قصص

رواية أرض السافلين …الجزء الثالث

صرخة متوحشة هزت الأجواء فجأة.. أنتيخريستوس.. كان يمشي في الخارج ويصرخ بطريقة انخلعت لها قلوبنا وقلب “سومالي” التي قامت تركض وفتحت باب غرفتها لتهرب.. هيا تعال لا بد أن نلحق بها.. خرجنا معها إلى ذلك الزقاق ثم إلى ذلك الشارع.. لكن هناك شيء غريب.. لا أحد هنا.. الشارع خال تماما.. جميع البيوت مطفأة الأنوار، والمحلات كأنها مهجورة.. السماء أصبحت ذات لون أحمر غريب.. وهناك ضباب يمنعك من أن ترى الأجواء جيدا.. إننا نرى “سومالي” تركض هناك في الضباب ونحن نكافح حتى لا نضيع صورتها.. بدأت الأرض تختلف والمباني تختلف والضباب ينقشع تدريجيا.. وجدنا أنفسنا في محطة باصات.. لا أحد هنا والجو بارد جدا.. من اللافتات أفهم أننا في أمريكا.. نطالع حولنا.. لا أثر لمخلوق في المحطة.. ها هي ذي “سومالي” تقف هناك.. هل تراها؟ لكن من هذه الفتاة الأخرى التي معها؟
_39_
بجوار “سومالي” كانت ترقد فتاة على أريكة في المحطة متلحفة بلحاف جيد المظهر.
نظرنا إلي روح الفتاة.. إنها تصنع قوة روحية عالية في المكان.. قالت لنا الروح أن اسمها باربرا.. “باربرا أمايا”.. تقول لنا أنها حزينة.. أخبرتني أنها مراهقة أمريكية هربت من بيت أهلها ونزلت إلى الشارع.. ذلك الكائن الكريه البارد.. الكائن الذي يكرهك.. الكائن القذر.. كان من الأفضل لها أن تعيش بين جدرانها الأربعة الجميلة.. على الأقل هم جدران أربعة.
هناك امرأة جميلة جاءت من وراء “باربرا” ونظرت لها بحزن .. كانت المرأة تبدو وكأنها طيف.. نظرت إلى “باربرا” في حنان ومسحت على شعرها.. يا صغيرتي لمَ هربت من المنزل .. ماذا تقولين؟ والداك يضربان بعضهما بعضا طيلة الوقت؟ والدك السكير يمد يده القذرة عليك جنسيا كلما أتيحت له الفرصة؟
هل ترى كيف تنظر “سومالي مام” إلى طيف المرأة الجميلة بامتنان؟ إنها “ماري ماجدولين”.. واحدة من الصدّيقات الصالحات القديسات أيام النبي عيسى.. رغم أنهم يصفونها بقبحهم وافترائهم أنها كانت عاهرة ثم تابت. إنما كانت صدّيقة صالحة ولم تكن يوما عاهرة.
ارتفع صوت رجل يغني في الجوار.. نظرنا إليه.. كان رجلا أبيضَ ذا شعر طويل ووجه حزين غريب.. كان يغني ويقول :
لقد قالت أنها تعبت من والدها
قالت أنه كان يشتري لها الأشياء
وكان يتحرش بها
وا لآن قد هربت إلى الشارع
كيف ستعيش
ليس لها من شيء تأكله
ذهبت إلى المحطة
كان ثمة رجل جالس هناك
قال لها أيتها الفتاة أنا سأريك أين هي النقود
فقط افردي هذا الشعر
علمها كيف تبيع جسدها ثم أتى ذلك الشرطي
ثم قبض عليها.
_40_
فجأة طلع الصبح.. إن الصبح في هذا العالم لا يطلع تدريجيا.. إنما يبرز بروزا.. بدأ الناس يتوافدون على المحطة.. واستيقظت “باربرا”.. لا أثر لـ”سومالي مام” ولا لـ”ماري ماجدولين” ولا للمغني.. رأينا شخصا ما يتحدث مع “باربرا”.. شخصًا يبدو من روحه أنه شخص خطر.. لا يمكننا فعل شيء.. ها هو يساعدها في حمل أغراضها.. وها هي تمشي وراءه.. إن منظومة الشارع القذرة كانت هي الأخرى كساقية بدأت تربط الحبل في قدم “باربرا” وتشدها معها.
لقد رأيت طراز العاهرة المجبرة على العهر بالعنف مثل “سومالي”.. دعني أعرفك على طراز آخر.. العاهرة المستغَلة المتلعب بها.. هذا الشخص الخطر الذي رأيت “باربرا” تمشي معه هو في الحقيقة قواد.. وهو يبحث عن الفتيات اللتي لا توجد لديهن خيارات أخرى، صاحبات الشخصية الضعيفة.. هؤلاء لو وعدتهن بالجنة سيتبعنك، ولو إلى الجحيم.. هؤلاء اللاتي لا مأوى لهن هن أجمل ضحايا على الإطلاق.. وهن غالبا يصبحن مخلصات لك جدا لأنك أخذتهن تحت جناحك أول مرة.
ستطعمها وتؤويها، ستقنعها كم هي جذابة وجميلة.. ستمارس الجنس معها.. ستقول لها كم أنك تحبها.. ولقد كانت “باربرا” جائعة جدا لذلك الشعور.. أن هناك شخصا ما يرغب فيها.. هناك شخص يرغب فيّ .. شخص شنيع.. لكنه شخص على الأقل.. حرمها أهلها من ذلك الشعور.. والآن هي فرصته حتى يحقنها به حقنا حتى تتشبع روحها به.. وفرصته حتى يحقن في أوردتها شيئا آخر.. لديه الكثير من محاقن السافلين.. هيروين.. كوكايين.. ماريوانا.. سيختار ما يعجبه.
في المرحلة التالية سيعرفها على أصدقائه.. يمرحون معا جميعا ويشعرونها بالسعادة، ثم فجأة يقنعها بأن ما لديهم من مال قد نفد وما لديهم من مخدر.. ثم يمكنه إقناعها لتمارس الجنس مع أحد الأصدقاء للحصول على بعض المال أو على بعض المخدر.. ثم تدريجيا يتحول الإقناع إلى عنف وحرمان من المخدر.. ثم يكشف القناع أخيرا.. أنه قواد وأنها عاهرته.. ولا بد أن تخرج إلى الشارع كل يوم لتحصل على مبلغ كذا وإلا لن يكون هناك مخدر.. هذا هو الحال.. إن كل عاهرات الشوارع في أمريكا تتم إدارتهن بنفس الطريقة.. وكلهن مدمنات على مخدر ما.
تبدلت بنا الأجواء.. وبدا أنه قد مضت بعض السنين.. نحن بالقرب من المحطة نفسها.. “باربرا” الآن قد أصبحت عاهرة شوارع.. أو كما يقولون Streetwalker تتسكع في الشارع الخاص بها وتخدم يوميا ما يزيد على عشرة زبائن..
_41_
ولو لم تصل للمبلغ المطلوب يتم ضربها بالعصا ضربا مبرحا مؤذيا أليما.. وكل قوّاد هنا له عصا مخصوصة يصممها تصميم ا خاصا به.. وهذا التصميم يضعه كوشم على أجساد عاهراته.. ولو رأيته في نهاية اليوم وهو يرفع عصاه أمام عاهراته سيبدو لك مثل راعي الأغنام الذي يهش على غنمه بالعصا.
انظر إلى “باربرا” تقف هناك في الشارع بانتظار أن يغتصبها أحد.. إنها تبتسم لك حتى تغتصبها.. تقف تنتظر عاقدة يديها أمامها في منظر ذليل.. من أجبرك على الوقوف هكذا أيتها الصغيرة؟ هل رأيت روحها التي تسكن هذا الجسد؟ إنها تبكي وتقطر دما.. إنها لا تدري عن كل الأمور التي تعرفها أنت عن العالم.. كل ما تدريه هو أنها تُغتَصب يوميا وأنه عليها أن تبتسم وهي تغتصب، لأنها لو لم تفعل ذلك فستتلقى ضربا مبرحا أليما حين تعود.. لو صدقت للحظة أنها تقف هناك لأجل أن تمتع نفسها لأن شهوتها عالية جدا للجنس وللمال فأنت حيوان.. نعم أيها الحيوان وعليك أن تبحث بداخلك عن الإنسان الذي مات.
ها هي “باربرا” هناك داخل سيارة أحدهم ينتهك منها ما ينتهك.. أهي سافلة؟ أم أنه هو السافل؟ أم من يسأل هو السافل؟ إن السافل الحقيقي هما الوالدان اللذان تركا هذه الطفلة تضيع هكذا ولم يعرفا مدى قداسة أن يكون لك فتاة تربيها، هذه هي ابنتك هناك في الشارع تحني ظهرها لتحدث ذلك الرجل في السيارة.. هذه هي ابنتك هناك.. ابنتك أيها السافل.. ابنتك.
ثم أتت القديسة “ماري ماجدولين”.. ورأت “باربرا” في ذلك الشارع.. أنت غالية يا حبيبتي.. أنت لم تجدي أحدا يقول لك هذا وأنت صغيرة.. يقولون لك أنك جميلة دائما.. لكن لا أحد يقول لك أنك غالية.. من يخبر هذه الغالية أنها الآن في هذا السن كان يجب أن تفكر في أول وظيفة لها.. تفكر في نتيجة امتحان جامعتها.. من يخبرها بهذا ويخبرها بأنها لا يجب أن تفكر في ذلك الشيء المقزز الذي يجب أن تتحمله كل يوم؟
سطعت في وجوهنا جميعا أنوار سيارة شرطة.. يبدو أن القديسة “ماري” قد بلغت الشرطة.. ممارسة الجنس مع قاصر جريمة في أمريكا.. انتفض الفتى الذي كان مع “باربرا” في السيارة وبدأ يرتدي ملابسه.. نزل من سيارة الشرطة رجل قوي جسيم يرتدي زي الشرطة.. كان كأنه يمثل كل المشاعر الغاضبة التي في داخلك على هذا العالم.. خرج الفتى من السيارة وأخذ يعتذر للشرطي القوي الذي كان ينظر إليه بغضب شديد.. قال له لا تعتذر لي اعتذر لها هي.. هي لم تختر أن تعيش بهذه الطريقة.. لم تختر لحياتها أن تفعل أنت معها هذا في ذلك الزقاق في تلك السيارة لترمي لها بعض النقود..
_42_
هذه الفتاة التي تؤجرها هل هي قطعة لحم؟ هناك إنسان بالداخل هنا.. هناك إنسان يعيش هنا.. ألا تشعر به أيها الحيوان؟
***
تبدلت بنا الأرض وانتهت قصة الآسيوية والأمريكية.. لقد أصبت بالغثيان مما رأيت.. أتمنى أن نخرج من هنا.. لكن أين نحن الآن؟ إننا نمشي في حذر في شارع ذي مسحة أوروبية ما.. ولكن بدا لي أني أسمع أذانا في الأجواء.. الله أكبر الله أكبر… نحن في تركيا.. تحديدا “كاراكوي” منطقة الضوء الأحمر في اسطنبول … سمعنا صرخة هزت الأجواء.. صرخة خفتت لها الأضواء وكادت الدنيا أن تتبدل بنا ثانية.. ليست كصرخة أنتيخريستوس.. بل صرخة متألمة.. صرخة لما سمعناها وضعنا أصابعنا في آذاننا.. إن منطقة الضوء الأحمر هنا يشتد فيها الضوء الأحمر عن أي مكان في العالم.. نوافذ المحلات ترقص فيها فتيات روسيات جميلات شبه عاريات.. هل ترى صاحبة الشعر الأحمر تلك؟ إنها تضحك لك وتشير لك إشارات ملؤها الدلال.. صرخة أليمة مؤلمة أخرى.. وانقلبت الدنيا كلها بنا.
انتقلنا إلى مكان ما كأنه بدروم.. فزع لظهورنا العديد من الفتيات الروسيات اللاتي لا أدري ماذا يفعلن هنا.. الصرخة أوجعت أذني وأذنك.. القوة الروحية زادت بشدة.. اجتمعت حولنا الفتيات المفزوعات بحذر.. هناك واحدة منهن ذات شعر أحمر تنظر لك نظرة مندهشة.. هذه هي فتاتنا الأخيرة “ناتاشا رومانانكو”.. يبدو أن كل الروسيات اسمهن “ناتاشا”.. لكن “ناتاشا” هذه مختلفة، أليست هي التي كانت ترقص في الشباك الأحمر؟ إنها تهرع إليك فجأة وتحتضنك.. أنقذني أيها الغريب.. أرجوك أيها الغريب.. أنت لست من عالمنا.. أرجوك خذني معك من هنا.
ها نحن ننظر إلى ماضي “ناتاشا” من “مولدوفا” بشعرها الأحمر المميز وهي تحمل ابنها الصغير الأشقر الجميل.. إنها تعيش في شقة صغيرة مع أمها وابنها بعد أن طلقها زوجها.. كانوا فقراء قد تعب منهم فقرهم.. لا يوجد عمل في مولدوفا.. أفقر دولة في أوروبا كلها.. يعيش في القرية الواحدة ألف شخص ليس بينهم موظف إلا عشرة أو عشرين.. “ناتاشا” قرأت إعلانا في الجريدة المحلية.. مطلوب عاجل للعمل في تركيا.. نادلات.. عاملات نظافة.. عاملات مزرعة.. مساعدات مطبخ.. الراتب مغرِ جدًا جدًا.. ذهبت “ناتاشا” إلى المكتب.. يحتاجون مبلغا ماليا ضخما لاستخراج الفيزا لها.. رهنت “ناتاشا” تلك الشقة الصغيرة التي تعيش فيها مع أمها وابنها وحصلت على النقود واستخرجت الفيزا.
_43_
في تركيا استقبلها رجل أخذ منها جواز سفرها وأوصلها إلى المطعم الذي من المفترض أن تعمل فيه.. ثم دخلت أرض السافلين.. أنت لن تعملي هنا مقدمة طلبات.. أنت ستعملين هنا عاهرة، رفضت “ناتاشا”.. بعد قليل كانت “ناتاشا” تحاول أن تقوم من الأرض وهي ترى أمامها بعض أسنانها المكسورة سابحة في دمائها.. جردوا “ناتاشا” من ملبسها ومن كرامتها ومن بعض أسنانها.. المثير أن جميع الناتاشا الروسيات العاهرات يكون لديهن أسنان مكسورة دائما.. وحين تسألهن عنها يقلن لك أنهن سقطن من على السلالم.. يبدو أن هذا المجال الذي يعملن به فيه أسوأ سلالم في العالم.. بل أسوأ سفلة في العالم.. إنهن بعد عدة ليال فقط من الضرب يتعلمن كيف يرقصن على الشباك وكيف يبتسمن كل ليلة بدلال.
كان ابنها يسأل جدته كل حين.. متى ستأتي أمي؟ والجدة تلهيه وتجيب إجابات تتغير وتتطور كلما مرت الأيام والشهور، قالوا لها أنه حتى يمكنها أن تخرج من هنا وتعود إلى قريتها مولدوفا هناك طريقة واحدة.. أن تعمل لديهم عاهرة حتى تسدد الدين الذي عليها.. ما هو هذا الدين؟ عشرة آلاف يورو.. النقود التي اشتروها بها.. وسيعطونها أجرا يوميا على عملها تسدد منه هذا الدين.. أجر قدره عشرون يورو فقط.. بحسبة بسيطة وجدت أن عليها أن تعيش في هذا الجحيم لسنتين على الأقل حتى يمكنها العودة إلى بلدها، ولو عادت من هذا الطريق ستعود مع مشاكل نفسية رهيبة وأمراض جنسية وإيدز.. ينومونها هي وعشر رفيقات لها في بدروم أسفل الكازينو الذي تعمل فيه.. لا أصدق أن هذه هي حياة فتاة الشباك التي كانت تتراقص بسعادة منذ قليل.. هذه ليست حياة عاهرات، هذه حياة عبيد.. عبيد لا يملكون من أمرهم شيئا.
كان يأتيها كل الرجال.. رجل الشرطة كان يأتيها، القاضي الذي يحكم بالسجن على قضايا مماثلة لقضيتها كان يأتيها، القسيس الذي يصلي للرب كان يأتيها، المحامي الذي يدافع عن قضايا مماثلة لها كان يأتيها، المفترض أن هؤلاء يحمونها.. من الذي يمكن أن يحميك إذا في هذا المجتمع؟ لا أحد.
تقول “ناتاشا”: يجول السياح في الشارع منبهربن بأضوائه الحمراء ضاحكين تأتينا ضحكاتهم بينما نحن محبوسات كالكلبات أسفل الكازينو.. أنّات بكائنا تسكتها الجدران الصماء من حولنا.. ثم يدخل علينا ذلك الرجل ويأخذ واحدة منا أو اثنتين لأن زبونا ما يريدها.. الزبائن تكون لديهم الكثير من الخيالات الخاصة التي يريدون تطبيقها.. يمكنني فهم هذا..
_44_
لكن لو كان تطبيق تلك الخيالات الخاصة سيكون ثمنه هو استغلال معاناة روح لا تملك من أمرها شيئا فهذا شيء أبعد ما يمكن أن يكون عن الإنسانية.
تلك الصرخة الأليمة عادت فجأة.. هناك شيء ما غاضب في هذه الأجواء لا أدري ما هو.. ربما هو تعبير عن غضب الله.. فحقا لا أدري كيف تتواجد مساجد في حي أحمر كهذا.. جاءت الصرخة مرة أخرى .. صمت آذاننا حقا هذه المرة.. لم نعد نسمع شيئا.. “ناتاشا” تتحدث ولا نسمعها، هناك ذبذبات في الجو تأتي وتختفي.. لا بد أنها تلك الصرخة لكنا لم نعد نسمعها..ولما جاءت ثانية لم نعد عند “ناتاشا”.. بل أصبحنا في مكان آخر.
***
بيوت من الطين على طراز لم تره من قبل إلا في مكان لا تذكره.. أناس يرتدون ملابس لا تنتمي غالبا لهذا الزمن.. نياق وحمير.. لا أثر لأي نوع من أنواع التحضر.. نسمع أذانا خافتا.. هل ما زلنا في تركيا؟ هذا مستحيل.. ثم إنه أذان غريب.. لا يصلنا عبر ميكروفونات.. لا تدري كيف يصلنا بالضبط لكننا نسمعه.. هل تدري أين نحن؟ نحن في مكة.. في السنة الأولى للإسلام.. نحن أمام بيت تزيد فيه القوة الروحية جدا.. توجهنا ناحية البيت، قبل أن ندخل يجب أن تعرف أننا داخلون لبيت دعارة على طراز الجاهلية.. كانوا يسمون تلك البيوت “المواخير”.. دخلنا من الباب.. نور النهار هو فقط من يضيء داخل البيت.. رائحة مركزة جدا.. بالتأكيد هي رائحة الخمر، ففي هذه البيوت عادة تكون خمارات وعاهرات.. هناك رجل طويل عريض يبدو قويا يقف أمام مجموعة من النساء المتزينات يصرخ فيهن.. لا يبدو أن أحدا انتبه لوجودنا.. كان يقول لهن:
ما بالكن الآن.. تعطينني ما لايزيد عن دينار واحد لكل واحدة في ليلة كاملة؟
قالت إحدى النساء وكان اسمها “مسيكة” وكانت مسلمة:
هذا يكفي لهذا اليوم.. وكل يوم.. والله إني لا أفعلها بعد هذا أبدا.
غضب الرجل غضبا شديدا وأمسك الفتاة من شعرها وضربها على وجهها.. كان هذا الرجل هو “عبد الله بن أبي بن سلول” أشد المنافقين نفاقا.. وكانت الفتيات الست المتزينات أمامه هن جواريه.. وكان العرب في الجاهلية معتادين على أن يجبروا جواريهم على البغاء بالأجر.. يعني يجبرونهن على الدعارة من أجل المال.. وإن رفضت الجارية كانت تضرب ضربا شديدا حتى توافق.. وغالبا ما كانت الجواري يجتمعن في مواخير معينة معروفة يضعون على أبوابها رايات معينة حتى يعرفها الناس.
_45_
أتاك نفس الشعور الذي أتاك في كمبوديا.. وفي أمريكا.. وفي تركيا.. حقا إن الإنسان السافل هو الإنسان السافل في أي مكان وزمان.. ولا تتعجب وجود تلك المواخير في مكة في صدر الإسلام فلم تكن آيات تحريم الزنا وتحريم الخمر قد نزلت.. كانت “مسيكة” ما زالت تصرخ.. كانت تشعر أن هناك شيئا خاطئا فيما تفعل.. وكان “ابن سلول” ما زال يضربها.. فجاءت جارية أخرى تدافع عنها تدعى “أميمة” وقالت:
إن يك هذا الأمر خيرا فلقد استكثرنا منه.. وإن يك شرا فقد آن الأوان لنا أن نتركه.
لكن “ابن سلول” ضربها أيضا حتى أدماها.. الآن فقط انتبهنا إلى باقي الجواري .. واتسعت عيوننا.. فهناك أمام “عبد الله بن أبي بن سلول” كانت ثلاث جوار من الستة ينظرن إليه في خوف ثم ينظرن إليك نظرات مألوفة.. “سومالي مام” بوجهها الآسيوي النحيل ونظرتها المذعورة.. “باربرا أمايا” الأمريكية بنظرتها الحزينة.. وأخيرا “ناتاشا رومانانكو” بشعرها الأحمر ونظراتها المستنجدة.. حقا هذا العالم عجيب جدا.. كيف أتين إلى هذا العالم وأصبح يضربهن “عبد الله بن أبي بن سلول”.. برغم أن هذا العالم لا يخضع لأي قاعدة فإنه يعبر لك برموز شديدة الوضوح.. القوّاد والجاريات باختلاف الزمان والمكان.. ولم يزل “ابن سلول” يضرب الفتيات الست جميعا وهن يصرخن حتى بدأت الأجواء تتذبذب وتهتز مع كل ضربة.
كانت “مسيكة” مسلمة، وكانت “أميمة” مسلمة، وكانت هناك جارية ثالثة تدعى “معاذة” هي أيضا مسلمة.. و”ابن سلول” كافر يدعي الإسلام.. منافق.. بل سيد المنافقين.. ولقد أنزل الله في جواريه اللاتي يضربهن هؤلاء قرآنا.. آية نزلت قبل حتى أن تنزل آية تحريم الزنا.. آية تقول (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ). أي أن الله لن يحاسبهن على ما أجبرتموهن عليه؛ لأنهن مكرهات.. ولا يعتبرهن بغايا ولا زانيات أبدا.. بل يحاسب الذي أكرههن.. لقد جاءتكن براءة من ربكن تغسل لكن ما تشعرن به من العار والألم.. ومن فوق سبع سماوات يشير إلى أن الحرية في القرار هي التي تحدد المذنب من غيره، فلو تم إجبارك على ما تفعل من ذنب فل تعتبر مذنبا.. وإنما يكون من أجبرك هو المذنب.
ظل “ابن سلول” يضرب وتتذبذب الأجواء حتى تبدلت الأرض والسماء كالعادة ووجدنا أنفسنا نتحرك ببطء على الدودة التي دخلنا بها أول مرة.. يبدو أننا سنخرج من هنا يا صديقي.. لقد وصلت الرسالة.
***
_46_
عادت بنا الدودة إلى حيث ما ابتدأنا أول مرة.. إلى تلك القاعة ذات النوافذ الكثيرة.. ووجدنا سكوربيون منهمكا في بعض أعماله.. فلمّا رآنا قام وأتانا وهو مستبشر بنا.. ذهبت أنا وتمددت على الأريكة قليل ريثما يثرثر لك هو كما يحلو له.
لن تجدني أتحدث كثيرا بين العوالم.. سأجعل سكوربيون هو الذي يثرر معك دائما.. هذا أكثر راحة.

والآن تعال معي أيها الروح.. إنه دوري مرة أخرى لأختار العالم التالي.. تذكر أننا اتفقنا على هذا.. دعني أنظر مرة أخرى في النوافذ.. وابق أنت هنا.. هناك مسدسات وشخص يجري من حشد وامرأة قاسية تبدو غاضبة.. رجل يطير مع النقود ثم ينظر لنا باستفزاز.. منظر بديع للكون … قرود كثيرة.. أريد شيئا مرعبا.. سأختار هذا العالم هناك.. عالم ذلك الشيطان الذي يضحك ومعه ميكروفون .. إنه يبدو مثيرا.. أنا أحب الشياطين.. هيا بنا إلى دودة القز الجميلة خاصتنا.
***
_47_
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق