم لا ينبغي إلا لله وحده.. أحد هذه الحدود مثل خلق ذبابة.. هذا الحد وضعه الله منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.. ولا يزال قائما وسيظل إلى يوم الدين.. إن الحقيقة التي نعلمها الآن هي أن الذبابة شيء معقد جدًا وحلم مستحيل تمامًا بالنسبة للعلم.
***
قمت من مكاني وقمت أنت أيضًا ورفعت يدي بما معناه أن هذه الجلسة قد انتهت.. لقد اتفقت الفلسفة مع العلم والدين في أن الكون له بداية.. واتفق العلم مع الإسلام بالضبط في طريقة حدوث هذه البداية.. هكذا تمت إجابة السؤال بنجاح.
تقدم منا حراس آدم باحترام.. ثم انحنوا لنا وصنعوا لنا بينهم طريقا مشينا فيه حتى وصلنا إلى الباب.. لقد استمتعت بهذه المناقشات.. بعضها كان مملًا.. ولكن الهولوجرام أضفى جوًا من الروعة للأمر.
هيا تعال إلى الكرولر.. فلقد أتعب هذا العالم فكري وأحتاج أن أرتاح قليلًا عند سكوربيون .. حملتنا الكرولر خارجا وسط تحيات الحراس وتحيات آدم الذي خرج لنا من الباب.. ثم عاد إلى الداخل بعدما انطلقنا.
مشت بنا الكرولر في أرض السافلين حتى أوصلتنا إلى هارموني.. هنا الراحة يا صديقي.. هنا أريكتي الوثيرة.
_171_

والآن منذ هذه اللحظة أنت الذي ستختار العالم التالي الذي تريد أن نزوره.. منذ هذه اللحظة وحتى النهاية.
حتى تنظر إلى النوافذ وتنتقل بينها يمكنك الآن أن تذهب إلى آخر صفحة في هذا الكتاب فستجد فيها وصف العوالم المتبقية.. اختر منها واحدًا وانطلق بنا إليه.
***
_172_
العالم التالي
_173_
إنه الليل في هذا العالم السافل.. كنا نتحرك على “الكرولر” ببطء ينذر باقتراب شيء ما.. أدرت بيدي بكرة الراديو في لوحة التحكم والذي يشبه راديوهات التسعينات.. صوت الحشرجة المعروفة تتخللها أصوات أناس بعيدين يتحدثون .. وكلما أدرت البكرة أكثر اتضحت أصواتهم أكثر.. سمعنا موسيقى إخبارية مستعجلة جاء بعدها صوت رجل يقول بطريقة رتيبة : “هذا وقد أعلنت حكومة كولومبيا صباح هذا اليوم عن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار أمريكي لمن يمسك بذلك المجرم حيا أو ميتا.. المجرم الذي أحرق كولومبيا وقتل مئات الأبرياء بلا أي ذنب.. “بابلو إسكوبار”.. تاجر المخدرات الأكثر ثراء والأشد قسوة والأعظم نجاحا في التاريخ بأكمله.. الرجل الذي يصَدر وحده نصف الكوكايين الموجود في العالم اليوم.. الرجل الـ….
توقفت “الكرولر” وانفتحت أبوابها وصمت الراديو فجأةً.. كنا ننظر إلى بوابة العالم الثاني.. الأمر لا يبشر بخير.. هناك أدخنة كثيرة تتصاعد في الجو وأصوات سيارات شرطة غاضبة.. وطائرات هليكوبتر تمشط الأجواء بقلق.. انفتحت البوابة.. ودخلت أنا وأنت وسط كل هذا.. هناك الكثير من الهرج والمرج بالداخل.. نحن في كولومبيا في بداية التسعينات.. ذلك المجرم الذي سمعت اسمه في الراديو منذ قليل.. بابلو إسكوبار.. إن العالم كله يبحث عن هذا الرجل اليوم.. وهذه ليست عبارة أدبية.. بل إنني أعنيها حرفيا.. دعني أجعل أجواء هذا العالم تشرح لك بنفسها.
إن المشهد الذي واجهنا أول ما دخلنا كان مشهد مزدحما جدا.. للوهلة الأولى كانت هناك سيارات عسكرية كثيرة ورجال عسكريون كثر مختلفة أزياؤهم.. كلهم مشغولون .. وطائرات تحوم حولنا وحولهم.. ورجال تحقيقات ينحنون على الأرض كل حين يجمعون الأدلة.. هناك رجال عصابات مجرمون تمتلئ أجسادهم بالأوشام يمشون في مجموعات على الناحية الأخرى من الشارع.. لا أدري كيف يجتمع هؤلاء وهؤلاء في مكان واحد.. أولئك شرطة كما يبدو من هيئاتهم وهؤلاء مجرمون كما يبدو من أوشامهم.. والأهالي المذعورون ينظرون من شبابيكهم من وراء ستائرهم إلى هذا المهرجان.. الكل قد اجتمع اليوم في شوارع كولومبيا لأجل هدف واحد.. البحث عن رجل واحد وتصفيته.. “بابلو إسكوبار”.
_174_
دخلنا وسطهم أنا وأنت.. نحن أيضا هنا للبحث عن “بابلو إسكوبار” بالمناسبة.. لماذا نبحث عنه؟ لأننا في عالم المخدرات.. ولا تذكر المخدرات دون أن يذكر “بابلو”.. الماستر كما يسميه أصحابه.
تقدم معي في هذا الزحام.. تلك القوة من الرجال الضخام الأشداء بملابسهم العسكرية وخوذاتهم الواقية وأسلحتهم الكبيرة هناك هم دلتا فورس Delta Force .. أقوى فرقة عسكرية في الجيش الأمريكي.. وهي فرقة مدربة فقط للإمساك بأباطرة الإرهاب في نظر أمريكا.. مثل “بن لادن”.. هذه الفرقة تمشط كولومبيا اليوم فقط للإمساك ببابلو إسكوبار.. والرجال ذوو المعاطف الزرقاء الذين ينحنون على الأرض كل حين ويتحدثون في خطورة لن أحتاج إلى تعريفك بهم لأن اسمهم مكتوب على ظهور معاطفهم.. F.B.I .. مكتب التحقيقات الفيدرالي.. وهم هنا لجمع الأدلة ومكافحة الإرهاب والقبض على بابلو أيضا.
الطائرات الهليكوبتر المزعجة فوق رؤوسنا بداخلها رجال يرتدون ملابس عسكرية مموهة ويحيطون أنفسهم بكميات ضخمة من الأجهزة والأسلاك.. هذه فرقة أمريكية عسكرية متخصصة بالتعقب.. تدعى ال Centra Spike .. وهم يبحثون عن “بابلو” من الجو.. عبر تتبع الإشارات الملتقطة من الهواتف التي يمكن أن يستخدمها.. ويرسمون عبر هذه الإشارات خريطة تقريبية للموقع الذي ربما يكون فيه.. وخريطتهم تتطور تدريجا وتضيق مع كل تعقب ناجح.
بجانب هؤلاء وهؤلاء هناك رجال يرتدون ملابس عسكرية سوداء خطرة المنظر.. فرقة Search Bloc العسكرية الكولومبية.. فقط أنزه وأكفأ وأقوى رجال الشرطة في كولومبيا هم من ينضمون لهذه الفرقة.. يجاورهم رجال بمعاطف زرقاء يشعرون بالخطورة وينحنون على الأرض كل حين أيضا مكتوب على ظهور معاطفهم كلمة DAS .. مكتب التحقيقات العسكري الكولومبي.. وهو مثل الـ FBI ولكن في كولومبيا.. هذا تعاون بين الحكومة الأمريكية بأخطر أجهزتها والحكومة الكولومبية بأخطر أجهزتها إذا.. هل عرفت درجة خطورة الرجل الذي نبحث عنه؟
على الجانب الآخر من الشارع كان هناك رجال ضخام.. يمسكون بأسواط وسكاكين.. تملأ أجسادهم الأوشام الإجرامية.. هؤلاء عصابة Los Pepes المنافسة لبابلو.. وهي عصابة دموية مجنونة هدفها الوصول إلى رأس “بابلو” عبر قتل وسلخ وتعذيب أي شخص كانت له علاقة به من قريب أو من بعيد.. ويظهر ذلك
_175_
من الدماء التي تقطر من أسواطهم وسكاكينهم.. بابلو بالنسبة لهم حوت أكل كل شيء في السوق .. وتصفيته تخلي لهم الجو.
ما جعل الأمر في غاية الجنون هو أن كل هؤلاء يمشطون كولومبيا منذ أكثر من سنة كاملة للبحث عن رجل واحد دون جدوى .. كان الرجل مثل الشبح.. اشتهر أمره عالميا وأصبحت وكالات الأنباء في جميع أنحاء العالم تتحدث عنه.. مما أغرى القتلة المحترفين وصائدي الجوائز من جميع أنحاء العالم بالسفر إلى كولومبيا للإطاحة برأسه الثمين.. لن تستغرب لو وجدت قتلة روسيين أو يابانيين يمشون حولنا.. بعض هؤلاء القتلة المحترفين جاء من أجل العشرة ملايين دولار.. وبعضهم جاء فقط لإطفاء شعلة التحدي التي أشعلها الأمر في روحه القناصة.. فكلما ازداد الهدف صعوبة ازدادت المتعة.. وازداد المجد.. كان هذا باختصار تفسير كل ذلك الزحام الذي رأيناه في المشهد الأول.
اقتربنا من أحد الحوائط.. صورة “بابلو إسكوبار” مع كلام كثير عن أنه المطلوب الأمني رقم واحد في العالم اليوم وعن الجائزة المعروضة على رأسه.. نظرنا أنا وأنت إلى وجهه بفضول حقيقي لنرى الرجل الذي قلب العالم كله هكذا.. بدا وكأن عيوننا قد اندهشت قليلًا.. كان رجل وسيما بملامح هادئة ونظرة ساخرة مميزة.
اقتربت الأجواء بنا من الصورة وتموهت كل الموجودات حولها حتى لم نعد نرى أي شيء تقريبا عدا الصورة.. ثم نظر لنا “بابلو” من داخل الصورة وابتسم ابتسامة بزاوية فمه تحرك معها شاربه المميز.. ودخلت أجواؤنا في أجوائه ببطء.. كان يبدو وكأننا قفزنا إلى داخل الصورة.
***
كان “بابلو” واقفا في غرفة في الطابق الثاني لأحد البيوت.. مبتسما تلك الابتسامة التي ابتسمها لنا في الصورة.. كان بكامل أناقته وبجانبه أخوه “روبيرتو” يحدثه في أمر ما.. كان “روبيرتو” يقول له:
تعرف أنني أحبك “بابلو”.. ما تريد أن تقوم به هو شيء في غاية الجنون .. أتفهم أنك تريد الاحتفال بعيد ميلادك اليوم.. لا مشكلة لدي.. أما أن تأمرني أن أجري اتصالاتي لأحضر لك فرقة موسيقية كاملة لتعزف لك هنا في هذا المكان المطلق السرية فهي خطوة حمقاء.. لأن أول ما سيفعلونه بعد أن يخرجوا من هنا هو أن يبلغوا عنك الشرطة.. إن العالم كله يبحث عنك الآن.
_176_
قال له “بابلو” بهدوء ولا مبالاة:
إن “بابلو إسكوبار” سعيد في هذا اليوم.. وسيحتفل رغما عن أنوف الجميع.
قال أخوه:
لا تحلم أصلا أن هناك فرقة موسيقية ستوافق على أن تأتي إلى هنا أنت لا تدري ما الذي…
قطع حديثه فجأة صوت عزف احترافي يأتي من الطابق السفلي… اتسعت ابتسامة “بابلو” واتسعت عينا “روبيرتو” وهو يقول :
ما هذا؟! ا إذًا فقد أتيت بهم بالفعل.. فليكن يا “بابلو”.. فليكن.. لقد سئمت من جنونك وعدم تقديرك لخطورة موقفك دائما.. أنا سأحزم حقائبي وأرحل من هنا.
لم يعلق “بابلو” وأخذ يدندن باللحن الذي تعزفه الفرقة من الأسفل وخرج من الغرفة نازلا إليهم محييا بسعادة بالغة.. أهذا هو الرجل الذي يبحث عنه العالم اليوم؟ توقعته أكثر إجراما مما يبدو.. بدأ “روبيرتو” يحزم أغراضه بالفعل في حقيبة صغيرة وهو يسب عدة سبات كولومبية.. ثم أمسك بالحقيبة وشدها إليه بقسوة وفتح الباب ثم نزل على السلم.. كان “بابلو” بالأسفل جالسا وسط الفرقة مستمتعا بعزفهم يغني معهم ويدندن.
بدت ملامح “روبيرتو” متجهمة وهو ينزل بغضب ويفكر في الخطوة التالية التي سيفعلها لتأمين أخيه المتهور ولم تأت في عقله فكرة أفضل من قتل جميع أعضاء الفرقة بعد أن ينتهوا.. لكن هؤلاء الأغبياء كيف وافقوا أصلًا وأتوا إلى هنا؟ قطعت أفكاره نظرة واحدة منه إلى الفرقة اتسعت عيناه بعدها في دهشة حقيقية.. لقد كان ما يراه أمامه هو آخر شيء يتوقعه في هذا العالم.. تلك الفرقة التي تعزف حول “بابلو”.. كانت فرقة من الرجال الذين يرتدون النظارات السود الكبيرة.. كانت فرقة من العميان.
لم يتمالك “روبيرتو” نفسه.. فانفجر في الضحك.. ووضع حقيبته على الأرض في سعادة ناظرا إلى بابلو نظرة لوم مرحة وانضم إلى الفرقة بجانب أخيه وأخذ يدندن معهم هو الآخر.. حقا إن فرقة من العميان لن يعرفوا إلى أين هم ذاهبون وأمام من يعزفون .. أخذ الجميع يغني أغنية ” Happy Birthday to you ” لبابلو بأصوات سعيدة ضاحكة.. وبعد أن انتهوا قام “بابلو” من مجلسه وقال:
أيها السادة شكرًا لكم جزيلًا.. سعدت بوجودكم.. وإني أود أن أخبركم أمرا لا
_177_
أدري كيف ستتقبلونه.. أنتم كنتم تعزفون اليوم في عيد ميلاد السيد “بابلو إسكوبار”.. الذي هو أنا.
وجم الجميع وارتعشت أطرافهم.. لكن “بابلو” تحدث معهم بصدق وطمأنهم تماما وأعطى كل واحد منهم في يده عشرين ألف دولار.. وغادروا المكان فرحين كلهم.. لم يكن منهم أي خوف.. كانوا عميانًا.
بعد رحيلهم جلس “بابلو” على الأريكة متنهدا وأمسك بجهاز التحكم وشغل التلفزيون .. كان التلفزيون يعرض مشهدا من فيلم بالأبيض والأسود.. كان في المشهد رجل يرتدي معطفا أسودَ طويل وطاقية سوداء وملامحه غير واضحة من هذه الزاوية.. فجأة تموهت الصورة حول التلفزيون وأصبح الرجل ذو الطاقية وحده واضحا.. كان يمشي بخفة في إحدى المزارع.. بدا وكأن كل شيء حولنا فجأة يتحول إلى الأبيض والأسود ثم أخذتنا الأجواء أخذا إلى ذلك الرجل داخل التلفزيون.
***
بدا وكأننا انتقلنا إلى داخل فيلم قديم بكل تلك الأجواء البيضاء والسوداء حولنا.. لكن هذا لم يكن فيلما.. بل لقد انتقلنا إلى الأربعينات.. ليست أربعينات القرن العشرين.. بل أربعينات القرن التاسع عشر.. أي كما نقولها بالأرقام 1840 .. كان ذلك الرجل ذو الطاقية والمعطف الطويل واقفا في أحد الحقول يشاهد من بعيد بعض المزارعين الذين يعملون بكد.
إنهم سكان أمريكا الجنوبية.. وهم يعملون في مزارعهم وحقولهم ويمضغون شيئا ما تحت أسنانهم كلهم.. شيء يجعلهم يعملون ساعات طويلة دون كلل.. ذلك الشيء الذي يمضغونه.. إنها أوراق نبات الكوكا.. مصدر الكوكايين.. أو “هبة الآلهة” كما يسميها الأهالي هنا.. عندما تمضغ هذه الأوراق يتسرب الكوكايين منها إلى داخل جسدك ويعطيك قوة تجعلك قادرا على العمل ثلاثة أضعاف ما تقدر عليه عادة.. هو يشعل جسدك إشعالا ويحمس كل عضلتك للعمل.. هذه حقيقة علمية لا مبالغة فيها.
و فجأة أظلم العالم حول الرجل ذي الطاقية وبدأت النيران تأكل الأجواء.. الاحتلال الإسباني والاكتشاف الأول لأمريكا الجنوبية.. كان احتلالا قاسيا جدا.. هناك رجل ما بملابس عسكرية يبدو متعجبا من ذلك الشيء الذي يمضغه الأهالي طيلة الوقت.. أرى واحدا من الأهالي يعطيه ورقة من أوراق الكوكا ليريه إياها.. الإسباني يمضغ هبة الآلهة.. تمر دقائق.. يتسرب الكوكايين إلى داخل
_178_
جسده.. انظر إليه.. إنه يشعر بالسعادة ويخبط على كتف من أعطاه إياها وهو يضحك.
لكن الإسبان خافوا من هذا الشيء الذي يمضغ.. هذا الشيء يعطي شجاعة وقوة حقيقية لمن يمضغه.. هذا الشيء يجعل الأهالي أكثر صعوبة في السيطرة عليهم.. لأجل هذا منع الإسبان مضغ هذا الشيء تماما وسموه بالنص أنه “رجس من عمل الشيطان” an evil agent of the devil .. لكن في مقابل هذا المنع لم يستطيع السكان العمل في المزارع أو في مناجم الذهب بكفاءة.. إن كفاءتهم انخفضت لأقل من النصف.. فاضطر الإسبان للسماح به مرة أخرى .. وبدأت الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية تزرعه أيضا.. ثم بدأ تصديره من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا.
تموهت الأجواء حول الرجل ذي الطاقية مرة أخرى والذي لا أدري من هو بالضبط.. ثم زال التموه من حوله فرأيناه يمشي في أحد شوارع أوروبا.. لقد انتقل الكوكايين إلى هناك.. نرى إعلانا كبيرا على جدران أحد المنازل .. نوع جديد من الخمر نزل إلى السوق .. Vin Mariani .. مكتوب في الإعلان أنه ليس خمرا عاديا.. بل هو مزيج من الخمر والكوكايين.. وأنت حين تمزج هذين الشيئين يخرج لك مركب جديد.. مركب يؤدي إلى نشوة أكثر من الكوكايين العادي وإسكار أقل من الخمر العادي.. وقوة أعظم.. وثقة بالنفس لا حدود لها.. مشروب أصبح يستخدمه الجميع بلا استثناء في ستينات القرن التاسع عشر.. الـ 1860 .. حتى المفكرين و الكتاب اعجبوا به جدا .. آرثر كونان دويل.. جول فيرن .. ألكساندر داماس.. سيجموند فرويد.. كلهم كانوا يشربونه.. كان شيئا مثل السحر حقا.
فجأة انقلبت كل أجوائنا إلى أجواء مشوشة تماما.. نظرنا حولنا.. هناك شيء غير طبيعي يحدث هنا.. فجأة تلونت الدنيا وتم جلبنا مرة أخرى إلى حيث يجلس “بابلو إسكوبار”.. إن الرجل كان يغير قناة التلفزيون عبر الريموت… يبدو أن هذا هو ما أنهى وجودنا عند ذلك الرجل ذي الطاقية.. حقا لن نفهم هذا العالم أبدا.. نظرنا تلقائيا إلى التلفزيون لنرى القناة التي حول “بابلو” إليها.
كانت إحدى القنوات الإخبارية.. كانوا يعرضون كلمة الرئيس الأمريكي “ريجان” في الحملة الشهيرة التي أطلقها منذ عدة أسابيع فقط.. حملة الحرب على المخدرات War On Drugs .. تلك الحرب التي أعلنتها أمريكا فجأة على كل الدول التي تصدر لها المخدرات وعلى رأسهم كولومبيا.. فجأة طلبت أمريكا رسميا من حكومة كولومبيا أن تسلم لها زعماء تجارة المخدرات الكولومبيين لتتم
_179_
محاكمتهم وسجنهم في أمريكا.. وذلك حتى يوقفوا التدفق الرهيب من المخدرات الذي يدخل إلى الولايات المتحدة كل عام.. وبالطبع كان أكبر تاجر مخدرات في كولومبيا والعالم كله في ذلك الوقت هو “بابلو إسكوبار”.. ولذلك كان هو المطلوب رقم واحد في هذه الحملة.
ظل الرئيس “ريجان” يتحدث و”بابلو” ينظر له بغل حقيقي.. كان كل شيء يسير على ما يرام لسنوات وسنوات حتى قرر هذا الرئيس الأمريكي المتحذلق أن يقيم الحرب على الجميع هكذا.. ورغم أن “بابلو” كان قد اشترى ذمم أكابر الرجال في كولومبيا فإن أحدا منهم لم يطلعه على سر هذا التحول المفاجئ لأمريكا.. ما الذي تغير؟ لماذا هذه الحرب الشعواء المفاجِئة.. لا أحد كان يعرف الحقيقة وقتها.. بدأت الأجواء تتموه حول التلفزيون وتبقى صورة “ريجان” وحدها هي الواضحة وهو يتكلم.. واقتربت الأجواء من “ريجان”.. والتفت “ريجان” لينظر إلينا.. اقتربنا منه ببطء حتى دخلنا إليه في مكانه.
***
كان “ريجان” جالسًا في سيارة فاخرة جدا.. غرفة معيشة كاملة بأرائكها وستائرها بداخل سيارة.. يجلس بمواجهته نائبه “بوش” الأب.. وبجوارهم رجل أنيق وسيم يدعى “أوليفر نورث”.. كان التاريخ في لوحة السيارة الفاخرة يشير إلى قبل سنة كاملة من إعلان “ريجان” للحرب على المخدرات.. كان “بوش” الأب يقول ل”نورث”:
هل تدري يا “نورث” أنك ستكون كبش فداء رائعا جدا في حال فشل هذه العملية التي اقترحتها علينا؟
قال له “نورث” بهدوء:
وهل ظننت أنني أحمق حتى أقترح على أمريكا عملية كهذه لو أن فيها نسبة مخاطرة واحد في المائة؟
توقفت السيارة لحظات ونظرنا من نافذتها للخارج.. كانت هناك بوابة تنفتح لنا بهدوء لتدخل فيها سيارتنا الفاخرة.. وفور أن فتحت تلك البوابة ، رأينا منظرا عجيبا جميلا أبهر عيوننا كلنا.. حقل أفيون واسع على مد بصرنا.. زهور الأفيون كانت طويلة جدا وبيضاء ومتجاورة بشكل مبهر.. والأجمل أننا كنا نمشي بالسيارة وسط هذا الحقل متجهين إلى قصر عظيم أبيض اللون كان منظره بهيًا جدًا
_180_
وسط هذا الكم من الزهور البيضاء الطويلة.. لاحظت أن الرئيس “ريجان” و”بوش” ينظران بانبهار من الشباك بينما بدا “نورث” هادئا ينظر إلى انبهارهما.
إننا الآن نحن ورئيس الولايات المتحدة ونائبه ذاهبون لمقابلة زعيمة المخدرات الفاتنة “سونيا أتالا” في قصرها.. يقولون عنها أنها كانت أغنى وأقوى امرأة في العالم في الثمانينات.. يقولون عنها أنها هي التي كانت تحكم بوليفيا من وراء الستار.. يسمونها ملكة الكوكايين.. فكما أن “بابلو إسكوبار” هو ملك الكوكايين المسؤول عن نصف كوكايين العالم، فسونيا أتالا هي المسؤولة عن النصف الآخر.. كانت ضابطة في الجيش البوليفي ومعها وسام يشهد بأنها أفضل قناصة رأتها أوساط الجيش منذ قرون.. لكن “سونيا أتالا” كان لها لقب آخر تعرف به في أوساط العصابات.. لقب غريب نوعا ما.. يسمونها “ملكة الثلج”.. سموها به لأنها تحب اللون الأبيض حبا جما.. حتى إنهم قالوا أنها احترفت بيع الكوكايين فقط لأنه أبيض.
قبل أن نكمل وندخل هذا القصر الأبيض دعني أشرح لك سريعا ما نعيشه الآن حتى تزول علامة الاستفهام التي تكونت فوق رأسك وأنت تشاهد رئيس الولايات المتحدة يذهب لمقابلة زعيمة من زعماء المخدرات.. وحتى لا تتوه أثناء متابعتك للأحداث القادمة.. ركز قليلًا لأن ما سأقوله سيكون مُركزًا وصادمًا نوعًا ما.. سأعرفك السر وراء إعلان أمريكا الحرب على المخدرات هكذا فجأة.. السر الذي لم يكن يعلمه “بابلو إسكوبار” نفسه على عظم إمبراطوريته.
الحكاية هي أن هناك حكومات شيوعية بدأت تبرز في الدول القريبة من أمريكا.. دول مثل بوليفيا ونيكاراجوا والسلفادور وجواتيمالا وكوبا.. هذه الحكومات الشيوعية كلها كانت خطرا كبيرا على أمريكا.. لأنها ببساطة شيوعية.. وشيوعية تعني أنها مدعومة مباشرة من روسيا.
ولأن أمريكا تعشق أسلوب الطفيليات في هدم كل ما يحتمل أن يكون كيانا مستقرا يهدد وجودها.. فقد تولت أمريكا إنبات تنظيمات مضادة للشيوعية في كل دولة من تلك الدول الشيوعية.. كان الهدف الأساسي هو أن تبقى الصراعات دائرة كما هي في تلك الدول الشيوعية.. حتى لا تستقر تلك الدول بعد حين وتكون خطرا حقيقيا على أمريكا.. أهم تلك التنظيمات التي أنبتتها أمريكا كان التنظيم المحارب للحكومة الشيوعية في دولة نيكاراجوا.. ذلك التنظيم الثوري المسلح الذي أثار الكثير من الجدل و الذي أطلق عليه اسم الكونتراContras.
_181_
روسيا لم تسكت على هذا التنظيم.. وتحركت بسرعة لأجل إجهاضه، فزودت حكومة نيكاراجوا الشيوعية بمبلغ خمسة بلايين دولار كبداية لمحاربة الكونترا.. ووعدتهم بالمزيد كل شهر حتى يتم القضاء على التنظيم تماما.
كان على “ريجان” و”بوش” أن يجدا طريقة للرد على هذه الخطوة ودعم تنظيم الكونترا بأموال كثيرة جدا في وقت قصير جدا.. ولأن أمريكا كانت مشغولة في مئات الأشياء المكلفة الأخرى .. لم يكن أمام “ريجان” و”بوش” إلا أن يقبلا الاقتراح المجنون الذي عرضه عليهما الكولونيل الوسيم “نورث”.. عرض للحصول على بلايين الدولارات في وقت قصير للغاية.
اقتراح “نورث” كان كالتالي.. وركز معي في كل كلمة.. وكل اسم.. أن تشتري المخابرات الأمريكية خمسمائة طن من الكوكايين الخام من عصابة “روبيرتو سواريز” الشهيرة في بوليفيا..
تنقل المخابرات هذا الكوكايين الخام إلى معامل خاصة في بوليفيا تملكها زعيمة المخدرات الفاتنة “سونيا أتالا” لتحويله إلى كوكايين بودرة جاهز للاستخدام..
تنقل المخابرات الأمريكية بودرة الكوكايين الجاهزة هذه إلى أمريكا ليبيعونها هناك لشبكة مخدرات كبيرة في أمريكا هي شبكة الإخوة “أوشوا”.. عملية الشراء ثم التجهيز في المعامل البوليفية ثم النقل لأمريكا ثم البيع ستحتاج إلى حوالي سنة لأن الكمية ضخمة جدا.. وبالتالي سيتم نقلها على دفعات أسبوعية بإشراف وتأمين وتعتيم كامل من المخابرات الأمريكية.. هذه الدفعات عند بيعها ستربح منها أمريكا بلايين شهرية لا حصر لها.. هذه البلايين ستكون من نصيب تنظيم الكونترا.. لدعمهم بالسلاح والتجهيزات. باختصار، كان اقتراح “نورث” هو أن تتحول المخابرات الأمريكية CIA لأكبر عصابة مخدرات في التاريخ تشتري خمسمائة طن كوكايين من بوليفيا وتدخله إلى أمريكا وتبيعه هناك وتكسب نقودا تدعم بها الكونترا.. المشكلة أنه كان على “بوش” و”ريجان” أن يفعل هذا كله في الخفاء.. لأن الكونجرس لن يوافق على شيء كهذا أبدا.
***
نعود إلى حقل الزهور البيضاء والقصر الأبيض.. نزلنا من السيارة ومشينا ناحية القصر.. الباب نفسه لونه أبيض.. ذوق هذه السيدة راق جدا بالمناسبة..
_182_
كل شيء هنا فاخر جدًا.. وأبيض جدًا.. لوهلة ظننا أننا في الجنة.. دخلنا للقصر المهيب.. كما توقعت، كان اللون الأبيض طاغيًا على الأثاث والستائر وتماثيل المرمر والرخام بالداخل.. وفي خضم كل هذا البياض خرجت لنا “سونيا”. أول شيء سيلفت نظرك في “سونيا ” عندما تراها لأول وهلة هو ذلك الشعور الذي يأتيك بأنها فتاة في العشرينات.. اللافت في الموضوع أن “سونيا” كانت أغنى وأقوى امرأة على وجه الأرض وقتها أيام الثمانينات.. ستقول لنفسك في أول وهلة، كيف وصلت هذه الصغيرة البريئة لكل هذا؟!
ولكن حين تتحدث إليك “سونيا ” سرعان ما سيزول شعورك الأول بالدهشة ويحل محله شعور بعدم الاطمئنان.. إن هذه الفتاة في صوتها بحة تشعر فيها بقسوة وبرودة لا حد لهما.. لست أميل إلى المبالغة لكن هذا ما شعرت به للوهلة الأولى.. كما أن ملابسها الجلدية البيضاء الفاخرة جدًا وكل الأبيض الذي حولها يعمق شعورك بالبرودة.
قالت “سونيا” فجأة للرئيس “ريجان” بدون مقدمات أو سلام وبصوت هو للأفعى أقرب:
يراودني سؤال كنت أود أن أسأله لأي رئيس دولة أقابله يوما، هل تسمح لي سيدي الرئيس؟
قال “ريجان” باهتمام:
بالطبع.
قالت “سونيا” وهي تضيق عينيها الرماديتين الباردتين:
هل شعوبكم حمقى لهذه الدرجة؟
نظر لها “ريجان” بتساؤل مندهش فأكملت قائلة:
هل حقا تظن الشعوب في هذا العالم أن حكوماتهم تحارب المخدرات؟ هل يظنون حقا أن أي حكومة في هذا العالم تحارب المخدرات فعليا؟ المخدرات هي ثاني أكبر تجارة في العالم، دخل اقتصادي رهيب للدولة.. هل حقا يظنون أن الحكومة تحاربها؟ ألم يفطنوا بعد أن الحكومات هي التي تمرر المخدرات إليها بقدر معلوم وتكسب منها بقدر معلوم؟!
قال “ريجان” بابتسامة:
_183_
من قال لك هذا أيتها الجميلة؟ الحكومات تحارب المخدرات طبعا.. لكن ليس كل المخدرات.. إنما نحارب المخدرات التي يتناقلها التجار الصغار.. حتى لا يزعجوا التجار الكبار.. تجار المخدرات الكبار يكسبون بلايين لا حصر لها.. وما يكسبونه يغسلونه بطرق كثيرة حتى يدخلوه في البنوك بصورة رسمية.. خمسمائة بليون دولار تدخل لبنوكنا كل سنة من تجارة المخدرات.. كثير من البنوك تقوم قواعدها على أموال تجار المخدرات المغسولة هذه.. لأنهم يوفرون سيولة رهيبة مستمرة غير منقطعة للبنك.. وطالما البنوك تستفيد فاقتصاد الدولة يستفيد.. نحن دائما نقول أننا نبذل جهدنا لمحاربة تجار المخدرات الكبار.. لكن تجديننا في نفس الوقت حين نجد معهم بلايين يريدون غسلها وإدخالها للبنوك.. فنحن نسهل أمورهم.. هذه بلايين.. فائدة للدولة.
بدا بريق عيني “سونيا” معجبا بكلام الرئيس وقالت:
ظننتك ستتحدث بالهراء المعتاد وتقول أن الحكومة تبذل ما بوسعها لمحاربة المخدرات لكن التجار يطورون من أساليبهم.. فلا تنقطع المخدرات من أي دولة أبدا.
قال “ريجان” بنبرة حكيمة:
الحكاية هي أن شعوبنا لا يدرون شيئا وليست لديهم الرفاهية الذهنية أصلا للتفكير في مثل هذه الأمور.. كل إنسان هنا منشغل في كيفية البقاء حيا في هذه الغابة التي صنعها لهم النظام.. يولد الواحد منهم ليجري في الغابة منذ صغره.. يجري لئلا يرسب في المدرسة بكل ضغطها وتوترها.. يجري لئلا يرسب في الجامعة بكل تعقيداتها وأساتذتها.. يجري ليحصل على وظيفة براتب جيد.. يجري ليتزوج.. يجري ليربي أطفاله.. ثم يجري ليتعالج حتى يطيل فترة بقائه بضع سنين في هذه الدنيا.. ثم يجري ليموت.. صدقيني ليست لديه الرفاهية ليفكر في مثل هذه الأمور.
قالت “سونيا” وهي تشير إلى عقلها:
تورط الدول بديهي باستخدام هذا.. هل يعقل أن دولة بكامل أجهزتها العسكرية والرقابية والبنكية، تمر من تحت أنفها بلايين الدولارات هكذا كل شهر من شهور السنة في تجارة المخدرات؟ لا أعرف كيف يمكن لشخص أن يصدق هذا؟!
تدخل “نورث” قائلًا:
_184_
إن سيدي الرئيس يعرف تماما أنك يا “سونيا” أكبر تاجرة مخدرات في العالم تقريبا وبغض النظر عن البلايين التي تستفيد منها البنوك.. فأنت لديك شبكة كاملة من المرتشين في كافة مراكز الحكومة.. مدراء شرطة يأخذون قسطهم الشهري ليغضوا الطرف.. مدراء مطارات يأخذون قسطهم الشهري ليغضوا الطرف.. قضاة يأخذون قسطهم الشهري ليغضوا الطرف.. أنت تشترين “أطرف” الحكومة كلها.. البنوك مستفيدة منك .. وأشخاص مهمون في الحكومة أيضا مستفيدون منك .. كيف يعقل أن يحاربوك ؟ وبالمناسبة نحن هنا لنتباحث بشأن الأطنان التي سنوردها إلى معاملك والتي..
بدا وكأن أنوار المكان قد خفتت فجأة و خفتت الأصوات فجأة.. نظرنا إلى النافذة.. أصبح يتعاقب فيها الليل والنهار بسرعة.. عدنا لننظر إلى “سونيا” والآخرين لنجد أوضاع وقوفهم قد تغيرت.. حيث أصبحت “سونيا” جالسة على الأريكة تنظر إلى بعض الأوراق واضعة ساقا على ساق وحولها الثلاثة رجال يتحدثون معها.. تغيرت ملابسهم جميعا عما كانت.. لقد تقدم الزمن بنا سنتين كاملتين.. هذا المشهد هو ما حدث في هذه الغرفة مع نفس الشخصيات بعد سنتين من المشهد الأول.
كانت “سونيا” تقول :
والآن قد بلغ الكوكايين الذي تاجرتم فيه حوالي ألف طن.. كنتم تتحدثون عن خمسمائة في البداية.. تحياتي سيادة الرئيس لقد دعمت تنظيم الكونترا.. لكنك أصبحت أكبر تاجر مخدرات في العالم.. أنت أكبر مني الآن.
ابتسم الرئيس “ريجان” ابتسامة غامضة وصمت بينما قال “بوش”:
ليست المشكلة في الألف طن فقط.. المشكلة أننا في سبيل نقل هذه الكمية كلها، أصبح لنا طريق آمن معتاد يوصل الألف طن خاصتنا من بوليفيا إلى مقر عصابة الإخوة “أوشوا” في أمريكا.. تكمن المشكلة في أن الإخوة “أوشوا” أصبحوا يستخدمون هذا الطريق الآمن في نقل الكوكايين الخاص بهم هم أيضا إلى أمريكا.. فتم إغراق بلدنا بما هو أكثر بكثير من ألف طن من الكوكايين.. وبالتالي رخص سعره في أمريكا وأصبح متاحا للكل.. وتحول الأمر إلى وباء اجتاح أمريكا كلها في أقل من سنة.. وباء الكوكايين.
ضحكت “سونيا” كالأفعى وقالت:
إن أكثر ما يضحكني في الموضوع هو ظهورك في التلفزيون سيدي الرئيس بعد
_185_
أن أتخمت أمريكا كلها بالكوكايين.. ثم أصبحت تظهر وتتحدث في التليفزيون بحكمة عن المخدرات وكيف أنها خطر قومي على الولايات المتحدة.. وأعلنت عن حملة War On Drugs التي صاحبتها حملة إعلانية ضخمة.. إعلانات يتحدث فيها رجال الشوارع وينظرون للكاميرا وينصحون الأمة بكلمة بليغة.. “فقط قل لا” Just say no .. ولا يدري أحد أنك أنت السبب في هذا الوباء.. ألم أقل لك يا سيدي أن شعوبكم حمقى.
قال الرئيس “ريجان”:
هذه الحملة وهذه الكلمات لم تكن تكفي.. كان لا بد أن نغطي على فعلتنا هذه بشكل عملي.. لأجل هذا أعلنّا الحرب على تجار المخدرات الكولومبيين وكأنهم هم سبب هذا الوباء.. جعلناهم كبش الفداء.. وأرسلنا أكفأ قواتنا للقبض عليهم في بلدهم.
***
خفتت الأضواء والأصوات مرة أخرى .. هناك تغير آخر في الزمن يحدث الآن.. انتقلنا بضعة شهور إلى الأمام.. نظرنا إلى “سونيا” والرئيس وصاحبيه.. الكل متوتر جدا وهم ينظرون إلى شاشة التلفاز التي تعرض أخبارا عاجلة من كولومبيا.. كان هناك رجل واحد جن جنونه من إعلان هذه الحرب على المخدرات.. وجن جنونه أكثر لصدور القانون الأمريكي بتسليم تجار المخدرات الكولومبيين إلى أمريكا للمحاكمة.. رجل واحد كان يعرف أن كل هذه الحرب الدائرة في كولومبيا هي لأجل الإمساك به هو.. لأنه أكبر تاجر مخدرات في العالم.. رجل واحد هو “بابلو إسكوبار”.
لكن ما لم يكن يعرفه هو أن الإمساك به وقتله سيكون تعويضا رهيبا تقدمه أمريكا لشعبها بعد أن أغرقته في الكوكايين.. لكن يبدو أن ذلك الرجل ليس سهل.. ها هو ذا يفجر تفجيرا جديدا إرهابيا في كولومبيا الآن.. لم يكن تفجيرا عاديا هذه المرة.. لقد تخطى كل الحدود.. لقد فجر “بابلو إسكوبار” قبل دقائق وزارة العدل الكولومبية كلها.. والتي يطلق عليها قصر العدالة Palace Of Justice .. فجرها بكل القضاة الذين كانوا بداخلها.
قال الرئيس “ريجان” بغل واضح:
لست أفهم كيف يفعل هذا بنا رجل واحد.. مخابراتنا وقواتنا الخاصة ومحققينا وأجهزتنا ورجال العصابات والقتلة المحترفين من جميع أنحاء العالم..
_186_
كلهم يبحثون عنه منذ سنة.. وما زال قادرا على التفجير هنا وهناك.. وهذه المرة جرؤ على..
قاطعته “سونيا” بصوت بارد:
لأنكم حمقى.
نظر لها الجميع بدهشة وقال “ريجان”:
ماذا تقولين؟ ماذا تقصـ…
قاطعته مرة أخرى:
مع احترامي لكل قواتكم ومخابراتكم.. لكنكم جميعا أغبياء.. لا يفل الحديد إلا الحديد.. تاجر المخدرات لا يصل إليه إلا تاجر مخدرات مثله.
قال لها “نورث”:
هراء.. إن تجار المخدرات أيضا يبحثون عنه مثلنا منذ سنة كاملة بلا جدوى.
قالت “سونيا” بذلك الصوت ذو البحة المقلقة:
لأنهم لا يكافئونه.. قلت لا يصل إليه إلا من هو مثله.. وليس مثل “بابلو إسكوبار” أحد سواي في هذا العالم.. أنا الوحيدة التي أفهم كيف يعمل وأعرف كيف يهرب منكم جميعا.. وكيف يذيقكم ما يذيقكم.. ولو كنت مكانه لفعلت مثله وربما أكثر.. لأنكم أغبياء.
قال “بوش” الأب:
إذًا ماذا تنتظرين؟ الحرب دائرة هناك.. يمكننا أن ندعمك بكل ما تطلبين.
ضيقت “سونيا” عينيها وقالت:
أنتظر فشلكم.. لا طعم للنجاح في أمر ما إلا بعد أن يفشل به الآخرون.. وبعد فشلكم أعدكم أن تزين رأس “بابلو” هذا طلقة فضية من بندقيتي القناصة.
نظر لها “ريجان” بدهشة حقيقية:
قناصة؟ هل أنت قناصة؟
قالت له “سونيا”:
ولم العجب سيدي الرئيس.. ألا تدري أن أعظم من مسك القناصة في العالم النساء؟ نحن أطول بالا وأكثر تركيزا وأدق ملاحظة.
_187_
قال لها “نورث”:
هراء.. أنتن لـ..
قاطعته “سونيا” وهي تشير إلى صورة كبيرة على الجدار لامرأة فاتنة ترتدي زيا عسكريا وقالت:
“لودميلا بافيلتشينكو”.. روسية.. أذاقت قوات هتلر الويل في الحرب العالمية الثانية.. كانوا يسمونها Lady Death .
ثم أشارت بسرعة لصورة أخرى مقابلة لها وقالت:
“روزا شانينا”.. روسية أيضا.. ابنة تسعة عشر عاما فقط.. أول امرأة قناصة تمنح وسام المجد.
كان الجميع صامتا ينظرون إلى “سونيا”.. لاحظوا أنها تعلق صور الكثير من الفتيات القناصات هنا وهناك.. هذه المرأة تعشق القناصة حقا.. قالت “سونيا” بنرجسية:
حان الوقت لأن تروا قناصة محترفة أخرى .. لكن هذه المرة من بوليفيا.. قناصة ستثبت لكم أنكم مهرجون .. قناصة ستصل إلى رأس غريمكم الوسيم هذا في خلل أيام معدودات.
نظرنا إلى التلفزيون .. ما زال يعرض صور “بابلو إسكوبار” في ركن الشاشة ويعرض النيران الرهيبة التي اندلعت في قصر العدالة.. نيران تجمعت حولها الكثير من قوات الإطفاء يحاولون إطفاءها بل جدوى.
مرة أخرى تموهت الدنيا حول التلفزيون .. ولم نعد نرى تقريبا سوى الشاشة والنيران التي يصورها ووجه “بابلو” الساخر.. بدأت الأجواء تقترب من النيران أكثر وأكثر.. حتى بدا وكأننا دخلنا إلى وسط النيران.. وعلى الفور تحول المكان غير المكان.. و..
***
فجأة وجدنا أنفسنا تحت السرير وفوقنا مرتبة من مراتب السرير تغطينا وملاءات تخفي وجودنا تماما.. بجانبنا كان “بابلو إسكوبار” لكنه هنا صغير لم يكمل الخامسة من عمره بعد وبجانبه أخوه “روبيرتو” الذي يكبره بسنة واحدة وأخته “جلوريا” الصغيرة.. أخرجت رأسي من بين الملاءات لأرى ما الأمر.. كان باب الغرفة يشتعل بنيران رهيبة.. وهناك صرخات رجال كثيرين يحاولون كسره من الخارج.. ويقسمون بكل غال أنهم سيدخلون لقص رؤوسنا.
_188_
لقد أخذنا مشهد النيران في التلفزيون إلى مشهد نيران آخر من طفولة “بابلو”.. طفولة قضاها في فترة اشتعلت فيها الحرب الأهلية بين الليبراليين والمحافظين في كولومبيا.. كان الحل الوحيد أمامك في تلك الأيام هو أن تغلق عليك باب بيتك ليلا وتتظاهر أنك ميت.
كانوا يأتون إلى المنازل ويقتلون أهلها ويرمون جثثهم خارجها.. من هم الذين يأتون ؟ لن تدري أبدا.. ما زالت الضربات على الباب أمامنا تتصاعد وتتصاعد.. حتى أصبح صوتها على الباب منذرا بكسره..وفجأة انكسر الباب.. ودخل علينا أكثر من عشرين رجل غاضب..
سمعنا طلقات غزيرة جدا توقعنا بعدها أن نسمع صوت ارتطامها بأثاث المنزل الخشبي فوقنا.. لكننا سمعنا أصوات تساقط الرجال وصرخاتهم.. كانت الطلقات قادمة من خلفهم.. طلقات الجيش الكولومبي.. في الدقائق التالية كنا جميعا خارجين من المنزل نمشي في صف من الناجين من المنازل الأخرى يحيط بنا رجال الجيش.
كان “بابلو” الصغير يبدو مندهشا أكثر منه خائفا.. كانت هناك جثث مرمية على المزاريب وجثث أخرى معلقة على أعمدة الإنارة.. إن عصابات “الكوزميروس” قد شبّت النار في معظم الجثث.. وبقت رائحة اللحم المحترق تزكم أنوفنا.
بين كل هؤلاء الناجين كان هناك رجل بدا شكله عجيبا نوعا ما.. كان يرتدي معطفًا أسودَ طويلًا وطاقية سوداء ولا يبدو جزعا بل يبدو نظيفا لامعا.. كان يمشي بتؤدة إلى جوار “بابلو” وأخيه.. أليس هذا هو الرجل الذي دخلنا له في التلفزيون ذات مرة وكانت الأجواء بالأبيض والأسود؟ نعم إنه هو.
كان الظلام شديدا ونحن نمشي.. لا يضيء طريقنا سوى نيران المنازل المحترقة خلفنا.. نيران تراقص مزيدا من النيران.. مرة أخرى تموهت الأجواء كلها حتى لم نعد نرى سوى ذلك الرجل ذي الطاقية وحده دون غيره.. ومرة أخرى أخذنا هذا العالم إلى عالم آخر يخص هذا الرجل.. عالم كل شيء فيه أبيض وأسود.
***
ذلك الرجل ذو الطاقية يتجرع الـ Vin Mariani بنشوة لا مثيل لها.. ليس هناك أحلى من شراب يجمع الخمر والكوكايين.. نحن في الـ 1860 .. دخل الرجل إحدى الصيدليات.. دخلنا وراءه.. اشترى الرجل شيئين من هنا.. وها هو يخرج من الصيدلية ويفتح الشيء الأول في عجالة.. إنه علبة صغيرة فيها بودرة.. اسم شركة
_189_
الأدوية المصنعة يبدو مألوفا لنا.. Park Davis .. الرجل يفتح علبة البودرة الصغيرة.. ثم يضعها على أنفه ويستنشقها استنشاقا.. إنها كوكايين.. في تلك الأيام كان الكوكايين يباع في الصيدليات لأي أحد.. بل إن إعلان الشركة عنه وقتها كان بليغا جدا.. كانوا يقولون “إنه سيجعل الجبان شجاعا وسيجعل الصامت بليغا وسيجعل المتألم لا يتألم”.
أخذ الرجل العلبة الثانية التي اشتراها.. كانت علبة شراب سعال.. الشركة تبدو مألوفة أيضا.. شركة Bayer الألمانية.. والدواء اسمه “هيروين”.. اتسعت عيوننا.. هيروين؟ الرجل يفتح علبة الشراب ويشرب الزجاجة كاملة.. ومثل هذا كان يفعله سكان أوروبا كلهم.. حتى النساء والأطفال.. الكوكايين والهيروين كانا شيئين رائعين يحبهما الناس.. وكانا ينتهيان من السوق فور نزولهما بأيام.. هذا الرجل ذو الطاقية يرينا أشياء عجيبة حقًا.
ظللنا نمشي وراءه.. الصورة تموهت من حوله ثم زال تموهها لنجد أنفسنا قد سافرنا من أوروبا إلى أمريكا.. تحديدا إلى ولاية أتلنتا.. وهناك إعلان على الجدار.. الـ French Wine Coca .. نوع جديد من الخمر في أمريكا.. كان هناك صيدلي في أتلنتا اسمه الدكتور “بيمبرتون”.. رأى الأعاجيب التي يفعلها خمر الـ Vin Mariani في أوروبا فأحب أن يصنع المستحضر الخاص به في أمريكا والذي يعتمد على نفس الفكرة.. الكوكايين مع الخمر.. في كل زجاجة خمر من خمره كان يضع ما يعادل خطًا من الكوكايين.. وحين أقول “خطا” فأنا أعني ذلك الخط الذي يصنعه المدمنون بالأمواس هذه الأيام حين يجعلون البودرة على هيئة خطوط يستنشقونها واحدا وراء الآخر. كان مكتوبا في الإعلان عنه أنه المشروب الذي سيجلب لك اللذة والبهجة والذكاء.. وحقا كان مشروبه يفعل هذا.. المشروب السحري الذي غش تركيبته من الـ Vin Mariani كان يباع بشكل كبير جدا في أتلنتا فقط ولم يخرج خارجها لأن الرجل لم يكن قد أنشأ له شركة كبيرة بعد.
وبغض النظر عن “بيمبرتون” وتركيبته في أتلنتا فإن الكوكايين نفسه كان قد انتشر في أمريكا كلها وعشقته أمريكا جدا.. نرى ذلك الرجل ذا الطاقية الآن يدخل إلى أحد الهايبر ماركتس الشهيرة.. Sears & Roebuck .. ووقف في الداخل أمام إعلان لفت أنظارنا حقا.. حقيبة بلاستيكية صغيرة يعلنون عنها بقولهم “هدية الضيافة للأصدقاء” A Welcome Present for Friends at the Front .. كانت حقيبة فيها كوكايين وهيروين ومحاقن وإبر.. هكذا كانت تباع بكل فخر..
_190_
لو أردت أن تقضي مع أصدقائك ليلة جميلة مليئة بالنشوة.. فهذه الحقيبة هي ما ستحتاجه.. هذا الرجل اشترى تلك الحقيبة وخرج من الهايبر ماركت وفتحها في الشارع وبدأ يستخدم ما فيها بحماس.
وفجأة وبدافع من بعض الحركات الإصلاحية نزل قرار في أتلنتا بتحريم الخمر في هذه الولاية تماما.. كان هذا في ثمانينات القرن التاسع عشر.. الـ 1880 كما نقولها بالأرقام.. فاضطر الدكتور “بيمبرتون” إلى إجراء تعديل في تركيبته الخمرية السحرية.. فأزال الخمر تماما من التركيبة ووضع بدلا منه ما ء محلى بالسكر.. فأصبح ماء مسكر وكوكايين.. وغير اسم المنتج ووضع له اسما جديدا.. كوكا كولا… وفجأة تحولت الزجاجة التي في يد الرجل ذي الطاقية إلى زجاجة كوكا كولا.. نظر إليها باستغراب ثم شرب منها.. كان منتشيا.. وهذا طبيعي.. فكوكاكولا تلك الأيام كان فيها خط من الكوكايين في كل زجاجة.
تلونت الدنيا تدريجيا وعدنا فجأة إلى حيثما كنا قبل أن نأتي إلى هنا.. أين كنا؟ كنا عند “بابلو” الصغير وهو يمشي مع الناجين ووراءهم منازلهم المحترقة.. وقبل حتى أن نلتقط أنفاسنا.. وفور أن نظرنا إلى تلك النيران.. تموهت الدنيا حولها وأصبح كل ما نراه هو نار مشتعلة.. نار أخذتنا إلى نار أخرى .. في مكان آخر.
***
هذا العالم تنقلاته سريعة جدا ألا ترى هذا.. كنا نقف أمام مقلب قمامة يحترق .. كان يحترق ويحرق معه جميع المنازل التي تحيط به.. كانت منازل لفقراء معدمين.. كانوا يستفيدون من هذه القمامة ببيع الأشياء التي فيها.. كانوا يعيشون على خير القمامة.. والآن هي تحترق أمام أعينهم.. وصوت احتراق قلوبهم يغلب على صوت النيران في الأجواء.. كان العديد منهم يبكون حسرة على منازلهم.. وعلى قمامتهم.
كان هناك عدة مسؤولين يقفون وسطا لأهالي بينما يطفئ رجال المطافئ النيران.. المسؤولون يثرثرون ويعدون الفقراء كالعادة.. الفقراء يستمعون لهم في إحباط.. ووسط كل هذا توقفت سيارة سوداء فاخرة جدا ونزل منها الرجل.. “بابلو إسكوبار”.. كان هذا قبل الحرب التي أعلنتها أمريكا على تجار المخدرات.. ترك الفقراء كل المسؤولين الذين كانوا يحدثونهم وتجمعوا كلهم حول “بابلو”.. كان هذا شيئا عجيبا.. أليس من المفترض أنه مجرم؟
على الفور تعاقد “بابلو” مع شركة عقارية كبيرة وبنى لهؤلاء الفقراء البسطاء
_191_
أربعمائة بيت صغير جميل سلمهم إياهم واحدا واحدا.. وها نحن نرى هذه البيوت الآن مبنية بدلا من مقلب القمامة.. ثم رأينا نفس الناس متجمعين حول “بابلو” في امتنان حقيقي.. الناس هنا تعشق “بابلو إسكوبار” لو لم تكن تعلم.. هذا الرجل ينفق من ثروته الكثير جدا لمساعدة فقراء بلدته.. معظم البيوت في دولة كولومبيا بكافة أرجائها لو دخلتها ستجد فيها صورة “بابلو” معلقة.. سيقولون لك أنه الرجل الذي أكرمهم.
لقد خدم الكثير جدا من الناس خدمات جليلة.. الناس الذين لا وظيفة لهم كانوا يذهبون لبابلو.. فيعطيهم راتبا شهريا ويكلف رجاله أن يبحثوا لهم عن عمل.. الشباب الذين لا يستطيعون دفع مصاريفهم التعليمية… يدفعها لهم “بابلو” كاملة.. مرضى السرطان والإيدز أو أي مرض آخر.. يدفع لهم مصاريف علاجهم.. ويعين موظفين مخصوصين حتى يتأكد من أن جميع من يأتيه طلبا للنقود هو فعل يحتاجها.. في الأعياد مثل الكريسماس كان يعين موظفات مخصوصات يذهبن لشراء الكثير جدا من ألعاب الأطفال والحلوى ويوزعنها على الأطفال.. خمسة آلاف لعبة توزع في كل عيد.. كان فلاحو كولومبيا يسمونه “روبن هود” بسبب كل تلك الهدايا التي يغرقهم بها طيلة الوقت.
كان “بابلو” رجل طيب القلب حنونا وقاسيا وعنيفا جدا.. لا تدري كيف جمع هذا بشري واحد.. البعض كان يعتبره قديسا.. والبعض كان يعتبره وحشا رهيبا دمويا.. تتذكر كل الأشياء الرائعة التي فعلها بأمواله.. ثم تتذكر كل الأشياء الشنيعة والقتل والتفجير الذي فعله.. تقول عنه منظمة فوربس أنه سابع أغنى رجل في العالم.. لكنهم لم يستطيعوا تقدير ثروته الحقيقية أبدا.. لأن الكثير جدا منها كان مخبأ في جدران كثير من البيوت التي يملكها.
كان “بابلو” واقفا والفقراء حوله فرحون لا يعرفون كيف يعبرون له عن سعادتهم.. وكان هناك أطفال يلعبون بالكرة في ملعب صغير بناه لهم بابلو وسط البيوت الصغيرة.. كان “بابلو” شاردا ينظر إلى الكرة.. وعلى الفور تموهت الموجودات كلها وبقت الكرة وحدها واضحة.. ثم زال التموه من حول الكرة لنجد أنفسنا في مكان آخر.. وعند كرة أخرى .. وأطفال يلعبون بها في شارع آخر.. نرى بينهم “بابلو” وهو ابن عشر سنين.. ونرى أخاه “روبيرتو” بجانبه.. كان معهم ستة أطفال آخرون.. دعني أعرفك.. هؤلاء الثلاثة النظيفون نوعا ما مقارنة بالباقين هم الإخوة “أوشوا” Ochoa Brothers .. هؤلاء لمَّا كبروا صاروا أكبر عصابة مخدرات في أمريكا.. ألا تذكرهم من حديث نيكسون وسونيا؟
_192_
أما ذلك الفتى هناك والذي تبدو على وجهه صبغة الإجرام هو “جاتشا” Jose Rodriguez Gacha .. لقد تحول “جاتشا” إلى مجرم عديم الرحمة لما كبر.. كان ساديا.. ترأس واحدة من أكبر منظمات المخدرات في أمريكا اللاتينية.
وانظر هناك إلى ذلك الفتى ذي الشعر الطويل الذي يجري بالكرة.. اسمه “ليهدار” Carlos Lehdar .. وهو من أعز أصدقاء “بابلو” ومن أكبر زعماء المخدرات في كولومبيا.
وأخيرا ذلك النحيل هناك هو El Mugro أي “القذارة”.. ولا أدري لماذا اختاروا له هذا الاسم.. لم يصبح “القذارة” زعيم مخدرات هو الآخر.. لكنه أصبح الحارس الشخصي لـ”بابلو” فيما بعد.
باختصار.. كنا نشاهد مباراة كرة قدم بين أكبر زعماء تجارة المخدرات في العالم.. إن أشكالهم لا يبدو عليها ذلك أبدا.. مثلهم مثل أي أطفال يتصايحون ويلعبون ويتدافعون.
فجأة جاءت سيارة شرطة وتوقفت بجانب الصغار ونزل منها شرطي ممتلئ الجسم.. أخذ منهم الكرة وعاتبهم بعنف.. لم يفعل تجار المخدرات الأطفال شيئا.. لكن “بابلو” الصغير جمعهم إليه ثم اتفق معهم أنهم سيرمون حصى على سيارة الشرطة لو أتت مرة أخرى وأوقفت مباراتهم.. كان لدى “بابلو” حس قيادي منذ صغره.. وبالفعل أتت سيارة الشرطة مرة أخرى .. واستقبلها الأطفال بالحصى حتى كسروا زجاجها.. وعلى الفور جرى الأطفال وجرت الشرطة وراءهم حتى أمسكت بهم وساقتهم إلى القسم.. قال لهم الضابط الكبير مدير القسم:
هل تعرفون ماذا سأفعل بكم؟ ستذهبون إلى السجن.. أتدرون ما هو السجن؟ إنه المكان الذي سيعلمكم الأدب الذي لم يعلمه لكم أهلكم.
هنا رد عليه “بابلو” وقد كان أصغر الأطفال الموجودين سنا:
نحن لم نفعل شيئا خاطئا.. لقد تعبنا من هؤلاء الرجال الذين يأتون كل حين ويأخذون كرتنا.. ما مشكلتهم بالضبط.. الزجاج؟ يمكننا أن ندفع لهم ثمن الزجاج.
كان صغيرا لكنه لم يجد في نفسه أي خوف للتحدث إلى مدير القسم بهذا الصوت القوي .. لم يكن أحد يدري بأن “بابلو” سيحكم هذه المدينة يوما ما.. وسيشتري كل مدراء الشرطة هؤلاء.. وأنه سينشئ منظمة كبيرة تضم منظمات كل رفاقه هؤلاء.. منظمة تدعى “ميديلين” Medelin .. منظمة تضم منظمة “بابلو” ومنظمة “جاتشا” ومنظمة “ليهدار” وتشارك في بعض الأعمال مع منظمة الإخوة
_193_
“أوشوا”.. كانت منظمة “ميديلين” هي أكبر منظمة مخدرات في العالم.. حتى أتى ذلك القرار الأمريكي.. فاختفى كل رؤوسها الستة وأصبح الجميع يبحثون عنهم بحثا محموما بلا جدوى .. مخابرات وقوات وعصابات.. ثم أتت لحظة انقلبت الموازين كلها رأسا على عقب… لحظة انضمت فيها “سونيا أتالا” إلى قافلة البحث.
***
اقتربت الصورة من ذلك النحيل الذي يدعى “القذارة”.. وجدنا وجهه النحيل قد انقلب فجأة وتبدلت بنا الأجواء كلها لنجد “القذارة” مقلوبا مربوطة إحدى قدميه بهليكوبتر يتدلى منها وهي تطير عاليا بعصبية وتطلق النار علينا.. نحن الذين وجدنا أنفسنا فجأة مختبئين مع “بابلو” وأخيه وراء أحد الجدران.. كنا نرى الهليكوبتر ولا ترانا.. كانوا يعلقون “القذراة” بهذا الشكل وهناك من يهدده بأنه إن لم يخبر عن مكاننا سيقطعون عنه الحبل.
كان الحبل طويل متدليا من الهليكوبتر التي تطير على مستوى مرتفع جدا.. والنحيل “القذارة” معلق فيه ويساق يمينا وشمالا.. رأينا امرأة برزت من الهليكوتر.. امرأة ترتدي زيا أنيقا أبيض اللون جلديا.. كان “القذارة” ينظر لها ويصرخ ويبلغها بمكاننا.. مثله مثل القذارة حقا.. كانت هذه هي “سونيا أتالا”.. التي أمسكت قناصتها بسرعة وأطلقتها بدون انتظار ثانية واحدة.. أصابت طلقتها الحبل الذي كان يمسك بالقذارة فسقط.. وربما يكون قد مات لا ندري .. لكن أمطارا من الرصاصات نزلت على المكان الذي كنا نختبئ فيه.. لكننا نجحنا في الهرب.
بدت “سونيا” عصبية جدا واقتربت الأجواء من عينيها الرماديتين الجميلتين.. التي ضيقتهما وأغلقت إحداهما.. تموهت الدنيا ودخلنا إلى عينيها وخرجنا لنرى ما تراه.. انتقلنا بضعة أيام إلى الأمام.. كانت “سونيا” تنظر من منظار بندقيتها هذه المرة إلى “جاتشا”.. كان يتحدث مع ابنه المراهق “فريدي” في إحدى المزارع.. ونيران حولهما في كل مكان.. وهناك قوة قوامها حوالي ألف رجل ما بين جيش وشرطة كلها تمشط المزرعة بحثا عن “جاتشا”.. نجحت “سونيا” في التوصل لمكان “جاتشا” بخطة بسيطة.. أن تقبض الحكومة على ابنه المراهق “فريدي” بأي تهمة غبية لا صحة لها.. وتبقيه في السجن فترة طويلة يلقى فيها أسوأ أنواع المعاملة.. ثم تخرجه فجأة.. وبعد أن تخرجه كانت تعلم أنه سيذهب لمقابلة أبيه بطريقة ما.. فهي تعرف هؤلاء الكولومبيين جيدا.. هم يقدسون العائلة جدا ولو كانوا أعتى مجرمين.
_194_
وبالفعل توجه “فريدي” لمقابلة أبيه في إحدى المزارع.. ليجدوا السماء قد أسقطت عليهم جنودا.. “سونيا” كانت تحتفظ لنفسها بمكان الضحيتين.. وكانت تنظر لهما مليا من قناصتها.. ثم حسمت قرارها لما رأت “جاتشا” يعاتب ولده ويحتضنه في مشهد أبوي .. وهنا انطلقت من قناصة “سونيا” طلقة فضية أصابت رأس “فريدي” الصغير.. ورأت في منظار قناصتها كيف جن جنون “جاتشا”.. كان ينظر هنا وهناك محاولا تحديد مكانها.. ثم إنه فعل شيئا عجيبا جدا.. أخرج فجأة قنبلة يدوية عادية.. ولوح بها وهو يتحدث بحديث لا تسمعه من هذا البعد طبعا.. لكن واضح أنه سباب.. ثم نزع “جاتشا” فتيل القنبلة.. ووضعها في فمه.. فانفجرت في وجهه وقتلته على الفور.. وهنا أرخت “سونيا” زمام قناصتها وأظهرت عيناها الجميلتان تعبيرا يقول أنها كانت تقصد ما حدث كما حدث.. وأنها سعيدة جدا لهذا.
إن دخول “سونيا” إلى الساحة كان مميتًا بالنسبة لعصابة “ميديلين”.. وما هي إلا أيام وسلم الإخوة “أوشوا” أنفسهم للشرطة.. ولأن “أوشوا” وإخوته متعاملين مع الحكومة الأمريكية منذ البداية فقد تم الاحتيال على القانون عن طريق محامين كبار وثغرات هنا وهناك.. وخرج “أوشوا” وإخوته بكفالة ضخمة دفعوها بكل بساطة.. ولم يبق إلا “بابلو” وأخوه وصديقه “ليهدار” ذو الشعر الطويل.
***
كانت النيران في كل مكان حولنا في مزرعة “جاتشا”.. كنا نريد الخروج منها إلى مشهد آخر.. رأينا ظلًا يقترب منا.. لم نتبينه جيدا وسط الدخان.. كنت أسعل سعالا شديدا.. اقترب الظل أكثر حتى عرفناه.. إنه سكوربيون .. رائع.. لقد أصابني هذا العالم بالدوار.. أشار لنا سكوربيون لنتبعه.. مشينا وسط أحراش ونيران وأدخنة وجثث.. وأدخلنا سكوربيون إلى أحد المباني وأغلق الباب الفولاذي خلفه.. ثم ابتسم لنا بهدوء.. كانت قاعة صغيرة مكيفة مليئة بأجهزة الكمبيوتر.. ما الذي كان يفعله “جاتشا” بقاعة كهذه؟ من الصعب أن تعرف الآن.
_195_
عدنا من الاستراحة.. فتحت أحدث جهاز كمبيوتر وجدته أمامي في تلك القاعة.. لا بد أن نتابع ماذا فعلت سونيا.. هذه الشيطانة.. يا إلهي إن هذه الفتاة لا تضيع وقتًا!
بناءً على تعليمات “سونيا” تم تجميد كل حسابات “ليهدار” في البنوك وتم تدمير جزيرته الخاصة التي كانت تدعى Norman Cay .. وتلك كانت الجزيرة التي يمر عليها كل الكوكايين الداخل أو الخارج من كولومبيا.. كانت منتجعا كبيرا يعيش ويعربد فيه كما يحلو له.. المئات من الحفلات والمئات من الفتيات اللاتينيات.. والآن احترق كل هذا وامتلأت الجزيرة برجال يرتدون ملابس عسكرية ويدمرون كل شيء.. ووسطهم فتاة واحدة ترتدي زيا عسكريا ذا لون أبيض.. “سونيا أتالا”.. فتاة ظلت في الجزيرة ثلاثة أيام تحاول أن تجمع الأدلة من هنا وهناك حتى عرفت المكان الذي يختبئ فيه “ليهدار”.. وانطلقت بقوة من الرجال إلى مكانه بسرعة.. ولكن قبل أن تصل إليه كان قد سلم نفسه للشرطة.. شعرت غريزة القناصة التي بداخلها بالغيظ والغضب.. تم شحن “ليهدار” إلى أمريكا وما زال حتى يومنا هذا يقضي فترة سجنه الأبدية هناك.
وفجأة وبدون سابق إنذار حدث شيء ما أشعل النيران أكثر في قلب “سونيا”.. سلم “بابلو إسكوبار” نفسه للحكومة.. كان خبرا صادما جدا.. لكن ليس الأمر بالبساطة التي يبدو بها.. الحقيقة هي أن “بابلو” عقد صفقة مع رئيس كولومبيا “جافاريا”.. صفقة تقول أنه مستعد أن يوقف الحرب والتفجيرات المجنونة التي يقوم بها يوميا في كل مكان في البلد بشرط أن يلغى تماما القانون الأمريكي الخاص بتسليم تجار المخدرات إلى أمريكا.. يلغى رسميا في نص قانوني واضح.. وبشرط أن يدخل “بابلو” السجن لمدة 30 سنة يتم تخفيفها إلى 7 سنوات فقط.. وبشرط ألا يدخل “بابلو” السجن الحكومي العادي بل يبني لنفسه سجنا خاصا به.. هو الذي يبنيه ويؤمنه تأمينا كامل.. وأن يكون سجنا على طراز منتجعات الخمس نجوم.. كانت الشروط جنونية ولكن كولومبيا كانت قد تحولت لجحيم حقيقي.
اتصل الرئيس “جافاريا” بنائب الرئيس “بوش” الأب للتفاهم معه.. “بوش” طبعا لم يوافق على كل هذه الشروط.. لكن “جافاريا” عرف كيف يجعله يوافق.. أمسكه من اليد التي تؤلمه.. فالحقيقة أن الرئيس الأمريكي أيامها كان يجمع تصويتات الأمم المتحدة لعمل حرب على “صدام” ليخرجه من الكويت.. وكان الرئيس “جافاريا” مصوتا ضد القرار.. فوافق “جافاريا” على تغيير صوته ليوافق
_196_
على حرب الخليج.. بشرط أن يوافق “بوش” على شروط “بابلو” ويلغي قانون التسليم هذا تماما.. وبالفعل وافق “بوش” على إلغاء القانون .. ولهذا كانت هناك كلمة تقال في كولومبيا: إن حرب الخليج قد أتت بالسلم إلى كولومبيا.
وها هو “بابلو إسكوبار” يخرج أخيرا من مكمنه في جمع كبير من رجال يحرسونه.. كان يرتدي البلو جينز كعادته وتيشيرت أبيض عاديا جدا ونظارات شمسية.. ويمسك بالراديو الموتورولا الخاص به.. كان الوضع خطرا جدا لأن الكثيرين لم تكن مصلحتهم في أن يتفق “بابلو” مع الحكومة.. دخل “بابلو” إلى هليكوبتر خاصة بالرئاسة… طارت به على الفور تجاه سجنه الذي بناه خصيصا من أجل نفسه.. سجنه الذي كان يطلق عليه اسم “الكاتدرائية” La Cathedral .. سجن ليس فيه من كلمة السجن أي حرف أو صفة.. كان أشبه بفندق.. وها هو “بابلو إسكوبار” ينزل من الهليكوبتر ويتجه في صف من الحراس إلى منتجعه وبجانبه أخوه “روبيرتو”.. ووسط كل هذا لمحت ذلك الرجل ذا الطاقية والمعطف الأسود.. لا أدري ما دخله بكل هذا لكنه كان واقفا على المبنى المقابل وعباءته تتطاير مع الهواء.. وكالعادة حين نراه تموهت الأجواء لتأخذنا بعيدا عن هنا إلى عالم من الأبيض والأسود.
***
عدنا بالزمن إلى الوراء.. أمريكا.. السنوات الأولى من القرن العشرين أو الـ 1900 كما تقال بالأرقام.. الكل كان منتشيا.. أدمغة الكل كانت تسبح في مستويات عالية دائما.. لأن الكوكايين إلى جانب أنه يزيد من ثقتك بنفسك وقوتك فهو يجعل دماغك تسبح في بحر من الدوبامين.. والدوبامين هو هرمون السعادة.. فتصبح منتشيا دائما.. كان أصحاب الأعمال يجبرون العمال على تناول الكوكايين لأنه يزيد من قدرتهم على العمل بشكل كبير.. لكن هذا خلق مشكلة بسيطة.. إنه يزيد من شجاعة الطبقة الكادحة.
حين تتناول الكوكايين فأنت تشعر أنك لا تقهر ولا يخيفك شيء.. هذا يجعلك أكثر خطرا على النظام من الشخص العادي.. وكذلك الحشيش لم يكن ممنوعا.. لكن الحشيش كان يصنع مشكلة من نوع آخر.. فأنت حين تتناوله ورغم أنه يجعلك أبله فإنه يجعلك تفكر بشكل أوضح.. والنظام لا يريد منك أن تفكر بشكل أوضح.. ولذلك اتخدت الحكومة الأمريكية قرارها بعد تفكير.. لا بد لهذه الأشياء كلها أن تحرم.. كان هذا أكثر أمنا.. لكن كان يجب أن يجدوا ذريعة تبرر هذا التحريم المفاجئ.. وقد وجدوا هذه الذريعة ببساطة.
_197_
أخرج الرجل ذو الطاقية من معطفه الأسود الطويل جريدة محلية شهيرة وبدأ يقرأ فيها.. كان العنوان غريبا: “شياطين الكوكايين السود”.. يقول المقال أن هناك علاقة بين زيادة نسبة العنف في الشوارع وبين الكوكايين.. يقول كاتب المقال أن من يتناول الكوكايين غالبا هم السود المجرمون بالفطرة.. وعندما يأخذونه يتحولون إلى وحوش كاسرة لا يمكن إيقافها.. يتحولون إلى شياطين.. شياطين تغتصب النساء البيض في الشوارع طيلة الوقت.. يقول المقال بالنص: “أن تعطي الكوكايين للنيجرو هو أسوأ من أن تحقن كلبا بالسعار”.
أثار هذا المقال ومقالات شبيهة غضبا جماهيريا كبيرا.. غضبا جماهيريا ضد السود.. لأن الشعب لم يكن قد تعافى بعد من العنصرية ضدهم.. فقرار تحريرهم من العبودية لم يكن قد مضى عليه أربعون عاما..وفجأة بدأنا نرى رجال الشرطة في الشارع بجوار ذلك الرجل ذي الطاقية يجرون وراء السود ويضربونهم بالنار ويعتقلونهم ويضربونهم ضرب الكلاب.
وفجأة بعد هذه الأحداث أصدرت الحكومة الأمريكية قرارها.. تم تحريم الكوكايين.. والحشيش.. وكافة المواد التي تجعلك سعيدا.. وشجاعا.. كان قرارا شهيرا جدا اسمه Harrison Narcotics .
بعد هذا القرار اضطر الدكتور “بامبيرتون” صاحب الكوكا كولا إلى إزالة الكوكايين من تركيبته.. فلم يعد في تركيبته خمر ولا كوكايين.. فكر في تغيير اسم المنتج مرة أخرى من كوكاكولا إلى اسم آخر.. فكر في إزالة كلمة كوكا التي ترمز للكوكايين لكنه عدل عن رأيه وفكر في أمر آخر.. سيبقي الكوكايين كما هو في التركيبة لكنه سيزيل منه الألكالويد المسبب للنشوة والذي يدعى “الإيكوجينين”.. وهكذا فعل.. وأصبح الكوكايين الموجود في الكوكاكولا حتى يومنا هذا هو كوكايين معالج.. وأصبحت هناك شركة متخصصة في إزالة الألكالويد من الكوكايين لأجل شركة كوكا كولا.. تدعى شركة Stepan .. وهي الشركة الوحيدة حتى يومنا هذ المصرح لها بشراء الكوكايين لمعالجته.. هذه الشركة تستورد سنويا أكثر من 150 طن من الكوكايين لأجل الكوكا كولا.. تحولت الزجاجة في يد الرجل ذي الطاقية مرة أخرى .. هذه المرة أصبحت كوكاكولا بالكوكايين المعالج.. ظل يشرب منها ويشرب ثم أبدى تعبيرا ممتعضا ورماها بعيدا.. فلم تعد تسبب أي نشوة.
تابعنا الزجاجة بأبصارنا وهي تطير في الهواء.. تموهت وفجأة الأجواء وانتقلنا إلى زجاجة أخرى .. في مكان آخر.. انتقلنا إلى المنتجع الذي بناه “بابلو إسكوبار” لنفسه وسماه سجنا.. ولقد رأينا هناك عجبا.
***
_198_
ها نحن أولاء في هذا العالم أنا وأنت كما وجدنا أنفسنا نقضي اليوم مع “بابلو إسكوبار” وأخيه في هذا المنتجع.. كان هذا الرجل عجيبا جدا.. لن تتخيل ما رأيناه.. كان هناك طابور من الزوار يأتونه كل يوم في هذا المنتجع ومئات من الرسائل ترد عليه يوميا.. الزوار يأتونه طلبا للمعونة المالية أو الاستشارات.. نعم فبالنسبة لهم كان “بابلو” بطل لا يحدث في التاريخ سوى مرات نادرة.. بطل أتى من بيئة الشارع مثلهم ووصل إلى أعلى قمة يمكن أن يصل إليها أي أحد.. كان وقته مشغولا طوال اليوم بمقابلة الزائرين وتعيين موظفين خاصين للتأكد من حاجتهم للمال فعلا.. وكان يعقد الكثير من الحفلات وتأتيه الكثير من الفتيات يبتن عنده أياما.. وكان يزوره نجوم المجتمع من الممثلين والرياضيين والسياسيين.. ذات مرة عقد احتفالا لملكات جمال كولومبيا وقضين عنده أياما.. كان الأمر جنونيا لدرجة أنه كان يتصفح المجلات وينتقي منها فتيات موديلز يعجبنه.. فيأتون بهن إليه من أي مكان في العالم.
كان يمارس تجارته كما كان بل وبكفاءة أكبر.. الفرق أنه الآن أصبح مؤمنا أكثر.. تحت حراسة الحكومة.. حقا كان “بابلو” ذكيا جدا.. ووسط ذلك الطابور اليومي من الزوار.. رأينا أنا وأنت زائرة جميلة جدا.. فاتنة.. ترتدي ثوب سهرة أبيض شديد الأناقة.. أنا وأنت كنا نعرفها جيدا.. “سونيا”.. والتي يبدو أنها قررت أن تأتي بنفسها إلى هنا.. كانت واقفة في الطابور وسط الفقراء.. كان مظهرها عجيبا وهي واقفة وبجانبها امرأة فقيرة مكافحة أكل عليها الزمن وشرب تحمل طفلها العاري وتنظر لسونيا بنظرات لايمكن التعبير عنها بالكلمات.. وكان وراءهما رجل نظيف يرتدي عباءة سوداء وطاقية سوداء.. هذا الرجل بدأ يستفزني.. يبدو لي أنه لا يظهر إلا في المصائب.. ويبدو لي أنه لا أحد يراه سوانا.. دخلت “سونيا أتالا” إلى سجن الكاتدرائية الشهير وتوجهت إلى الغرفة التي يجلس فيها “بابلو”.. لم يكن “بابلو” يعرفها شكلا.. وكان هذا المشهد..
بدأ المشهد بعدة فتيات جميلات يمازحهن “بابلو” بالداخل.. ثم دخلت “سونيا”.. حقا إنها فاتنة هذه الأفعى.. ولو أنني مخرج سينمائي لتفننت في إظهار لقطة دخولها هذه و لآخذن عليها جوائز سينمائية عديدة.. كانت بهية لدرجة أن “بابلو” سكت غير قادر حتى عن سؤالها من هي.. فقط سكت “بابلو” وانتظرها حتى تتحدث.. دخل في تلك اللحظة الرجل ذو المعطف الأسود لكن أحدا لم يهتم ولم يلحظ وجوده.. قالت “سونيا” كلمة واحدة بدت كافية جدا للتعارف:
“سونيا أتالا”
_199_
توتر “بابلو” توترًا حقيقيًّا سببته المفاجأة.. و سببه أنه لم يتوقع أن تكون منافسته ملكة الكوكايين بهذا البهاء والجمال.. وتعجب أن الظروف لم تجمعهما في أي مرة من قبل.. وتعجب أكثر من أنها جاءت إلى هنا بنفسها .. لم يكن يعلم عن علاقتها بالحكومة الأمريكية.. و لم يكن يعلم أنها تريد رأسه .. لو يكن يعلم أنه منذ دخولها إلى الساحة بدأت الحرائق و الخسائر وبدأ شركاؤه يتساقطون .. و لم يبقى إلا هو جالسا في سجنه المؤَمن فرحًا مطمئنًا .. لم يفهم الجميع سبب هذا الوجوم الذي ظهر على “بابلو” وتلك الداخلة لم تقل سوى كلمة واحدة فقط.
توتر حرس السجن وتأهبوا لاتخاذ حركة ما .. لكن “بابلو” لاحظ الحركة ورفع يده بحزم .. ثم إنه في اللحظة التالية طرد كل الموجودين بما فيهم أخيه .. فقط بقي وحده معها .. و كنا أنا و أنت أيضًا هناك .. نحن لا يرانا أحد في هذا العالم كما تعرف .. أيضًا كان هناك ذلك الرجل الغير مفهوم ذو الطاقية السوداء و العباءة .. بدا واضحًا الآن أنه غير مرئي هو الآخر .. أتاه زائرًا إلى هذا العالم مثلنا؟ لا يبدو لي كذلك .. في تلك اللحظات اقتربت “سونيا” من “بابلو” بخطوات بطيئة و هي تقول:
اليوم سيكون آخر يوم لك.
تحفزت يد “بابلو” على شيء ما في جيبه فنظرت إلى يده و أكملت:
في هذا المكان.
تعجب قليلًا من قولها فقالت :
يجب أن ترحل من هنا يا “بابلو” .. إنهم آتون لقص رأسك .. الرئيس “جافاريا” الذي عقدت معه المعاهدة سيخرقها و سيرسل إليك قوة لن تدري عن مداها إلا لو رأيتها.. سيقتلونك و سيجعلون منك أكبر كبش فداء في هذه اللعبة.
قال لها بغضب:
ولكن هذا ليس من مصلحتهم .. ثم ما مصلحتك أنت بالذات ولماذا أتيت إلى هنا؟
قالت بهدوء:
أنت أحمق يا “بابلو” .. كان من المفروض أن تتعاون مع الحكومة مثل أصدقائك الإخوة “أوشوا”.. أو مثلي أنا .. فالمصالح مشتركة ولكنك تحب العمل وحدك كالأحمق.
قال لها بدهشة:
_200_
أنت تعملين معهم؟ ولماذا أنت هنا لتحذيري إذا؟
قالت له بهدوء أفعى:
حتى أقتلك.
لم يفهم “بابلو” شيئًا.. لو كانت تريد قتله لماذا تحذره.. ولو كانت تريد قتله كيف تأتي وتتحداه هكذا في مقره.. قالت له “سونيا”:
لا تفكر كثيرا يا “بابلو”.. أنا القناصة التي ربما سمعت أنها تسعى وراءك والتي أذاقت منظمتك الويل.. وأسقطت أصدقاءك واحدا تلو الآخر.. ولم بتبق لها سوى رأسك الوسيم.. ولقد علمت أن الحكومة ستأتي لقتلك غدا هنا في منتجعك الفاخر.. وأنا لا يعجبني أن يقتلوك قبل أن أقتلك أنا.. ولهذا أتيت لأحذرك لتهرب من هنا.. وأكمل المطاردة التي أفسدتها علي باستسلامك ودخولك لهذا المنتجع.
***
كان “بابلو” ينظر لها في دهشة صامتة.. وحوله تموهت الصورة كلها.. نظرنا إلى “سونيا”.. كانت واضحة والصورة متموهة حولها هي أيضا.. ولما زال التموه أصبحنا في مكان آخر.. أنا وأنت.. و”بابلو” و”سونيا”.. وصاحب الطاقية.. المكان هو أحد أحياء المدينة.. كان هناك الكثير من الجنود.. ما يقرب من مائة رجل.. هليكوبترات التعقب تعلو الأجواء وقد نجحت في تحديد موقع “بابلو إسكوبار” بعد أن غافل الجميع وهرب من السجن فجأة.. شهورا ظلوا يبحثون عنه حتى نجحوا في تعقب اتصال واحد قام به بغير حذر.. اتصال بابنه “جوان” ليطمئن عليه.. ولقد وصلوا إلى مكانه أخيرا.. إنه في ذلك المبنى هناك.. الرجل ذو الطاقية يقف على سطح مبنى قريب ينتظر… “سونيا” اندست في مبنى مواجه وأعدت قناصتها الفضية جيدا.. القوات تستعد لاقتحام المبنى.. فجأة خرج حارس “بابلو” الشخصي من المبنى.. فتم رشه مباشرة بمئات الطلقات.. تحفزت “سونيا” على قناصتها ووجهتها ناحية سطح المبنى.. ثم فجأة برز “بابلو” على سطح المبنى يجري .. نظرنا إلى الأسفل.. كانت القوات قد بدأت تدخل إلى المبنى لتلحق ببابلو على السطح.
أصبحنا نشاهد المنظر من قناصة “سونيا”.. “بابلو” على السطح يحاول أن يجد مكانا يقفز إليه.. جاء رأس “بابلو” في منتصف علمة القناصة.. تحفزت يد “سونيا” على الزناد.. لكن “بابلو” انحنى فجأة ليختفي وراء أحد الصناديق..
_201_
لم تمض ثوان إلا وفتحت القوات باب السطح ونزلوا على السطح كأنهم النمل.. كان هؤلاء هم قوات الـ Delta Force الأمريكية لمكافحة الإرهاب العالمي.. كانت نهاية “بابلو” حتمية.. يستحيل أن تهرب من كل هذا إلا لو كنت شيطانا.. خرج “بابلو” من وراء الصندوق وأصبح ظاهرا مرة أخرى في قناصة “سونيا”.. كان يركض والقوات تشهر أسلحتها ناحيته وتستعد للإطلاق على الفور.. وهنا فعل “بابلو” شيئًا عجيبًا.
استدار فجأة ونظر إلى “سونيا” مباشرة بنظرة ساخرة.. توترت سبابة “سونيا” على الزناد وضيقت عينيها الجميلتين.. كان “بابلو” في هذه الأثناء قد أخرج مسدسه بسرعه وصوبه إلى رأسه وأطلق بسرعة وهو ينظر إليها ساخرا.. ثم سقط على الأرض.. ومن ورائه جاءت عدة طلقات أصابه بعضها وهو ساقط وأخطأه بعضها.. أطلقت “سونيا” سبة بلغتها وأرخت صمام بندقيتها.. وتراخت صمامات قلوبنا بعد كل هذا التوتر.
“بابلو إسكوبار” الرجل الذي دوخ قوات أمريكا كلها سقط اليوم على هذا السطح.. كان دائما يقول بأنه يفضل قبرا في كولومبيا على أن يذهب إلى سجن في أمريكا.. ولقد حقق مقولته اليوم.
في أيامنا هذه وبتكنولوجيا اللحظة الواحدة يمكن للمرء أن يصير أسطورة في لمح البصر.. أسطورة تتناقلها المجلات العالمية والقنوات ثم تختفي الأسطورة وتموت بنفس سرعة ظهورها لأنها لم تكن أسطورة أصلا.. غثاء سيل يذهب سريعا.. أما الأساطير الحقيقية مثل “بابلو إسكوبار” فقد نقشت أسطورتها ببطء حتى وصلت لمرحلة الأسطورة التي تعرف عالميا بالاسم الأول فقط.
كانت جنازة “بابلو” مهيبة جدا.. مشى فيها أكثر من عشرين ألف شخص.. واليوم، الناس من كل أنحاء العالم يأتون لزيارة قبر “بابلو إسكوبار” لأخذ صورة تذكارية عنده.. أعظم مجرم في التاريخ.. بل إن قوات الـ Delta Force التي هجمت عليه فوق ذلك السطح أخذوا صورة تذكارية مع جثته.. صورة اشتهرت جدا وذاع صيتها في تلك الفترة.. أمريكا قتلت “بابلو إسكوبار”.. أمريكا انتصرت في جولة مهمة جدا من حربها ضد المخدرات.. ورغم أن نسبة المخدرات التي تدخل أمريكا لم تنقص ميلليجراما واحدا بعد مقتل “بابلو”.. بل ربما زادت.. فإن الجميع كان يهلل ويهتف لأمريكا.. War On Drugs .. أكبر حملة في التاريخ على المخدرات.. كانت في حقيقتها حملة هزلية.. لم تكن إلا غطاء يخفي به الكبار أفعالهم القذرة.. هذا على مستوى أمريكا.. وكل الحملات الصغيرة التي تجد الدول قد أطلقتها فجأة ضد المخدرات هي أيضا حملت هزلية الغرض منها التغطية على صفقة ما من
_202_
صفقات الكبار.. هنا في أرض السافلين نعرف السافلين بأسمائهم.. حتى عندما تعود لتعيش في عالمك العادي تكون مرتاح البال ولا يخدعك أحد.
***
انحنى ذلك الرجل ذو القبعة السوداء على جثة “بابلو”.. وتموهت الأجواء كلها حوله.. اقتربنا منه محاولين أن نرى شيئا من ملامحه.. لكننا لم نقدر.. وعندما زال تموه الأجواء أظهر لنا مشهدا بالأبيض والأسود.. يبدو أننا لن ننتهي من هذا الرجل أبدا.
لقد تعبت نفسي من هذه الانتقالات الزمنية.. لكن يبدو أنها على وشك أن تنتهي.. أخذنا هذه المرة إلى العشرينات.
بعد تحريم الكوكايين والحشيش استيقظت بعض الحركات الإصلاحية وطالبت بتحريم الخمور أيضًا.. لأن الخمور في حقيقتها أكثر مدعاة للعنف من سواها لأنها تلغي العقل تماما فلم يعرف شاربها ما فعل؟ ولا متى فعل؟ وأين فعل؟ ليست مثل المواد المخدرة التي حرموها والتي تبدو كحلويات أطفال في إثارتها للعنف إلى جانب الخمور.. والعجيب أن هذه الحركات قد لاقت نجاحا كبيرا وانقسم الناس في أمريكا إلى قسمين.. فريق يؤيد الجفاف Dry .. وفريق يؤيد البلل Wet .. يعنون بالجفاف منع الخمر تماما وتجفيف أمريكا منها.. ويعنون بالبلل العكس.. وفي حركة مفاجئة من الحكومة الأمريكية.. صدر قرار بتحريم الخمر تحريما تاما في أمريكا كلها.
وهنا نظر ذلك الرجل ذو الطاقية ناحيتنا.. للمرة الأولى نرى ملامحه بوضوح.. تبدو ملامحه مألوفة نوعا ما.. عرفته.. إنه “آل كابون”.. أبو المجرمين وسيدهم في عالمنا الحديث.. كان هو طيلة الوقت إذا.. لكن ما دخله بكل الأحداث التي شهدناها؟ لا ندري .. كانت هناك حركة غير اعتيادية تحدث حول “آل كابون” الآن.. هل ترى ما يفعله الناس في الشوارع بأمريكا؟ إنهم يرمون زجاجات الخمر في الشوارع.. الكازينوهات تكسر براميل الخمر وتسيلها في الشوارع.. من كثرة زجاجات الخمر أصبح الناس يقسمون أنفسهم فرقا.. فريق يجمع الزجاجات.. وفريق يمسك بها وفريق يكسرها وفريق ينظف الزجاج المكسور.. وفريق يحمل البراميل وفريق يضربها بالفؤوس.. أصبحت شوارع أمريكا أنهارا من الخمر تسيل لتصب في أقرب نهر أو تنزل إلى المجاري ..مباشرة استحضر ذهني ما قرأته عن يوم حرمت الخمر في الإسلام وكيف كان الصحابة يسكبونها من الجرار حتى امتلأت بها طرقات وسكك المدينة أنهارا.
_203_
وبينما أنا أنظر إلى الأمريكيين وهم يسكبون زجاجات وبراميل الخمر هنا وهناك إذ رأيت بعض العرب يرتدون ملابس القدماء ويتحدثون العربية ويمسكون بجرار خمر ويسكبونها معهم.. إنها الصورة التي استحضرها عقلي منذ ثوان .. رأيتها حية متشكلة أمامي.. هذا جنون .. نظرت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.. عجبا لهذا التاريخ الذي تتكرر مشاهده.. وعجبا لهذا العالم.. مهلا مهلا انظر هناك.
كان هناك مجموعة من الأمريكيين ومجموعة من العرب القدماء يجرون وراء رجل روماني يرتدي ملابس قليلة ويبدو شعره وكأنه عناقيد عنب.. وهو يحاول أن يهرب منهم.. هذا “باخوس”.. إله الخمر عند الرومان.. ها هم يحيطون به.. وها هم العرب يستلون سيوفهم ويخرج الأمريكان بنادقهم.. وها هو يستلقي بدمائه على الأرض.. أمسكت برأسي.. لقد بدأت أصاب بالجنون من مشاهد هذا العالم.. وقعت عيني بعدها على “آل كابون” وهو ينظر إلى كل هذا بتشف وسعادة بالغة لم أفهم سببها.. ثم استدار وغادر المكان.. وغادرنا وراءه.
***
إن تحريم الخمر في أمريكا كان مثل الفرصة الذهبية التي أتت على طبق من ذهب لعصابات المافيا في أمريكا والعصابات الأخرى .. هؤلاء نشاطهم كان محدودا في الدعارة والقمار وأعمال الإجرام العادية.. لكن بعد تحريم الخمر.. أصبح لهم نشاط رئيسي هام جدا.. تهريب الخمر.. ورغم أن المخدرات كانت قد منعت هي الأخرى قبل الخمر فإن الخمر كانت أم الخبائث.. وأم المرغوبات.. فكان تركيز العصابات عليها.. كان “آل كابون” هو أكبر مهرب للخمر في تلك الفترة.. ينافسه في ذلك كثير من عتاة الإجرام.. ولأجل هذا التنافس.. اندلعت حروب عصابات كثيرة جدا.. حروب مميتة شكلت ملامح العشرينات ذات الزئير.. العشرينات المتوحشة.. أو Roaring Twenties كما يدعونها.
كان هناك الكثير من المهربين.. حتى إنك لتجد واحدا في كل مربع سكني.. كانوا يصنعون الخمر في كل مكان تقريبا.. ويخبئون الزجاجات في أماكن مبتكرة.. مثلما يحدث مع المخدرات في أيامنا هذه.. وكانوا يرشون كبار المسؤولين في الدولة كما يفعل تجار المخدرات أيامنا هذه.. عندما تحرم أي شيء مرغوب جدا فهذا ما يحدث في المقابل.. انتشرت الجريمة انتشارا رهيبا وزادت حروب العصابات زيادة رهيبة.. وفجأة.. وبعد حوالي عشر سنوات.. فطنت الحكومة الأمريكية أن الجريمة التي منعت الخمور لأجل الحد منها قد زادت أضعافا مضاعفة بسبب منع الخمر..
_204_
عندها نزلت البشائر في الجرائد بأن الحكومة تنظر في قانون تحريم الخمر وتجهز لإلغائه.
جن جنون “آل كابون”.. وجن جنون زعماء المافيا وزعماء العصابات كلهم.. إن تشريع الخمر مرة أخرى سيعني أنها ستكون متاحة للجميع وسيرخص سعرها وستنهدم تجارتهم كلها رأسا على عقب.. تلك التجارة التي أصبحوا يتحاربون عليها حروبا شنعاء.. كلها ستنهدم كأن لم يكن لها وجود.. بقرار واحد فقط من الحكومة.. ولأول مرة في تاريخ الإجرام والمجرمين.. يدعو المجرمون بعضهم بعضا إلى اجتماع عاجل.. اجتماع لكبار زعماء عصابات الإجرام في أمريكا والعالم.. اجتماع تاريخي في عالم الإجرام.. كان اسمه Atlantic City Conference .. تموهت الصورة حول “آل كابون” الذي كان يبدو غاضبا جدا.. وانتقلنا معه إلى داخل المؤتمر.. مؤتمر مجرمي العالم.
***
نجلس معا داخل قاعة مؤتمرات تبدو وكأنها أعدت للأمم المتحدة . . يجلس معنا اليوم أعتى مجرمي العالم في تلك الفترة المتوحشة.. يجلس بجانبي Johnny Torrio الملقب بالثعلب.. زعيم المافيا في شيكاجو مدينة الإجرام.. بجانبك أنت يجلس لوسيانو المحظوظ Lucky Luciano بتلك الطعنة الغائرة في وجهه.. وهو زعيم المافيا في الولايات المتحدة الأمريكية كلها.. يجلس بجانبه هناك رئيس الوزراء.. ليس رئيس وزراء الحكومة وإنما هكذا يلقبونه في عالم المجرمين.. يدعى Frank Castello زعيم إمبراطورية القمار.. في الجهة المقابلة يجلس الكثير من الزعماء ذوي الأشكال التي لا تسر وبينهم يجلس رجلنا صاحب الطاقية.. آل كابون .. هناك أيضا الملك سليمان أو Charles Solomon الروسي المتعجرف اليهودي المجرم.. بجانبه يجلس الرجل الملقب ب”الدماغ”.. Mayer Lanskey .. والكثير جدا من المجرمين الذين لن أعدهم لك لأن المؤتمر كان قد بدأ الآن.. افتتحه لوسيانو المحظوظ بقوله:
الحكومة منعت الخمر.. أرادت أن تحد من العنف.. لكن ما حدث هو أن هناك زيادة في العنف.. والآن تريد الحكومة أن تسمح بالخمر مرة أخرى بعد أن عرفوا خطأهم.
_205_
رد عليه الثعلب:
نحن أمام فاجعة كبرى ستضرب عالمنا في مقتل.. هم سيجعلون الشيء الذي نتاجر فيه بأغلى الأثمان الآن متاحًا.. عندما كان محرما كان غاليا.. أما الآن فهو متاح ولا قيمة له.. والـ..
تدخلت أنا في النقاش مقاطعا الثعلب في منتصف كلمه بجرأه وقلت:
أنا لا أفهم شيئا.. الخمور كانت ممنوعة.. والآن ستصبح مسموح بها.. أفهم من كلامكم أن الدولة بهذه الحركة وحدها قضت على تجارة تهريب الخمور كلها؟
قال لي “آل كابون”:
نعم.. هو كذلك.. وفيمَ اجتماعنا هنا إذًا؟
قلت لهم:
ولماذا لا تفعل الحكومة هذا مع المخدرات حتى تقضي على تجارة المخدرات؟ إنهم يمنعون المخدرات ويقبضون على من يجدونها بحوزته ويسجنونه ويحاكمونه وكأنه الشيطان ذاته.. لماذا لا يسمحون بالمخدرات كما سمحوا بالخمور؟
قال الثعلب غاضبا:
هل تريد أن تقضي علينا تماما يا فتى؟ لو سمحوا بالمخدرات أيضا سنجلس نحن في بيوتنا.. سنعود لما كنا نفعله منذ قرون.. الدعارة والقمار وهذه الأمور التي لا يقارن ربحها بربح تجارة الممنوعات.. الحكومة أسدت لنا معروفا كبيرا لا يدرونه لما منعوا هذه الأشياء.. فهي مرغوبة جدا عند الناس.. وسيشتريها الناس بعد منعها ولو باع الواحد منهم كل ما يملك.. فأجسادهم لم يعد بإمكانهم السيطرة عليها.. لقد تكونت فيها شهوة جديدة لم تكن فيها.. رغبة رهيبة في هذا الشيء.. رغبة تجعلهم يفعلون أي شيء في العالم لأجل شمة واحدة أو حقنة واحدة أو شربة واحدة من هذا الشيء.
قلت له محتجا:
ولكن لو سمحوا بالمخدرات وجعلوها متاحة للجميع سيزيد عدد المدمنين عليها وستتكون مشكلة رهيبة أخرى و..
هنا تحدث رئيس الوزراء مقاطعا إياي في هدوء.. قال لي:
مهلا أيها الفتى.. يبدو أنك حقا لا تعرف شيئا.. اسمعني جيدا.. لولا أن الحكومة سمحت بالخمور ببساطة وبقرار واحد ما كنت رأيتنا الآن ونحن زعماء الجريمة في العالم قد اجتمعنا هنا اليوم حتى نجد حل لهذه المصيبة التي أحلت بنا..
_206_
انظر حولك إلى وجوه الحاضرين هنا.. كل هؤلاء يتاجرون في تهريب الخمر.. واليوم هؤلاء كلهم مهددون بالجلوس في بيوتهم.. الخمر شيء شرير.. نحن نعرف هذا جيدا.. وكذلك المخدرات شيء شرير.. ولكن قوانين المنع الصارمة هذه.. مداهمات البوليس.. المحاكمات الشديدة.. حبس المتعاطين والبائعين.. كل هذا كان أغبى طريقة من الحكومة للتعامل مع هذا الشر.. إن المنع بهذه الطريقة قد جعل هذه الرذيلة تنزل إلى العالم السفلي.. عالمنا نحن.. ولما نزلت إلى عالمنا وأصبحت ممنوعة تضاعف سعرها مائة مرة على الأقل.. مما جعل المدمن الغير قادر على كبح جماح نفسه والذي كان يشتري هذه الأشياء سابقا بسهولة وبنقود قليلة.. مستعد الآن لأن يفعل أي شيء ليحصل على ذلك المبلغ الرهيب من المال ليسد تلك الرغبة العجيبة التي تولدت داخله.. بالتالي زاد معدل الجريمة.. فهذه القوانين الصارمة المانعة فشلت فشلًا ذريعا في كل شيء.. لم تنقص معدل الجريمة، بل زادته.. لم تنجح في تحديد استخدام هذه الأشياء، بل زادته.. فشلت في تقليل عدد المتعاطين، بل زادتهم.. الحكومة فهمت هذه المعادلة فيما يخص الخمور.. ولذلك عرفت أن الحل هو في السماح بها.. وبعد حين من الدهر ستفهم الحكومة هذا أيضا فيما يخص المخدرات.. وستسمح بها أيضا.
قلت له:
المخدرات أكثر مدعاة للإدمان من الخمور.. كيف يكون الحل هو السماح بها هكذا.. سيتولد لديك أمم من المدمنين لا قبل لك بهم.. هل تعرف معنى الحديث الذي تتحدث به؟
تحدث المتعجرف اليهودي الروسي الملك سليمان وقال:
أيها الغريب.. هل الخوف كله عندك من أنه لو تم تشريع المخدرات وأصبحت متاحة في كل مكان ستزيد نسبة استخدامها عند الناس؟ هذا خاطئ.. لا توجد علاقة بين شدة القوانين وبين زيادة الاستخدام.. قوانين تعاطي المخدرات والحشيش صارمة جدا في السويد ومتساهلة جدا في النرويج.. والبلدان فيهما نسبة متقاربة من المتعاطين.. هولندا التي سمحت ببيع الحشيش في المقاهي، معدلات استخدام الحشيش فيها من أقل المعدلات في العالم.. لو شرعتها يمكنك أن تتحكم بها.. لو جرمتها ستنزل إلى العالم السفلي وساعتها سيكون التحكم بها شبه مستحيل.
قلت له بغضب:
و الأمم من المدمنين الذين سيولدون نتيجة تشريعك هذا ماذا ستفعل فيهم؟
_207_
قال لي:
المخدرات ليست مشكلة البوليس يا هذا ولم تكن أبدا مشكلة البوليس.. المخدرات أولا وأخيرا مشكلة صحية ليس إلا.. ولو كان لها حل ما فلن يكون عبر رجل شرطة يقبض عليك ويرمي بك في السجن.. إنما سيكون عبر طبيب مدرب تدريبا جيدا.. طبيب ستكون مهمته الوحيدة هي تخفيف وإقصاء هذا الاحتياج من جسدك.. لن يحتاج المدمن أن يسرق أو يفعل أي جريمة للحصول على غرضه فهو متوفر في كل مكان.. ولو أدمن بشكل كبير عندها يذهب للمصحة لتتم معالجته ويشفى.. لا تصدق تلك الادعاءات بأن المخدرات تولد العنف.. ما يولد العنف هو منع المخدرات.. حتى الخمور التي هي أكثر مدعاة إلى العنف ليس من الصحيح تجريمها.. بل الصحيح هو السماح بها قانونيا كما هي وتحذير الناس منها ومن أخطارها لأنها شيء شرير.. لكن أن تمنعها قانونيًا وتقبض على الناس الذين يتعاطونها.. أنت هكذا تخلق شبكة سفلية.. هذا خطأ.. السماح بالمخدرات والخمور سيحسن من موارد الدولة وسيجعل الشرطة تنشغل بالجرائم العادية بدلا من ملحقة البودرات ومتعاطيها وتجارها طوال الوقت.
قال ذلك الرجل الملقب بالدماغ:
ها أنت ذا ترى أمامك.. المخدرات يستخدمها الناس منذ قرون طويلة.. والخمور كذلك.. لم تحدث مشكلة إلا في قرننا هذا.. مع قوانين المنع والتحريم الحمقاء هذه.
تحدث تشارلز لوسيانو زعيم المافيا بتلك الندبة في وجهه وقال بحدة:
أرى أنك أشغلتنا وأبعدتنا عن الأمور التي أتينا للتحدث فيها.. ودعوني أختم هذا النقاش إلى الأبد.. الحل في المخدرات هو أن يتم السماح ببيعها قانونيا بلا مشاكل.. سواء ستباع في المحال أو الصيدليات.. ولكن في المقابل يتم وضع قوانين أخرى تحد من استخدامها جدا.. قوانين تمنع منعا باتا شربها أو تعاطيها في الأماكن العامة مثل المطاعم والبارات والمقاهي والفنادق والمولات.. وأي مكان يخالف هذا يتم غلقه وتشميعه.. قوانين تمنع على الناس شربها وتعاطيها في الشوارع.. وأي مخالف لها يعاقب عقوبات عادية متدرجة مثل الغرامة أو الحبس بضعة أيام.. عندها من أراد أن يشتريها سيجدها بثمن عادي ولكن إذا أراد أن يستخدمها لن يجد مكانا متاحا له سوى بيته.. وإذا أدمن عليها يمكن أن يذهب لأي مركز من مراكز الإدمان ليتعالج.
_208_
تذبذبت الأجواء وتشوشت وكأن هناك من حرك الهوائي الذي ينقل لعيوننا الصورة.. وبدأت تتقطع أصوات المجرمين وتخفت ثم بدأت تختفي صورتهم وتعود حتى انقطعت تماما وانتقلنا إلى مكان آخر.. إلى الكرولر.. التي أخذت تبتعد بنا عن هذا العالم ببطء.. ما زال الراديو مفتوحا في الكرولر.. إنهم يذيعون خبر القبض على “بابلو إسكوبار”.. خبر الموسم.. كنت أنا ساهمًا.. إن أحدًا لا يدري شيئا عما وراء هذا الخبر.. لا أحد يدري إلا من رأى بنفسه.. إن هذا العالم من السافلين قد مضى.. ويبدو أنني أنا وأنت متجهين الآن إلى عالم آخر.. وسافلين آخرين.
***
_209_
يا إلهي يا رجل لقد شعرت أنني مجرم من كثرة المجرمين الذين قابلناهم هاهنا! هل تعلم أمرًا؟ كل هذا الذي رأيناه ثم خلصوا في النهاية إلى أن الحل في المخدرات هو عدم تشديد عقوبتها إلى هذه الدرجة.. والحل في الخمر هو وضع عقوبة على من يشربها في الطرقات والأماكن العامة.. هل تعلم أن هذا النظام هو نفسه الذي جاء به دين الإسلام قبل أكثر من ألف سنة؟ هو نفسه بالضبط.. الإسلام حرم الخمر تماما وسماها أم الخبائث.. وجعل شاربها ملعونا.. والإسلام حرم كل مسكر ومخدر ومفتر بحديث صريح.. فالإسلام حرم المخدرات أيضا.. لكن الإسلام لم يصرح بحد شرعي معين في شارب الخمر.. بل جعل العقوبة هي التعزير.. أي ما يراه الحاكم مناسبا حسب الزمان والمكان.. هل تعلم ماذا كانت أحكام التعزير في عهد النبي وصاحبيه بالنسبة لشارب الخمر؟
النبي محمد أمر بضرب شارب الخمر بالجريد.. أبو بكر من بعده جلد شارب الخمر أربعين جلدة.. وجلد عمر شارب الخمر ثمانين جلدة.. هذا كل شيء ببساطة.. أما اليوم فالحكومات أصبحت تقبض على من وجدت بحوزته المخدرات وتسجنه أعواما.. وتقبض على من يبيع المخدرات وتسجنه عقودًا أو تقتله.. التعزير الذي اختاروه كان شديدا جدًا زاد المشكلة ولم يحلها.. فأصبحنا نرى كل سنة أن نسبة تعاطي المخدرات تزيد مهما شددوا العقوبات.
ها قد وصلنا إلى قاعتنا الجميلة.. بدون مزيد من الثرثرة.. اذهب إلى سكوربيون فهو سيتولى أمرك .
_210_
الآن يا عزيزي ها أنت مرة أخرى .. وهو دورك مرة أخرى ..اختر عالاما من العوالم المتبقية وانطلق بنا إليه.. راجع الصفحة الأخيرة حتى تعرف وصف العوالم الباقية.
_211_
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق