قصص

رواية أرض السافلين …الجزء الثامن

_128_
حطت راحلتنا الإلكترونية أمام بوابة مهيبة جدًا هذه المرة.. بوابة هي أعظم من أعظم شيء يمكن أن يخطر ببالك في تصورك للبوابات.. بوابة تقف في كامل زينتها وسط سور عال ممتد إلى مد بصرك من الجهتين.. لم نكن قد أخذنا وقتنا الطبيعي في الانبهار بعد. حتى فتحت البوابة ببطء وخرج منها بسرعة رجال يرتدون زيًا يوحي بالأهمية الشديدة لهذا المكان.. لقد اعتدنا في هذا العالم أن ندخل نحن إلى البوابات.. أما هذه المرة فهناك من يخرج من البوابة إلينا.. رجال خرجوا إلينا في كامل درجات حماسهم.. وطريقة نظراتهم إلى الأرض وهم يتجهون إلينا توحي بأهميتنا نحن وسيادتنا عليهم.
انفتحت أبواب الكرولر عند اقترابهم وكأنها تراهم.. ومد أحدهم يده لمساعدتنا في النزول.. تجمعوا حولنا.. فألبسوا كل واحد منا عباءة طويلة ووضعوا على رؤوسنا شيئا يشبه التيجان.. وتوجهوا معنا إلى البوابة في تشكيل يظهر من التوقير أكثر مما يظهر من الحماية.. انفتحت البوابة عند اقترابنا منها.. نظرنا من باب الفضول لنرى من يفتحها فلم نجد.. إن بوابات هذا العالم تنفتح وحدها دائما.. حانت منا نظرة تلقائية إلى الداخل متوقعين أن نرى شيئا لا مثيل له.. وعلى الرغم من استعدادنا لأن ننبهر، فإن نظرة واحدة منا إلى البنيان الواقف بالداخل أبهرتنا وأخفقت قلوبنا.
مشينا ناحية الصرح العظيم الذي بدا لنا بعيدًا في البداية.. لكنه أصبح يقترب منا وكأنه يمشي إلينا كلما مشينا إليه.. فلم نمش أكثر من عشر خطوات لنقف بعدها أمام بابه الهائل المزين بالذهب.. كان القصر كله مبنيا على الطراز القوطي الذي يوحي بالعراقة.. بغض النظر عن كل هذا.. ألا تسمع تلك الضجة في الداخل؟ كأنها أصوات تتحدث بصوت عال .. انفتحت بوابة القصر الخشبية الذهبية الفاخرة لنشاهد ما يحدث بالداخل.. وحقا كان هذا أعجب منظر يمكن أن نراه أو يراه مخلوق على وجه الأرض كلها.
لم يكن ما بالداخل قصرا كما اعتقدنا أنه سيكون .. كان أول ما رأته عيوننا هو جمع غفير من البشر.. في قاعة هائلة الحجم.. يجلسون على ما يشبه المدرجات التي تحد القاعة عن يمينها وشمالها.. وبين المدرجين في وسط القاعة يبدو شيء أشبه بمنصة لم نتبينه جيدًا.. كان الجمع الغفير من الناس الجالسين
_129_
هنا وهناك يتحدث كلٌ منهم مع زميله بحماس شديد.. مما جعل صوت القاعة عاليًا جدًا.. وقد تضخم أكثر مع سعتها وانغلاقها.. كان هناك بعض الواقفين القلائل هنا وهناك بطريقة منظمة مثل الحرس.. وفور أن انفرج باب القاعة ورأونا بعباءاتنا و الرجال يحيطون بنا سكتت الأصوات فجأة وانتبه إلينا كل الحاضرين ولم نعد نسمع إ لا وقع أقدامنا على الأرض الخشبية.
نظرنا أنا وأنت باندهاش لم نستطع إخفاءه إلى هذا المشهد.. إلى أن بدأ الحرس حولنا يشيرون لنا أن نتقدم.. بدأنا نمشي ببطء.. إن العباءة تعطي الإنسان شعورا بالهيبة لا شك فيه خاصة حين تمشي بها وسط جمع صامت ينظر إليك في ترقب.. نحن الملوك هنا فيما يبدو يا فتى.. مشينا بخطوات بطيئة وأخذنا ننظر بفضول إلى هؤلاء الجالسين بينما نمشي.. وهنا اتسعت عيوننا اتساعا غلب على كل الاتساعات التي قبله.. كان ما نطالعه الآن هو الشيء الذي يجعل هذا المشهد هو الأعجب في العالم كله.
للوهلة الأولى بدا عدد من الوجوه الجالسة مألوف لنا نوعًا ما.. ثم ما إن تبينا من هم حتى تسمرنا مكاننا ونظرنا إلى باقي الوجوه.. يمكنك أن تميز أينشتاين بشعره المميز جالسًا هناك.. وفولتير جالسًا هناك.. داروين بلحيته جالسا هناك.. يمكنك أن ترى نيوتن هنا.. ورذرفورد هناك.. وأرسطو بالأعلى هناك.. يجلس بجانبه ابن سينا وابن رشد.. وهذا هناك هو جاليليو.. كان شكلنا عجيبا جدًا ونحن ننظر إلى وجوه الجميع حولنا في ذهول .. حتى انتبهت إلينا الوجوه وأصبحوا ينظرون إلينا في شيء من الاستغراب.
أين نحن بالضبط؟ ما الذي أدخلنا هذا العالم بالضبط؟ أشار لنا الحراس أن نتقدم.. فتقدمت وأنا لم أعد أرى أين أخطو.. مَن مِن المفترض أن أكون أنا؟ ومن تكون أنت؟ كنا نتقدم إلى نهاية القاعة حيث هناك كرسيان.. أو لنقل عرشان.. تقدم الحراس صانعين لنا صفين لنمشي خلالهما.. أنا لا أدري أين نحن؟ لكن من الواضح أننا سنشارك في حدث رهيب ينقله لنا هذا العالم.. إن العقول التي لمحتها جالسة هنا يمكن أن تهتز لها جنبات هذا القصر بأكمله.. فكيف تجمعها قاعة واحدة؟ بل كيف سنشرف نحن على هذا الجمع.. ولماذا؟
جلس كل واحد منا على عرشه.. ونظرنا إلى جموع الجالسين.. ثم انتبهت إلى المنصة الموضوعة في منتصف القاعة.. ويبدو أن الدهشة تصر على أن تصحبنا في كل شيء ننظر إليه في هذا العالم.. منصة متوسطة الحجم مبنية من الطوب.. عليها نقوش وزخارف لا حد لروعتها.. الغريب لم يكن هذا..
_130_
الغريب كان في هذه الأشياء الغريبة التي تتحرك فوق المنصة.. أشياء حمراء تتحرك في الهواء بطريقة سينمائية لتشكل رمزا معينا.. ثم تتحرك لينفصل بعضها عن بعض.. ثم تجتمع مرة أخرى لتكون ذلك الرمز مرة أخرى في حركة متصلة شبيهة بطريقة عرض اللوجو الثلاثي الأبعاد في بداية أفلام السينما.. الفارق أن هذا لم يكن يحدث على شاشة.. بل كان يحدث في الهواء.
إن ما نشاهده أمامنا حسب فهمي هو هولوجرام.. وهي تقنية تعرض أفلاما مسجلة ولكن في الهواء دون الحاجة إلى شاشة.. فترى الأشياء مجسدة كما لو كانت جزءًا من عالمك الواقعي.
بدأت الغرائب التي نراها مع كثرتها تجعلنا نغض الطرف عن كثير منها ونبدأ في التفكير في معنى هذا كله.. برغم أن كل شيء ممكن في أرض السافلين فإننا ما زلنا قادرين على التعجب والاندهاش في كل مرة.. نسيت أن أخبرك باسم هذا العالم في البداية لما كنا في الكرولر.. لماذا لم تذكرني؟ نحن هنا في عالم الإلحاد.. وأنا أحاول أن أفهم منذ دخلنا إلى هذا المكان علاقة كل هذا بالإلحاد.. لكن لا تتعجل الأمور.. سنفهم كل شيء في اللحظات التالية.
فُتح باب القاعة الكبير الذي دخلنا منه أول مرة ف ودخل منه رجال أشداء يجرُّون معهم شيئًا هلاميًا يضعونه داخل شبكة.. وهذا الشيء يتحرك من جميع مواضعه وكأنه قنديل.. اتفقنا ألا نندهش ونحاول التركيز على المعاني.. قال لنا أحد الحراس الذين بجوارنا والذي كان يبدو مميزا بزيه عن بقية الحراس:
سيداي لقد أتوا إليكما بأهواء الرجال.
لم أفهم جيدًا ما يريد أن يقوله هذا الرجل فأشرت إليه أن يقترب وأشرت إليه مستوضحًا.. فمال على رأسي وقال: لقد جمعنا يا سيدي أهواء الرجال في هذه الحاوية.. حتى نبعدها تمامًا عن مناقشتنا هذه.. هذه مناقشة عقول تبحث عن الحقيقة.. الحقيقة وحدها.. ولهذا جمعنا الأهواء لنبعدها عن ساحتنا.
بدأت أفهم قليلًا ما نحن بصدده هنا.. قلت للرجل:
خذوها فاحرقوها خارج المبنى.
تحرك الرجل إلى مجموعة الرجال الأشداء وأخبرهم بما قلت فتحركوا بسرعة وشدوا وراءهم ذلك الشيء العجيب إلى خارج القاعة.. لم أكن أعرف أن أهواء الرجال يكون شكلها هكذا.
_131_
ثم ناديت هذا الرجل فأتاني مسرعًا.. و مِلت عليه وأخذت أهمس إليه بأمور ويهمس لي.. دعني أفهم ما هذا الشيء الذي نحن خلاله هنا.. وما هدفه بالضبط.. حتى يمكنني أن أشرح لك.. كان هذا رجل يثرثر في الشيء دون أن تطلبه.. هذا النوع من البشر يروق لي .. أخذَنا الحديث قليلًا وأنا أتعجب منه في كل جملة حتى فهمت كل شيء.. فشكرته وربتُّ على كتفه .. ثم عدت واسترخيت على العرش.. هل تدري ما هذا الشيء الذي نحن بصدده هنا يا صديقي؟ أراهن أن الأمر سيروق لك جدًا.
أتدري فيمَ اجتماع هذه العقول كلها؟ عرفتَ أن فيهم علماء وفلاسفة ورجال دين.. كل هؤلاء هنا لأجل أن يجيبوا على الأسئلة الصعبة النهائية التي شكلت إجاباتها تحديًا كبيرًا للإنسان عبر التاريخ.. تحديًا بين أعظم الفلاسفة وأكبر العلماء التجريبيين وأتقى رجال الدين.. كيف بدأ الكون ؟ هل خلقه أحد؟ هل خلقنا أحد؟ من أين أتينا؟ وكيف أتينا؟ وإلى أين سنذهب عندما نموت؟ ولماذا نحن هنا؟ من هو الله؟ هل هو موجود حقًا؟ أين هو بالضبط؟ ومن الذي خلق الله؟ وغيرها من الأسئلة الوجودية النهائية.. ونحن هنا لنصل فيها إلى نتيجة.
تسألني ما هي فائدتي أنا وأنت هنا؟ نحن الذي سنحكم على نقاش هؤلاء وسنستخرج الرأي النهائي الصحيح من هذا كله.. بأي صفة؟ بصفة الشعب.. نحن نمثل العامة.. ولقد وضعونا هنا حكمًا بين هؤلاء العلماء جميعًا.. وهذا ليس غريبًا، فكل هؤلاء العلماء في الأصل كان هدفهم في زمانهم توجيهنا وتوجيه البشرية لما يرونه الأصح.. فموقفهم الطبيعي هو التبارز الفكري وموقفنا الطبيعي كشعب هو الاستماع والاقتناع.. لذلك فقد أزيلت أهواؤنا مع أهواء الرجال وأُحرقت هناك ولم تبق لنا إلا عقولنا.. أي أننا الآن صرنا غير متحيزين إلى ديننا.. بل أصبحنا محايدين تمامًا.. وننتظر من كل طرف من الأطراف أن يقنعنا برأيه.. والآن هيا راقب.. هناك شخص ما يتقدم من المنصة.
ذلك الرجل الذي تقدم من المنصة العجيبة هو نفس الرجل الذي كنت أهمس معه منذ قليل.. يبدو أنه ذو شأن ما هنا.. كأنه هو الذي يشرف على تنظيم هذا الاجتماع.. وقف الرجل بجانب المنصة وتوجه صوبي وتحدث بصوت هادئ واضح للجميع بفعل تقنية عجيبة ما ليس للميكروفونات دخل بها.. كان يقول :
مرحبا بالجميع في هذا الاجتماع التاريخي على هذه الأرض.. والذي يجب أن نخرج منه اليوم بنتيجة تؤكد لنا إجابة الكثير من الأسئلة التي حيرتنا..
_132_
ولذلك جمعنا كل الأطراف بعضها مع بعض.. ليَّطلع بعضهم على أفكار بعض مباشرة بدون وسيط.. وأخرجنا منهم أهواءهم حتى لا يكون هناك تحيز من أحد منهم إلى فكرة معينة.. فقط يحركهم العقل ولا شيء غير العقل.. واسمحوا لي أن أعرفكم أولا بطريقة تنظيم هذا الاجتماع التاريخي.. في البداية أقول لكم أن اسمي هو “آدم”.. وأنا منظم هذا الاجتماع.
كان الرمز الهولوجرامي الأحمر فوق المنصة يدور حول نفسه ببطء معطيًا لمحة تكنولوجية رائعة إلى هذا الجو العجيب.. لاحظنا أن الباب قد انفتح قليلا وأدخل الحراس علينا رجلًا.. ضيقت عيني فور أن رأيته.. كان رجل بهي الوجه.. بهي الثياب.. بهي الحضور.. طويل وسيم ذو لحية بنية متوسطة وشعر بني طويل مسترسل إلى كتفيه كأنه يقطر ماء.. يرتدي عباءة بنية غامقة تتخللها عباءة بنية فاتحة.
أشار “آدم” إلى الرجل الداخل وقال:
دعوني أعرفكم بمن سيمثل الدين في مناقشتنا هذه.. إن اسمه هو “المبارك”.
يبدو كلقب وليس كإسم.. لكن الرجل حقًا له حضور قوي جدًا.. ولا أدري أين رأيته من قبل.. دخل “المبارك” ووقف في جانب من جوانب القاعة.. بينما توجه “آدم” ناحية المنصة التي اختفى من عليها الرمز الأحمر وبدأت تظهر عليها صور أخرى تدعم وتشرح كلام “آدم” بينما يتحدث.. وسأتركها لخيالك حينًا وسأشرح بعضها حينًا آخر.. كان “آدم” يقول :
في البداية علينا أن نحدد القواعد المعمول بها في هذه المناقشة.. لأنها كما تعلمون مناقشة هامة وصعبة وتحتاج لقواعد صارمة.. في مناقشتنا هذه هناك كلام فلسفي.. وهناك كلام علمي.. وهناك كلام ديني.. بالنسبة للنظريات الفلسفية.. سنقبلها كلها بلا استثناء.. فهي فلسفة عقلية ولا حجر عليها.. أما بالنسبة للعلم فنحن سنفرق في قبول كلام العلم بين الفرضية والنظرية والحقيقة العلمية.. نحن في مناقشتنا هذه لا نقبل الفرضيات العلمية أبدًا.. ونقبل النظريات العلمية المعترف بها فقط.. ونقبل طبعًا الحقيقة العلمية.. وكشرح مبسط جدًا للموضوع من أجل أصدقائنا الذين عاشوا في أزمان قديمة قبل صك هذه المصطلحات.. بالنسبة للعلم مثلا عندما يرى أن الأشياء تسقط دائمًا من أعلى لأسفل.. فالفرضيات هي اقتراحات.. لماذا تسقط الأشياء.. ربما كانت تسقط بسبب كذا أو ربما كذا.. أما النظرية فهي واحدة من هذه
_133_
الاقتراحات ولكن لها مشاهدات وتجارب عملية تثبت صحتها وليس هناك تجربة واحدة أو دليل واحد يعارضها حتى اليوم.. فإن وجد دليل واحد يعارضها سقطت النظرية واعتبرت لاغية.. نحن سنقبل النظريات العلمية المتفق على صحتها في هذا الزمن.. أما الحقيقة العلمية.. فهي قولنا ببساطة: “إن الأشياء تسقط إلى الأرض” .. هي شيء مفروض علينا ولا يمكننا تغييره.. يعني الحقيقة العلمية هي الشيء الذي توضع الفرضيات والنظريات لتفسيره.
ثم أشار بيده إلى “المبارك” وقال:
أما بالنسبة للدين.. نحن نعتبر هنا أن الدين هو الكلام الذي قاله أو الفعل الذي فعله رجل قال عن نفسه أنه نبي مرسل من عند الله.. هذا الكلام يشمل كتابه المقدس الذي يقول أنه كلام الله.. ويشمل الوصايا والأحكام التي أمر بها النبي متبعيه بلسانه.. وبالتالي لدينا ثلاثة رجال تنسب إليهم الأديان الثلاثة الكبرى .. اليهودية تنسب إلى “موسى”.. والمسيحية تنسب إلى “عيسى”.. والإسلام ينسب إلى “محمد”.. أما الكلام الذي قاله أصحاب هؤلاء الأنبياء أو تابعوهم بعد وفاتهم فلا يعتد به في هذه المناقشة.. نحن سنحاكم الدين كما جاء به النبي بنفسه فقط.. لن ندخل أنفسنا في لعبة الشك في ما إذا كان تابع النبي يعمل بكلام النبي أم يعمل من عند نفسه واجتهاده الذي قد يصيب وقد يخطئ.. طالما سنتبع الطريقة العلمية في المناقشة والبحث فلا شيء في العلم يدعى حسن الظن بأحد.. كل نبي قادر تماما على أن يعبر عن دينه بنفسه تعبيرا كاملا.
نظرت إلى الحضور فوجدت الكلام قد أثار اهتمامهم نوعا ما.. كان “آدم” يقول :
اعتمادا على هذه القاعدة أتينا بكلام الأنبياء الثلاثة ووضعناه تحت التحقيق.. التحقيق في مدى صحة نسبة هذا الكلام إليهم.. حتى يمكننا أن نعتمده في مناقشتنا هذه.. بالنسبة للكلام والفعل الخاص بالنبي محمد فقد ثبت بطريقة علمية بحتة نسبته إلى “محمد” بما لا يدع مجالا للشك أبدا وهذا ما سنشرحه ببساطة الآن.. أما الكلام المنسوب إلى النبي عيسى في المسيحية أو إلى النبي موسى في اليهودية فل يوجد شيء علمي موثوق يثبت )علميا( نسبته إلى عيسى أو إلى موسى.. الأمر معتمد على حسن الظن بالناقلين.. ونحن لا يمكننا أن ندخل دينا ونحاكمه هاهنا ونحن لسنا واثقين بطريقة علمية بأن الكلام الذي نقلوه لنا هو من كلام نبي ذلك الدين حقًا.
_134_
بدأ شيء من الهمهمة المعترضة يحدث بين بعض الحضور لكن “آدم” تجاهل هذا ونظر إلى صور تكونت على الهولوجرام وأكمل يقول :
بالتالي نحن سنعتمد الدين الإسلامي ليعبر عن بقية الأديان الأخرى في هذه المنازلة ولن نعتمد نظرة أو رأي أي دين آخر غيره.. والموضوع ليس فيه أي تحيز من أي نوع.. إنما تم اختياره اختيارا علميا محضا.. فكما نرى أمامنا على هذا الهولوجرام.. علميًا.. علميًا فقط.. اهتم المسلمون بكلام “محمد” اهتماما بلغ حد الكمال.. هذه النقطة الحمراء الكبيرة هناك تمثل النبي “محمد”.. وهذه الموجات الصغيرة الدائرية التي تخرج منها هي الكلام الذي يتكلمه النبي محمد.. انظروا.. فور خروج الموجات تتهافت ناحيتها مجموعة من النقاط الصغيرة الزرقاء.. هؤلاء هم أصحاب محمد.. إنهم يسمعون كلامه الآن.. ثم كما نرى تفرقت النقاط الصغيرة وبدأت تخرج منها موجات صغيرة أيضًا.. إنهم يتحدثون بما سمعوه من كلام محمد.
تقدمت قليل لأركز أكثر.. أكمل “آدم”:
الآن اقتربت الصورة كما ترون من نقطة واحدة من النقاط الزرقاء والتي تمثل صحابيا واحدا.. كما ترى اقتربت منها نقطة خضراء تمثل واحدا من التابعين.. والتابعي هو الذي رأى الصحابي ولم يرى النبي.. أخذت النقطة الخضراء الكلام من الصحابي ونقلته إلى نقطة بنفسجية تليها.. هذه النقطة البنفسجية تمثل رجل يدعى )راوي(.. وهو رجل صالح بعد جيل التابعين.. ينقله هذا الراوي إلى نقطة بنفسجية تليه تمثل راويًا آخر.. ثم إلى نقطة بنفسجية تالية وهكذا حتى يصل النقل إلى نقطة كبيرة حمراء تشبه النقطة الأولى.. هذه النقطة الحمراء الأخيرة تمثل رجل يدعى “المخرّج” وهو الرجل الذي كتب القول الذي ينتقل عبر هذه السلسلة في كتاب كبير جمع فيه مئات الأقوال يسمى “كتاب حديث”.. وكتب في هذا الكتاب أسماء كل رجال السلسلة الذين نقلوا هذا القول وكل قول استطاع أن يصل إليه من أقوال النبي.. أي أنه كتب كل قول وكتب أسماء كل الرواة الذين نقلوا هذا القول حتى وصل إلى التابعي ثم إلى الصحابي ثم إلى النبي.. لدينا ستة كتب كبيرة للحديث جمعت فيها أحاديث النبي محمد وأفعاله.. ولكن هذا كله لا يعني شيئا بالنسبة للعلم و لا يجعله يأخذ الكلام على أنه موثوق .. فربما يكذب أو يبدل أي عضو في هذه السلسلة الكلام المنقول .. وبالتالي لا يكون موثوقا.. إلا أن المسلمين حق ا فعلوا شيئًا عجيبًا جدًا.. أجبر العلم أن ينحني وينظر إلى الكلام ويعتبره كلا مًا موثوقا رغمًا عن أنفه..
_135_
بل اعتبره العلم أكبر كلام موثوق نقل في التاريخ.. والآن لننظر إلى الهولوجرام بتمعن حتى نفهم ماذا فعل المسلمون.
اقتربت الصورة في الهولوجرام من إحدى النقاط البنفسجية.. ذلك الذي يسمى “راوي”.. فتابع “آدم”:
و الآن انظر جيدًا.. هذا رجل من الرجال الذين نقلوا الحديث في السلسلة.. انظر إليه وتنبه.
برزت أشياء أشبه بالعدسات المكبرة أحاطت بالنقطة البنفسجية التي تمثل الرجل.. أشار إليها “آدم” وقال:
هذه العدسات المكبرة تمثل رجالا عاصروا هذا الرجل الذي ينقل الحديث.. وكانوا يراقبون أحواله مراقبة محكمة.. يراقبون أخلاقه طوال حياته.. ويقولون حكمهم عليه في النهاية.. ليبلغوا من سيأتي بعدهم من الأجيال.. مثل يقولون أن هذا الرجل كان يتصف بالفضيلة أو يقولون كان رجل كذابًا…. ليس هذا فقط، بل إنه لو ثبت من مراقبتهم له أنه ذو أخلاق عالية فهم لا يعتبرونه عندهم راويا موثوقا للحديث إلا عندما يختبرون قوة حفظه، فيقولون مثلًا هذا الرجل قوي الحفظ.. أو هذا الرجل سيئ الحفظ.. فلا يقبلونه إلا لو نجح في الاختبارين.. أن يكون ذا أخلاق عالية جدًا وذا ذاكرة قوية.
أشار “آدم” بإصبعه وقال:
والآن راقب جيدًا.. لو كان الرجل كذابًا.. انظر ما يحدث معي.. تختل السلسلة كلها كما ترى وتصبح روابطها متعرجة ومهزوزة بعد أن كانت مستقيمة.. وبالتالي فإن هذا القول المنقول عن النبي و الذي يسمى “حديث” يكون حديثا مكذوبًا ولا يُعتد به عند المسلمين.. حتى لو كذب الرجل مرة واحدة في حياته فقط.. فهم لديهم حساسية مفرطة ضد من كذب.. يسقطونه من حساباتهم مباشرة.. مرة أخرى ننظر إلى سلسلة أخرى من الرجال.. ونقترب مرة أخرى من نقطة بنفسجية تمثل راويا من رواة الحديث.. وها هو تحيط به العدسات كما ترى .. هذا الرجل على خلق عال جدًا ولم يكذب في حياته قط لكنه سيئ الحفظ.. أيضًا تختل السلسلة كلها.. والحديث يسمى حديثا ضعيفا.. ولا يُعتد به.. إذًا لا يُعتد سوى بالحديث الذي يكون رجاله كلهم على درجة عالية من الخلق وعلى درجة عالية من قوة الحفظ.. ومعنى درجة عالية من الخلق أي أنهم لم يفعلوا السيئات الكبيرة طوال حياتهم مثل شرب الخمر أو الزنا أو الربا أو الغيبة أو السرقة أو الظلم.. ولم يفعلوا السيئات الصغيرة أيضًا.. ولم ير منهم أو يسمع عنهم أي سوء
_136_
مطلقًا طوال حياتهم.. باختصار هم لا يقبلون من يُبلغ حديثا عن النبي “محمد” إلا أن يكون رجلًا صالحًا شديد الصلاح ورعًا تقيًا حافظًا سيرته عطرة عند كل الناس في مجتمعه وخارجه.
نظر “آدم” للعدسات وقال:
هذه العدسات التي تراها تهرع لمراقبة كل نقطة في السلسلة تشكل ما يسميه المسلمون علم الرجال أو علم الجرح والتعديل.. وبالنسبة للسلاسل نفسها التي تمثل كل قول من أقوال النبي أو أفعاله حتى ينتهي إلى كتاب من كتب المخرجين.. تشكل ما يسمونه “السند”.. والقول أو الحديث نفسه الذي تنقله السلسلة يسمى “المتن”.. باختصار.. كل قول من أقوال النبي محمد لدينا أسماء من نقلوه كلهم وسجل أحوالهم وأخلاقهم وقوة حفظهم كلهم.. فكما نرى .. بهذه الطريقة، الأحاديث الصحيحة هي بما لا يدع مجالا للشك كلام قاله “محمد” حقًا أو فعله “محمد” بلا أدنى شك علمي في هذا.
سكتت الهمهمات وانتبه الرجال إلى حديث “آدم” وهو يقول :
أما بالنسبة للقرآن فقد كان انتقاله بطريقة أكثر قوة من هذه بكثير.. انظر معي إلى الهولوجرام.. هذه النقطة الحمراء تمثل النبي.. ها هو يتلو القرآن كما ترى .. وتأخذه عنه وتحفظه جميع النقاط الزرقاء )الصحابة(.. ثم هذه النقاط الزرقاء أصبح يجتمع على كل واحدة منها عشر نقاط على الأقل من النقاط الخضراء )التابعين( يحفظون القرآن عن هذا الصحابي.. وكل نقطة من النقاط الخضراء التي حفظت تأتيها ما يقرب من عشر نقاط بنفسجية يحفظون عنهم القرآن وهؤلاء البنفسجيون الذين يحفظون القرآن يدعى كل واحد منهم )قارئ حافظ(.. وكل قارئ حافظ بنفسجي من العشرة تأتيه عشر نقاط بنفسجية أخرى يحفظون عنه القرآن.. وكل عشرة يأتي كل واحد منهم عشرة.. فكل عشرة ينتج عنهم مائة حافظ.. وكل مائة ينتج عنهم ألف حافظ.. وكل ألف ينتج عنهم عشرة آلاف حافظ.. وهكذا في كل جيل حتى يومنا هذا نجد ملايين الحفاظ.. وكل قارئ حافظ في هذه السلسلة لا يعتبر حافظًا رسميًا ويأخذ شهادة سند متصل بالنبي أو ما يسمى “الإجازة” إلا إذا قرأ القرآن كله بدون خطأ واحد في أي حرف واحد أمام شيخه الذي لقنه فإن أخطأ أعاد من البداية.. وشيخه فعل هذا مع شيخه.. فإذا نجح يأخذ شهادة سند متصل مكتوب فيها اسمه واسم شيخه وشيخ شيخه و هكذا وصولا إلى النبي “محمد”.. جيل كامل يحفظ القرآن عن جيل كامل عن جيل، عن جيل، حتى جيل “محمد”.. هذه الطريقة تسمى التواتر..
_137_
آلاف الحُفاظ يقرأون القرآن كاملًا بدون خطأ عن آلاف الحفاظ في كل جيل من جيلنا هذا حتى جيل النبي.. ويستحيل في هذه الطريقة الخطأ أبدًا.. ولو في حرف واحد.. فالحديث العادي ينقله عن كل رجل رجل أو رجلان أو ثلاثة.. لكن القرآن ينقله عشرة رجال على الأقل عن كل رجل.. فيستحيل تواطؤ العشرة على السهو أو النسيان.. وكل الرجال في هذه السلاسل طبعًا معروفة أسماؤهم.
وأخيرًا قال “آدم” بطريقة من ينهي الحديث في هذه النقطة:
كما نرى ، هذه الطريقة في النقل عن “محمد” تمنع تمامًا أي نوع من حسن الظن وتمنع تمامًا أي نوع من الشك في صحة الكلام المنقول .. هذا لم يوجد في المسيحية ولا في اليهودية.. بل إنه لا يُعلم لهاتين الديانتين سند متصل حقيقي بغض النظر عن معرفة أحوال من نقلوه.. وبهذا فإننا علميًا.. علميًا فقط.. سنأخذ بالكلام الذي يقوله محمد عن الله وسنعتبره هو الكلام الديني الذي سيواجه العلم وسيواجه الفلسفة في منازلتنا هذه.. والرجل الذي سيمثل الدين اليوم هو “المبارك” وهو من حُفاظ القرآن و حُفاظ الحديث.
ثم التفت “آدم” إلينا وقال:
سيداي.. هل لديكما أي تعليق أو تعديل عما ذكرت حتى الآن؟
مهل.. إنه يتحدث إلينا أنا وأنت.. ما رأيك؟ أنت ترى بنفسك.. بالنسبة للعلم فلا يقبلون الفرضيات لأنها غير مثبتة.. وبالنسبة للدين لا يقبلون الكلمة فيه إلا إذا كانت مثبتة إلى نبي.. ولا يوجد كلام مثبت علميًا نسبته إلى نبي إلا كلام النبي “محمد”.. قرآنه وحديثه.. ولا يقبلون الضعيف من الحديث.. إذًا فقد قمنا بعملية “فلترة” أو تصفية كاملة لكل ما هو غير مثبت سواء في العلم أو في الدين.. وما تبقى بعد الفلترة هو الذي سيتواجه هنا لنرى كيف سيتعارض وكيف سيتفق.. في رأيي أنهم أرسوا قواعد قوية فولاذية وصحيحة ومنطقية جدًا جدًا قبل بدء هذه المنازلة.. لقد تحمست يا صديقي.. لذلك قلت لآدم:
أكمل يا فتى.. لقد أثرت شوقنا.
سكت “آدم” قليل وكأنه يجهز لبدء شيء كبير ثم قال:
سأذكر الآن طريقة المناقشة وآلياتها.. عندما أطرح أي سؤال سيضيء مقعد من المقاعد.. وهذا يعني أن الجالس على هذا المقعد يجب أن يقف ويتحدث بما يلخص أفكاره وأبحاثه في جواب هذا السؤال.. في كل سؤال سنجعل الفلاسفة يتكلمون أولا.. ثم العلماء التجريبيون .. لأن كلام الفلاسفة يعتبر رياضة عقلية
_138_
تجعل عقولنا تتحرك عن سباتها.. فتكون مهيأة بعدها لاستقبال رأي العلم.. وستكون إضاءة المقاعد سواء للفلسفة أو العلماء مرتبة تاريخيًا.. أي أن المقعد الذي سيضيء أولا سيكون هو مقعد الرجل الذي أدلى بأول رأي في هذه المسألة.. ثم يضيء مقعد رجل آخر هو ثاني من ذكر رأيه فيها وهكذا.. ثم سيكون رأي “المبارك” هو الرأي الأخير الذي سيقال بعد كل هذه الآراء كلها ليخبرنا برأي الدين.. وتذكروا أثناء إضاءة المقاعد أن الضوء الأخضر يعني أن هذا الشخص فيلسوف.. والضوء الأحمر يعني أن هذا الشخص عالم تجريبي.
كان الجميع صامتًا يتابع باهتمام.. قال “آدم”:
إذ سنبدأ الآن.. وسنطرح السؤال الأول .. هل هذا الكون الذي نعيش فيه جميعا ونمشي على أرضه ونتنفس هواءه ونطالعه من وراء التليسكوب، هو كون موجود هكذا بحالته هذه منذ الأزل ؟ أم أن له بداية؟ ولو كانت له بداية فما الذي ابتدأها؟ أو مَن؟ أهو الله أم شيء آخر؟
فجأةً أضاء مقعد “أرسطو” بالضوء الأخضر.. وهو رجل بلحية بيضاء قصيرة وشعر أبيض قصير نازل على جبينه… قام “أرسطو” واقفا وقال:
ليس الكون الذي نعيش فيه هو الأزلي.. هذا كلام غير دقيق.. بل المادة التي صُنع منها الكون هي الأزلية.. هذه المادة سميتها أنا “الهيولا”.. هذه الهيولا لطالما كانت موجودة منذ الأزل .. والله موجود أيضًا منذ الأزل .. لكن هذه الهيولا فيها خاصية مهمة.. هي خاصية عشق الله.. هذا العشق جعلها تتحرك تلقائيًا من نفسها لتصنع هذا الكون وحدها بدون تدخل من الله.
سأله “آدم” باهتمام:
إذًا أنت تؤمن بوجود الله؟
قال “أرسطو” مباشرة:
نعم بالطبع.. وأنا أنزهه تمامًا عن أي نقص بحديثي هذا.. فنحن إذا قلنا أن الكون لم يكن موجودًا ثم أوجده الله فجأةً.. فهذا يعني أن الله لم يكن قادرًا على الخلق ثم جاء عليه وقت وأصبح قادرًا على الخلق.. فخلق الكون .. هذا لا يجوز في حق الله.. إذا فالحل لهذه المعضلة هو أن الهيولا موجودة منذ الأزل مثلها مثل الله.. والله لم يخلقها ولم يخلق الكون .. وإنما هي التي تحركت لتصنع هذا الكون تعبيرًا عن عشقها لله.. والله فقط كان دوره أن يُثير حبها له فتتحرك له عشقًا.. وإثارته لحبها ليس قصدًا منه ولكن هذا طبع فيها هي لا دخل له فيه.
_139_
هنا أضاء كرسي “ابن سينا” بضوء أخضر.. فقام الطبيب الفيلسوف “ابن سينا” وهو رجل حاد الوجه حاد اللحية يرتدي عمة بيضاء.. قال “ابن سينا” وهو ينظر إلى “أرسطو” بإعجاب:
مكثت طويلًا جدًا أقرأ كتب “أرسطو” وأحاول أن أفهمها حتى حفظتها.. وفي النهاية فطنت إلى ما فيها من النور والذكاء.. المسلمون لم يكونوا يستسيغون الفلسفة ويرون فيها كفرًا للوهلة الأولى.. لكني وجدت أن الفكر الإسلامي قادر على استيعابها.. و..
قاطعه “آدم” :
لا يسمح لك بهذا الاستطراد الشخصي.. اذكر رأيك في الموضوع باختصار يا سيدي.
تحرج “ابن سينا” قليل لكنه قال:
حسنا.. معذرة.. الكون فعلًا هو شيء موجود مع الله منذ الأزل .. مثلما أن النور موجود مع الشمس منذ أن وُجدت الشمس.. والحرارة موجودة مع النار منذ أن وُجدت النار.. وسأشرح لماذا.. لأننا عندما نقول أن الله خالق.. فإننا نعني حتمًا أن الخلق هو صفة موجودة فيه منذ الأزل .. فلو سلمنا بعد ذلك أنه خلق الكون في وقت معين من الأوقات كما يتصور معظم المسلمين.. سنقع في مشكلة.. تعالوا نفكر في الله قبل أن يخلق الكون .. هل كنا نستطيع أن نسميه خالقًا وقتها؟ بالطبع لا.. لأنه لم يخلق الكون بعد.. كيف لا نستطيع أن نسميه خالقا في ذلك الزمن والمفترض أن الخلق صفة أزلية فيه؟ إذا فالمخرج من هذه المعضلة أن نؤمن أن الكون أزلي مع الله.. لكن الله هو الذي خلقه.. كيف يكون هذا؟ ببساطة كلمة خلقه هنا لا تعني الخلق بالمفهوم التقليدي.. بل تعني أن الكون صادر عن الله منذ الأزل .. مثلما نقول أن الشمس خلقت نورا.. أو أن النار خلقت حرارة.
ثم أضاء بالضوء الأخضر كرسي رجل ذي لحية طويلة وعمة مميزة.. كان هذا هو “أبو حامد الغزالي”.. من أهم علماء ومفكري المسلمين في ذلك العهد وقد قام قائلًا:
لقد نسي “ابن سينا” صفة مهمة جدًا لله لو أنه تذكرها لحلت معضلته.. لقد نسب لله صفة الخلق.. لكنه نسي صفة الإرادة.. نعم الله خالق منذ الأزل .. لكن له إرادة منذ الأزل أيضا.. هذه الإرادة جعلته يخلق الكون في زمن معين أراد أن يخلقه فيه.. هكذا حلت القضية.
_140_
ثم أضاء ضوء أخضر آخر في مكان آخر.. كان هذا هو “ابن رشد”.. من فلاسفة المسلمين في الأندلس.. كان يرتدي عمة بيضاء أيضا و يبدو رجل مفكرًا ساهمًا.. قال “ابن رشد”:
تصور “ابن سينا” باطل.. هو كأنما يجعل الله خالقًا رغمًا عنه.. ليس باختياره.. مثل أن الشمس تصدر نورًا رغمًا عنها وليس باختيارها.. وأيضًا كان رد “الغزالي” عليه باطل.. يقول أن الله اختار بإرادته خلق الكون في زمن معين.. هذا غير منطقي.. فقبل أن يخلق الله الكون .. كان الله وحده يعيش منذ الأزل .. والأزل معناه زمن لا متناهي في الماضي.. لو قسمت هذا الزمن اللامتناهي قبل خلق الكون إلى أزمان.. ستجد أن كل هذه الأزمان متماثلة.. لا فرق بين زمن منهم وزمن.. لا ميزة لزمن منهم على زمن.. كلها أزمان متماثلة في سيل الزمن اللامتناهي.. لماذا اختارت إرادة الله الأزلية أن تخلق الكون في زمن معين منهم دون آخر؟ ما الذي رجح للرب أن يخلق الكون في هذا الزمن بدلا عن ذلك الزمن المماثل له تمامًا؟ هل ما رجح هذا الاختيار هو سبب خارجي؟ هذا لا يصح لأنه لا شيء يؤثر على الله وعلى اختياراته.
قال له “آدم” بهدوء:
أبطلت كلام هذا وذاك ولم تذكر لنا الحل من وجهة نظرك.
قال له “ابن رشد”:
هما أثبتا لله صفة الخلق منذ الأزل ..لكن كلًا منهما تصورها تصورًا خاطئًا.. والصحيح هو أن الكون أزلي لأن صفة الخلق عند الله أزلية.. وأنا هنا أقصد الخلق الحقيقي بإرادة الله.. ليس رغمًا عنه كما يدعي “ابن سينا” فهذا لا يصح.. ولا أقصد أيضًا أنه خلقه في زمن معين بإرادة أزلية كما يقول “الغزالي” فهذا لا يصح.. بل أقصد أن الله يخلق الكون في كل لحظة منذ الأزل وحتى الآن.. ولهذا فالكون أزلي.. فلو غاب الله عن الكون طرفة عين لانهار الكون كله.
ثم أضاء نور أخضر عند كرسي رجل ذو عمة زرقاء ولحية متوسطة وملامح عربية أصيلة.. كان هذا هو “ابن تيمية”.. أحد علماء المسلمين الكبار جدًا.. قال “ابن تيمية”:
إن “ابن رشد” قد نجح في إبطال كلام “ابن سينا” و”الغزالي” بحجج جميلة وأهنئه على هذا لكنه قد أعادنا مرة أخرى إلى فكرة “أرسطو” أن الكون أزلي مع الله.. الفرق فقط أنه يقول أن الله خلقه عن رغبة منه.. بل هو يخلقه في كل ثانية.. أي أنه أبطل ما هو باطل و لجأ بدلا منه إلى باطل آخر..
_141_
والحقيقة أن أقربهم إلى الحق كان “الغزالي” لما اقترح فكرة الإرادة لكن خطأه كان أنه تصور أن الله خلق الكون بها في زمن معين.. وهذا باطل و كان سهل على “ابن رشد” أن يبطله لأن الأوقات قبل خلق الكون كلها متماثلة.. لا ترجيح لأحدها عن ا لآخر.
قال له “آدم” وهو يفكر:
إذًا هلا أخبرتنا عما تراه حل لهذه المشكلة؟
قال “ابن تيمية”:
الحل بسيط.. الله خالق منذ الأزل نعم.. لكن لا يوجد شيء اسمه الكون موجود منذ الأزل .. ستقول إذًا ماذا عن الله قبل أن يخلق الكون ؟ سأقول ومن قال لك أن الكون هو أول مخلوق .. لم يثبت هذا في قرآن ولا حديث.. بل ثبت أن هذا الكون واحد من مخلوقات الله.. وكان قبله أشياء مثل القلم ومثل العرش.. أنت تتصور أن الكون هو أول مخلوق لأنه هو الشيء الذي حولك وتعيش فيه.. لكن هذا غير صحيح.. بل خلق الله قبله كذا وكذا وكذا حتى نصل لأول مخلوق .. قبل أول مخلوق كان الله وحده ولم يكن معه شيء.. كان ولا يزال متصفًا بصفة الإرادة.. لكن ليست الإرادة التي فهمها الغزالي.. بل الإرادة التي قال الله عنها في القرآن: “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون”.. يعني إذا أراد شيئا، فإن هذا الشيء يكون مباشرة في الحال دون تأخير إلى وقت معين كما افترض “الغزالي”.. مثلما نقول كسرت كذا.. طلقت فلانة.. شيء يحدث في الحال.. فبعد أن كان الله وحده، شاء أن يخلق أول مخلوق فانخلق أول مخلوق في الحال والتو.. ثم شاء أن يخلق ما بعده فانخلق.. إلى أن شاء الله أن يخلق الكون فانخلق الكون.
قال له “آدم”:
هل هذا يعني أنه لا توجد خطة لله؟ هو يفعل عندما يريد فقط؟ ألا يخطط لأمور ستحدث في المستقبل في أزمنة معينة لتحدث مثلا؟
قال ابن تيمية:
طبعًا هناك خطة.. وهي لا تتعارض مع كن فيكون .. الخطة فقط تهتم بالأحداث التي ستحدث وترتيبها.. أما عن كيف ستحدث فبعضها يكون مخلوقات يخلقها الله بكن فيكون مثل خلق آدم.. وبعضها يكون تقديرات يقدرها الله مثل إخراج آدم من الجنة مثلا.. كل هذا مكتوب في الخطة.
سأله “آدم”:
_142_
ومن كتب هذه الخطة؟ هل الله هو الذي كتبها؟
قال “ابن تيمية”:
أول شيء خلقه الله هو العرش.. ثم خلق بعده القلم.. ثم قال للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.. فكتب القلم كل ما سيكون من أحداث إلى يوم القيامة.. كتب القلم الخطة كاملة.. وتنفيذها يكون بإرادة الله أن يخلق كذا فينخلق في التو.. ثم يخلق كذا فينخلق.. ثم يقدر الله أن يحدث كذا فيحدث وهكذا.. حسب الخطة المكتوبة.
سكت “ابن تيمية” قليلا ثم قال:
إنهم يفهمون الأزلية خطأ.. الأزلية الحقيقية ليست أزلية المخلوقات.. بل أزلية الأحداث.. والأحداث أزلية لأن أفعال الله هي التي تحدثها.. فالله يفعل كذا ويفعل كذا منذ الأزل .. أفعاله أزلية لأنه أزلي.. إذًا كل إثباتاتهم الرياضية وغير الرياضية على أن الأزلية موجودة هي إثباتات صحيحة كلها.. لكنها لا تعني أزلية المخلوقات بل أزلية الأحداث.. أزلية المخلوقات وهم كبير.. لو قلنا من الذي خلق الإنسان.. الله.. ومن الذي خلق الله.. هذا سؤال لا يصح.. لأنه لا ينبغي لك أن تبحث عن تفسير للتفسير.. لو ظللت تبحث عن تفسير للتفسير ثم تفسير لتفسير التفسير وهكذا إلى ما لا نهاية فلن تصل في النهاية إلى تفسير أبدًا.. إن معنى كلمة أزلية أن الأشياء لو سلمنا بها فستعني أنه لن يوجد أي شيء من هذه الأشياء.. لأن أسبابها تمضي إلى ما لا نهاية فلن يوجد لها سبب.. وبالتالي لن توجد.. لا بد من تفسير ليس له تفسير.. هذا هو الله.
قال “آدم”:
هذا منتهى كلام الفلاسفة في شأن الأزلية.. وكل من جاء بعد هذا وتحدث في أمرها أعاد نفس هذه المعضلات ولم يقدم شيئا جديدا.
هنا ومض ضوء أصفر بشكل متقطع وسط المقاعد.. نظر الجميع باستغراب إلى المقعد.. لم يكن هذا من ضمن الألوان المتفق عليها.. حتى صاحب الكرسي بدا مرتبكًا لا يدري هل يقف أم أن هذا عطل فني.. لا أظن أن في مثل هذا العالم أعطال فنية.. سمعت صوت “آدم” يقول :
معذرة.. نسيت أن أخبركم أن الضوء الأصفر المتقطع يعني أن من سيقوم هو أديب.. لا هو فيلسوف ولا هو عالم.. معذرة مرة أخرى عن هذا السهو.. الآن يقف السيد الكاتب والشاعر الشهير “إدجار آلان بو”.
_143_
وقف “إدجار” محرجًا نوعًا ما.. هذا هو الرجل الذي يعتبر الأب الروحي لأدب الرعب.. رجل ذو ملامح مميزة جدًا وبدلة سوداء تعطي إيحاء بالكآبة أكثر من إيحائها بالأناقة.. قال “بو”:
معذرة لا أفهم بالضبط دوري في هذا المجمع الرائع.. فكل ما قلته كان معتمدًا على خيالي وحده.. بالنسبة لموضوع أزلية الكون هذا فلقد تخيلت ذات مرة تخيل في إحدى قصائدي وتدعى “يوريكا”.. قلت نصًا إن الله قد خلق بإرادته شيئًا صغيرًا جدًا أشبه بجسيم صغير.. ثم انفجر هذا الجسيم الصغير لتخرج لنا منه جميع جسيمات هذا الكون .. ولمَّا خرجت هذه الجسيمات بدأت تنجذب بعضها إلى بعض فكونت مجموعات تدعى المجرات.. ثم تباعدت هذه المجرات بعضها عن بعض بفعل الانفجار الأول وما زالت تتباعد حتى الآن.. ثم بعد حين من الزمن سينهار الكون ويعود إلى ذلك الشيء الصغير الذي كانه أول مرة.
هنا اشتعل ضوء أحمر عند أحد الكراسي.. ووقف تبعًا له رجل هو الشخصية الأكثر تأثيرًا في تاريخ العلم التجريبي.. وقف بشعره الثائر الشهير ونظرته التي تشع ذكاءً حادًا جدًا.. كان هذا هو “ألبرت أينشتاين”.. الذي قال بصوته المميز:
جميلة هذه المناقشات الفلسفية والتي ألاحظ أنها تتعدل وتتصحح مع كل قول .. وانبهرت بكلام الشاعر “بو”.. لا أدري كيف استطاع أن يتخيل نظرية البيج بانج وتوسع الكون ونحن قد مكثنا عشرات السنين حتى عرفنا سيناريو منطقي لها.. بينما هو فَعل هذا قبلنا بكثير جدًا اعتمادًا على خياله فقط.. بالنسبة لكلامكم عن أزلية الكون هذا يذكرني بأكبر خطأ ارتكبته في حياتي كعالم.. قبل أن أتحدث عن خطأي أود أن أقول أن هذا الأمر قد أخذ منا كعلماء تجريبيين جهدا كبيرا لسنوات طوال مثلما أخذ من الفلاسفة حتى وصلنا فيه إلى قول فصل.. فنحن كعلماء تجريبيين كان بيننا صراع علمي شهير على هذه النقطة.. أهناك بداية للكون أم هو أزلي؟ ولقد حسمنا هذا الجدل الطويل الذي أتعبنا سنوات وسنوات.. حسمناه حسمًا علميًا في النهاية.. وإن لهذا قصة.
سكت “أينشتاين” قليلا ثم أكمل:
ذات يوم توصلت إلى معادلات النسبية العامة التي تسمى بمعادلات المجال، لم أستطع أن أصدق ما تقوله لي هذه المعادلات.. لقد كانت تخبرني أن هذا الكون ليس ساكنًا كما يتصور الجميع.. هذا الكون إما أنه يتوسع وإما أنه ينكمش.. كانت تخبرني أن هناك قوة جذب بين كل الأجرام هي قوة الجاذبية ولا توجد قوة أخرى تقابلها..
_144_
لو صدقت المعادلة سأصدق أن الكون الساكن الجميل الذي أومن به يجب أن ينهار على نفسه بفعل هذه القوة الجاذبة التي تجذب كل محتوياته بعضها ناحية بعض.. أو ربما يكون الحل أن الكون يتوسع منذ البداية هاربًا من سلطة الجاذبية هذه.. لكن ما الذي سيجعله يتوسع أصلًا؟ لم أدر جوابًا للسؤال.. ولهذا احتلت على المعادلات حيلة.. فأضفت مقدارًا وهميا للمعادلة سميته “الثابت الكوني” يعادل قوة الجذب هذه بالضبط.. فعلت هذا حتى أُبقي على تصوري البدائي الأول صحيحا.. وهو أن الكون ساكن.. لا يتوسع ولا ينكمش.
سكت “أينشتاين” وعلى وجهه علامات خجل طفولية مما فعل ثم قال:
بعد هذا بسنوات جاءني أحد الرياضيين الروس الموهوبين هو “ألكسندر فريدمان” وأثبت لي بالرياضيات أن معادلاتي بعد إزالة الثابت الكوني الوهمي منها تقول بوضوح أن هذا الكون يتوسع ولا ينكمش، لكنني لم ألق بالا لكلامه.. وبعدها بسنوات جاءني رجل آخر من بلجيكا هو عالم وراهب في نفس الوقت.. كان اسمه “جورج لوميتر” وطرح أمامي نفس الكلام الذي أخبرني به الروسي.. قلت له أن هذا الكلام قديم وسمعته من قبل وأنه هراء.. صدمه رد فعلي وصدمه أن هناك من فكر في نفس الكلام وأثبته قبله.
نظر “أينشتاين” إلى ناحية ما ورفع يده بالتحية لجورج لوميتر الذي كان بين الجالسين.. فرد عليه التحية.. أكمل “أينشتاين” وهو ينظر للراهب بامتنان:
لم يستسلم الراهب لكلامي وأخبرني وقتها بنظريته الجديدة التي تقول أن هذا الكون كان نقطة صغيرة ثم انفجرت.. وتوسعت الشظايا من الانفجار وكونت كل هذه الأجرام وما زالت تتوسع حتى اليوم.. نفس الكلام الذي تله علينا منذ قليل ذلك الشاعر “بو”.. إن مجرد رفضي النظر في كلام ذلك الراهب أعطاه عدم مصداقية في جميع الأوساط.. لكنه استمر سنوات بعدها وهو يحاول إقناع الناس بإصرار بنظريته.. ولقد نجح فعلًا حتى إن العلماء قد انقسموا إلى فريقين.. فريق يؤمن بكلامي والفريق الآخر يؤمن بكلام الراهب.. ومن فصل بيننا في النهاية هو اكتشاف صديقي الفلكي “هابل”.. ومن الأفضل أن أدعه يتحدث هو في هذه النقطة.
أضاء ضوء أحمر بجانب “أينشتاين”.. كان هذا هو العالم الفلكي الأمريكي “هابل” والذي يسمى التلسكوب الشهير باسمه.. كان رجلًا ذا ملامح تعطي إيحاءً بالخطورة.. قال “هابل”:
_145_
بعد اكتشافي بتلسكوبي الشهير لأول مرة وجود مجرات أخرى غير مجرتنا.. علمت أن هذه المجرات ترسل لي رسالة.. كانت تريد أن تقول لي شيئًا مهمًا.. في البداية لم أنتبه.. لكن فجأة فهمت.. فهمت رسالتها لي.. ببساطة من المعروف أن الضوء العادي حين تحلله إلى طيفه تجد أن هذا الطيف له لون معين حسب طول الضوء الموجي.. ربما يكون لون الطيف أزرق أو أخضر أو أصفر أو غيره من الألوان.. الضوء الذي له طول موجي أكبر يظهر عند التحليل طيفًا أحمر.. والذي له طول موجي أقصر يظهر عند التحليل طيفا أزرق.
برزت صور على الهولوجرام تشرح كلام “هابل” بالصور.. فأشار لها وهو يكمل:
عندما حللت الضوء الذي يأتينا من المجرات الأخرى .. وجدت أن طيفه ذو لون أحمر.. ومع الوقت يتجه ليكون أكثر احمرارا.. دلني هذا إلى أن الضوء الآتي لنا من المجرات طوله الموجي يتزايد مع الوقت.. لم يكن لهذا سوى معنى واحد فقط: أن النجم الذي يصدر ذلك الضوء هو في الحقيقة يبتعد عنا.. وكلما ابتعد عنا زاد طوله الموجي وبالتالي ظهر طيفه أكثر احمرارا. كانت هذه المشاهدة صحيحة من جميع الاتجاهات.. لقد أجريت التجربة على حوالي 40 مجرة حولنا.. وكل مرة أخرج بنفس النتيجة.. عندها فهمت الرسالة التي حدثتني بها النجوم.. الرسالة التي أخبرتني أن كل هذه النجوم والمجرات التي حولنا هي في الحقيقة تبتعد عنا.
أشار “هابل” إلى “أينشتاين” وأكمل:
بسرعة دعوت صديقي “أينشتاين” ليزورني في مرصدي وأطلعته على تجاربي.. قلت له أن الراهب كان على حق في كل كلمة قالها.. هذا الكون يتوسع فعلًا.. ولأن “أينشتاين” رجل علم حقيقي.. فقد اعترف أن حكاية الثابت الكوني الوهمي هذه كانت أكبر خطأ ارتكبه في حياته.. واعترف أن كوننا هذا يتوسع فعلًا.. وأنه كان شيئًا صغيرًا ثم أخذ يتسع ويتسع وحتى الآن لم يتوقف عن الاتساع.. كانت هذه هي أول مشاهدة تدعم نظرية البيج بانج.. والتي كانت وقتها لا تزال فرضية.
أضاء ضوء أحمر عند رجل روسي يرتدي نظارة ويسرح شعره إلى الجانب الأيمن.. هذا “جورج جاموف” الفيزيائي الروسي الذي قام وقال بشيء من العصبية:
لم يعجبني ما يحدث في الأوساط العلمية.. لم تلق فرضية البيج بانج رواجًا عاليًا حتى بعد مشاهدات “هابل”.. لأنه في المقابل كانت هناك فرضية أخرى
_146_
مدعومة إعلاميا بشكل كبير.. “نظرية الحالة الثابتة” التي خرج بها علينا “فريد هويل” الذي كان خبيرا في الدعاية لفكرته في كل مكان.. وهي فرضية تقول أن هذا الكون العظيم موجود منذ الأزل كما هو وعناصره تجدد نفسها باستمرار منذ الأزل وتتكون كلها باستمرار في النجوم بفعل حرارة النجوم العالية جدا التي تسمح لكل عناصر الجدول الدوري أن يتكون بعضها من بعض واحدًا تلو الآخر.
بحث “جاموف” بعينه بين الجالسين عن “هويل” لكنه لم يجده.. كان كأنه يريد أن يعاتبه.. ثم قال:
“هويل” كان يسخر من فرضية البيج بانج طيلة الوقت.. بشكل مستفز.. لكنه لم يكن يدري أن سخريته هذه خدمت البيج بانج خدمة عظيمة.. أذكر في تلك المقابلة معه في الراديو لما سخر من الانفجار وقال أن الكون ليس فتاة راقصة تخرج من كعكة الحفلة كالـ”بيج بانج”.. كانت تلك دعابة ظريفة جدًا وقتها بالنسبة للناس.. دعابة جعلت اسم البيج بانج يلتصق بالفرضية.. وأصبح اسمها فرضية البيج بانج.. لكن الخدمة الجليلة الحقيقية التي قدمها لي كانت أثناء سخريته أيضًا من الفرضية في إحدى المرات لما قال: “لو كان هناك انفجار حدث فعلًا فليبحثوا لنا إذًا عن بقايا ذلك الانفجار”.. كلمته هذه أوحت لي أنه لا بد حقًا أن تكون هناك بقايا.. وقلت في نفسي أنه طالما حدث الانفجار في درجة حرارة عالية جدًا جدًا في الماضي فيجب أن يتبقى اليوم منه بعد مرور 14 مليون سنة أي إشعاع قابل للقياس.
سكت “جاموف” ثم قال:
اعتمادا على حساباتي وحدها أثبتُّ أن هذا الإشعاع، لو أنه موجود الآن فعلًا، ستكون درجة حرارته 3 درجات مطلقة.. لم تكن هناك في أيامي أي طريقة حديثة يمكننا بها قياس هذا الإشعاع الذي افترضته.. ولذلك، كل كلمي لم يلق رواجًا كبيرًا وظل “هويل” متصدرًا بفكرته الخيالية المدعومة إعلاميًا.
أضاء ضوءان أحمران في مكان ما.. وقام رجلان ألمانيان هما “آرنو بنزياس” و”روبرت ويلسون”.. قال “ويلسون”:
نحن لا دخل لنا بالفلك أو بالفيزياء، إنما نحن باحثون نعمل في مختبر لأحد شركات الاتصالات.. وكنا نقوم بتجربة خاصة بالاتصال اللاسلكي.. بَنَت شركتنا لأجل التجربة هوائيًا عملاقا للتواصل مع أحد الأقمار الصناعية الأولى.. تجربتنا هذه دون أن نقصد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك حدوث البيج بانج وحصلنا
_147_
بسببها على جائزة نوبل في الفيزياء.. الفكرة ببساطة أننا لم ننظر إلى الفضاء بالتلسكوب العادي، بل نظرنا إليه بذلك الهوائي العملاق الذي سميناه الراديو تليسكوب.. فلمَّا نظرنا به إلى الكون وجدنا أن هناك صوتًا مزعجًا خافتًا يأتي من كل مكان في الكون حولنا.. أينما وجهنا الراديو تليسكوب نحصل على نفس الصوت المزعج.. صوت يأتينا على شكل موجات ميكروويف خافتة في كل مكان.. كل من استخدم الراديو تليسكوب قبلنا لم يعر هذا الصوت اهتمامًا لكننا شعرنا أن هذا شيء مهم.. لقد تفتحت أفهامنا إلى أن هذا الصوت لا يأتينا من قمر صناعي.. ولا يأتينا من أي شيء محسوس.. هذا الصوت يأتينا من الكون نفسه.
قال صاحبه “بنزياس”:
لما استشرنا أصدقاءنا الفلكيين في هذا الأمر قفزوا فرحًا لأنهم فهموا معنى اكتشافنا.. لقد تبين لهم أننا اكتشفنا بالصدفة بقايا الإشعاع الذي كان يتحدث عنه “جاموف” من عشرين سنة.. هذه الموجات الخافتة التي سجلها جهازنا على شكل صوت مزعج كانت في الحقيقة صادرة من الفوتونات القديمة المتخلفة عن انفجار البيج بانج.. والتي انتشرت في كل مكان في الفضاء بعد الانفجار.. نحن سميناها إشعاع الخلفية الكونية.. فرضية “جاموف” كانت تقول أن هذه الفوتونات أخذت تخفت عبر الزمن وتقل طاقتها شيئًا فشيئًا وقال أن هذه الفوتونات الخافتة يجب أن تكون حرارتها الآن بعد مرور كل هذه السنين 3 درجات مطلقة فقط…. كل هذه كانت افتراضات من “جاموف”.
قال “ويلسون” وهو ينظر إلى “جاموف” نظرة خاصة:
نحن رصدنا هذه الموجات الخافتة واستطعنا أن نقيس درجة حرارتها لنجدها 2.7 درجة مطلقة.. أقل ربع درجة تقريبا عن كلام “جاموف”.. كانت هذه أقوى مشاهدة تجريبية أثبتت فرضية البيج بانج وحولتها إلى نظرية وجعلتها تهزم كل الفرضيات الأخرى المنافسة لها… ولهذا أُعطينا على إثباتنا هذا جائزة نوبل.. لكن كانت هناك مشكلة عويصة وقفت أمام النظرية.. مشكلة في هذا الإشعاع الخافت الذي رصدناه نفسه.. هذا الإشعاع كانت درجة حرارته متماثلة في جميع أرجائه.. وهذا لا يتفق مع طبيعة الكون الحار في أماكن والبارد في أماكن أخرى .. لم نفهم وقتها لماذا يرسم هذا الإشعاع الخافت صورة مختلفة للكون عما هي حقيقته.
كان “جاموف” يتابع “ويلسون” بتركيز وهو يكمل:
_148_
ربما هو ليس إشعاعًا متبقيا من انفجار الكون على أية حال.. ربما كان إشعاعًا قادمًا من نجوم قريبة.. عاد العلماء وقاسوا درجة حرارة الشعاع بكل السبل المتاحة وقتها فأكد لهم في كل مرة أن درجة حرارته واحدة دائمًا.. ليست مختلفة.. هذا الشعاع لا يعبر عن الكون كامل.. هذا الشعاع كاذب.. كان هذا هو الوتد الذي هدد بسقوط النظرية كاملة.. وساد إحباط عام بين العلماء.
قال “بنزياس” وهو يبتسم:
ثم كانت المفاجأة لما أرسلت ناسا مركبة فضائية متطورة اسمها COBE خصيصا لقياس درجة حرارة هذه الموجات الخافتة المتبقية من الانفجار العظيم عن قرب.. لعلها تجد أي عدم تجانس في درجة الحرارة في أماكن عن أماكن وتنقذ النظرية من السقوط.. وكانت المفاجأة.. كشفت المركبة فعلًا وجود اختلاف في درجات الحرارة في أماكن عن أماكن أخرى .. ليس هذا فقط.. بل تمكنت من رسم خريطة حرارية للكون بأكمله بناء على اختلاف درجات الشعاع.. خريطة توضح أماكن المجرات والنجوم بدقة شديدة جدًا.. لقد كنا على حق منذ البداية.. هذا الشعاع هو أدق شيء يعبر عن الكون .. بل إن هذا الشعاع هو خريطة الكون كله.
قال “ويلسون”:
ثم جاء الإثبات الأخير والنهائي للنظرية.. جاء لما تم اكتشاف أن كثافة هذا الكون متجانسة في جميع أنحائه.. فلو نظرت إلى الناحية اليمنى منه.. أو إلى الناحية اليسرى التي من المفترض أنها بعيدة جدًا عنها وليس بينها وبينها علاقة.. ستجد نفس الكثافة.. العلماء فهموا معنى هذا.. معناه أن هذه النقطة اليمنى.. وتلك النقطة اليسرى البعيدة عنها.. كانتا منذ زمن بعيد معا في نفس الظروف.. ظروف دفعت بهذه النقطة إلى اليمين وتلك إلى اليسار.. ظروف واحدة.. نفس كلام نظرية البيج بانج التي تقول أن كل مناطق الكون كانت ذات يوم معًا في حساء واحد ودرجة حرارة واحدة وكثافة واحدة ثم اندفعت بسرعة واحدة في جميع الاتجاهات.. ولهذا نجد كثافة الكون متماثلة في كل مكان.. كان هذا أكبر انتصار للنظرية وبهذا أخيرا تم اعتمادها رسميًا في جميع الأوساط كنظرية تثبت وتفسر علميًا بداية الكون.
قال له “آدم”:
_149_
هل افهم من كلامكم هذا أن العلم اثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الكون له بداية ؟ وأن هذه البداية هي ما تعبرون عنه بالبيج بانج.
قال “بنرياس”:
بالطبع … العلم اثبت هذه النظرية بما لا يدع مجالا للشك .. بالمشاهدات التي ذكرناها اليوم و بمئات المشاهدات الاخرى التي لا يتسع المجال لذكرها.
تدخل “اينشتاين ” قائلا :
أحب أن أضيف إثباتا علميا بسيطا على أن كوننا هذا يستحيل أن يكون أزليا …. العناصر المشعة التي في الكون… لو كان الكون أزليا لانطفأت هذه العناصر مند دهور طويلة … ولكن حقيقة أنها مازالت مشعة حتى الآن … يعني أنها عندما تكونت أول مرة كانت طاقتها الإشعاعية كاملة… تم فقدت طاقتها تدريجيا عبر ملايين السنين وتبقى منها اليوم ما يشع أمامنا.
قال “آدام”:
إذًا يمكننا اعتبار أن البيج بانج نظرية مثبتة بالمشاهدة ولا توجد أي تجارب تعارضها ؟
قال له “بنرياس ” بثقة :
بالضبط… وهي التي نبني عليها أبحاثنا لاستكشاف باقي الغاز الكون … بقية الفرضيات ليست عليها مشاهدة تثبتها .. لكن في النهاية فإن نظرية البيج بانج لم تستطع بعد أن تخبرنا بالحقيقة لحظة الصفر .. لحظة ما قبل الانفجار .. لم تعرفنا ما الذي كان موجودا قبل الانفجار.. ولم تعرفنا لماذا حدث الانفجار.. لأجل هدا بنى العلماء معملًا كبيرا في سويسرا يدعى “سيرين” مهمته محاكاة نفس ظروف البيج بانج حتى يتمكنوا من فهم اللحظة الأولى وما قبلها.
قال “آدام “:
إذًا لقد قال العلم كلمته ان الكون له بداية … واتفق هذا مع نظرة الفلاسفة عبر الزمن والذين توصلوا بدورهم إلى أن الكون ليس أزليا .. إنما خالقه هو الأزلي … لكن ماذا عن رأي الدين في هدا الأمر ؟
هنا قمت أنا.. معذرة أيها المجتمع العلمي الكريم .. قبل أن يتحدث الدين بأي شيء .. لابد أن يستريح الجميع قليلا… هذا ضروري حتى تستريح عقولنا … انحنى لي ادم موافقا وأشار إلى الحراس فأغلقوا الهولوجرام وبدأ العلماء يقومون من أماكنهم …ولمحنا بينهم سكوربيون يشير لنا لنتبعه.. هذا الرجل موجود في كل مكان .
_150_
حقا.. تبعناه حتى أدخلنا إلى غرفة جانبية.. وقدم لنا مشروبًا ساخنًا.. وأشعل سيجارة.. وعرض علي واحدة فاعتذرت منه.. ثم عرض عليك واحدة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق