Uncategorizedقصص

رواية أرض السافلين …الجزء الثاني عشر

 

نزلنا من عند سكوربيون واتجه بنا “جاندال” إلى بعض الضجيج في الشارع.. قال “جاندال “:
إنها الحملة الانتخابية لرئيس أمريكا الخامس.. “آندرو جاكسون”.
صعد رجل أشيب الشعر طويل القامة موفور الصحة عجوز الملامح إلى منصة عالية وسط حشد كبير من الناس الذين يهتفون باسمه في حماس وسعادة.. بدأت ألاحظ لافتات الحملة الانتخابية التي يحملها الناس.. مكتوب فيها “نعم لجاكسون ولا للبنك”.. و”جاكسون سيقتل البنك”.. ورسومات لجاكسون هذا وهو يقف شامخا والبنكيون يهربون منه مذعورين.. بدأ “جاكسون” يتحدث.. قال:
مهما يكن السبب أو التأثير العام أو الخاص الذي تسبب في ولادة هذا الشيء القبيح المسمى بالبنك.. فهو في النهاية شيء غير ضروري ، بل هو خطر عظيم على الحكومة وعلى الدولة.. إنه لشيء مخز أن الحكومة كانت تنحني لأطماع أصحاب القوة الأغنياء وتنشئ لهم بنكا وراء الآخر.. لكن كل هذا يجب أن ينتهي.. لا بد أن نقف معا كلنا ضد المحتكرين وضد أي عهر يتم من الحكومة لأجل مصالح هؤلاء الثعابين.
هتاف وتصفيق حاد أخذ وقتا ثم هدأ.. فقال “جاكسون “:
أكثر من 8 ملايين سهم في هذا البنك الثاني للولايات المتحدة يملكها أجانب.. هل هناك خطر أكبر على الأمة من هذا الشيء؟ لا ينتمي منه إلى بلدنا سوى القليل.. ويتحكم بأموالنا.. هذا الشيء أخطر علينا من أي قوة عسكرية لأي عدو.. ويبدو أن من أتوا قبلي لم يكونوا يكترثون بالعدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة.. هذا الشيء القبيح يعبث في اقتصاد الدولة تماما مثل سابقيه.
نظرت إلى الرجل المهيب وهو يتكلم بكل قوة وثقة ونظرت إلى “جاندال” الذي قال لي:
آندرو جاكسون .. فور أن تولى منصب رئيس الولايات المتحدة وضع لنفسه هدفا محددا.. أن يقتل البنك.. كان باقيا على انتهاء رخصة البنك ثماني سنوات.. مضى منها أربع في الفترة الرئاسية الأولى لجاكسون .. كانت هذه الفترة مليئة بمضايقات منه للبنك وتصريحات تعاديه طيلة الوقت.. ولما انتهت الفترة الرئاسية الأولى لجاكسون وأراد الترشح لفترة ثانية.. لم يجد واحدا من الأغنياء البنكيين يموله.. بل كانوا يمولون المرشح الاخر بكل ما أوتوا من قوة.. وكان يتوقع هذا
_276_
طبعا.. فنزل ليعمل حملته الانتخابية في الشارع وسط الشعب كما ترى أمامك.. ليس معهودا أن رئيس أمريكا ينزل للشارع هكذا.. العادة أن تتم الحملات الانتخابية في أجواء رئاسية.. لكن جاكسون خالف القاعدة.. كان يتحدث للشعب مباشرة.. ويحذر من البنك.
وفجأة هلل الناس المحتشدون وأخذوا يتقافزون فرحا.. لقد فاز “جاكسون” بفترة رئاسية جديدة.. وخسر المرشح الآخر.. ووقف جاكسون في شموخ على المنصة يقول :
إن البنك يحاول أن يقتلني.. ولكنني أنا الذي سأقتله.. لو أن الناس فقط تفهم حقيقة النظام المخادع الخاص بالبنوك في بلدهم، ستكون هناك ثورة قبل طلوع الصبح.
هلل الجميع فرحين مستبشرين.. ثم انصرف جاكسون وانصرف الناس.. وانصرفنا نحن متخفين وراء جاكسون .. كان هناك أحد الدهانين يدهنون جدران أحد المنازل على جانب الطريق.. وعندما لاحظ اقتراب جاكسون نزل من سلمه واقترب منه بشكل مريب.. وثم سحب مسدسه ووجهه ناحية جاكسون وأطلق بسرعة.. لكن طلقته لم تصب جاكسون الذي لم يهرب بل رفع عصاه التي يتكئ عليها وأخذ يضرب المعتدي على ظهره.. لكن المعتدي وقتها أخرج من جرابه مسدسا آخر وصوبه وأطلق على جاكسون .. لكن الضجيج والتدافع جعل الطلقة الثانية تذهب في الهواء أيضا.. ثم نجح حراس جاكسون في القبض على الرجل.
قال “جاندال”:
لو لم ينجح البنكيون في استمالتك.. أو رشوتك.. أو تشويه سمعتك.. فهم يلجؤون إلى الحل اليدوي السريع.. اغتيالك.. كان جاكسون هو أول رئيس أمريكي يتعرض لمحاولة اغتيال.. والمعتدي “ريتشارد لورنس” اعترف أثناء التحقيق معه أن هناك أناسا أقوياء في أوروبا قد كلفوه بالمهمة ووعدوه بالحماية لو تم الإمساك به.
صرنا نمشي متخفين وراء جاكسون حتى دخل قصره.. ألبسنا “جاندال” زي شجيرات صغيرة أخذنا نمشي بها متخفين وراء الحراس شيئا فشيئا حتى دخلنا إلى القصر.. كان جاكسون يقول لسكرتير الخزينة:
اذهب واسحب أموال الحكومة كلها من ذلك البنك اللعين.. وضع أموالنا في بنك آمن.
_277_
ذهب سكرتير الخزينة.. ثم عاد بعد دقائق.. سيدي لا يمكنني أن أفعل هذا.. وأمسك رقبته وهو يقول .. هذا خطر كما تعلم.. طرده جاكسون .. وعين واحدا آخر.. رأيناه يدخل من الباب.. قال له جاكسون :
اذهب واسحب رصيد الحكومة من ذلك البنك الشرير وضع أموالنا في بنك آمن.
ذهب السكرتير الجديد.. ثم عاد بعد دقائق.. سيدي ولكن ماذا لو.. طرده جاكسون .. وعين واحدا آخر.. رأيناه يدخل من الباب.. قال له جاكسون :
اذهب واسحب مساهمات الحكومة كلها من ذلك البنك وانقلها إلى بنك آمن.
ذهب السكرتير الجديد.. ولم يعد.. ظننا أن شيئا سيئا قد حصل له.. فالأمر يحتاج شجاعة حقيقية حتى تتحدى البنكيين.. لكن السكرتير الأخير هذا فعلها.. وسحب أموال الحكومة كلها من البنك الثاني للولايات المتحدة.. قال لي “جاندال”:
جن جنون البنكيين.. وخرج رئيس البنك في تصريح علني وهو شيء جريء جدا أن يفعله لكنه حصل بالفعل.. قال: هذا الرئيس يظن أنه سيقتل البنك.. لكنه مخطئ.. نحن سنحدث انكماشا ماليا حادا في الدولة. هذه هي الطريقة الوحيدة للتأثير على الكونجرس.. وتجديد رخصة البنك.
قلت لجاندال:
ماذا يعني أنه سيحدث انكماشا ماليا حادا؟
قال “جاندال”:
الانكماش المالي هو ببساطة أن أقلل الأوراق المالية التي في الدولة.. لا أطبع أوراقا جديدة.. وأمنع إعطاء أي قروض جديدة لأي أحد.. وأطالب بكل القروض القديمة المتأخرة.. هكذا تقل كمية الأوراق المالية في السوق ويحدث ما يسمى الانكماش.. وهو يفقر الناس ويعطل التجارة ويسبب الكساد.. وهذا ما فعلوه بالضبط.. فهم المتحكمون بطباعة أموال الدولة.. إذًا يمكنهم أن يفعلوا في الدولة ما يحلوا لهم.. أحدثوا انكماشا رهيبا وكسادا كبيرا ثم لاموا جاكسون عليه في الصحف لأنه سحب رصيد الحكومة من البنك.
دخل مصورون بكاميرات على جاكسون فجأة وكأنهم يجرون معه لقاء صحفيا.. فقال بغضب شديد:
أيتها الأفاعي.. سأقتلعكن جميعًا بحق الله.. سأقتلعكن جميعًا.
قال “جاندال”:
_278_
لم ييأس جاكسون .. وعمل بجد حقيقي.. وخلال أقل من سنة سدد كل الديون التي على الحكومة للبنك.. وكان الرئيس الأمريكي الوحيد الذي سدد ديون الدولة كاملة.. لم يفعلها بعده أحد سواء في أمريكا أو في غيرها.. وجاء موعد انتهاء رخصة البنك.. فانتهت ولم يوافق الكونجرس على تجديدها.. وتم القبض على رئيس البنك بتهمة الاحتيال.. وانتصر جاكسون في هذه الحرب انتصارا ساحقا.. انتصارا أوجع البنكيين كثيرا.. ولقد احتاجوا إلى 77 سنة حتى يقفوا على أقدامهم ثانية بعد الذي فعله بهم جاكسون .. لكن مشكلة جاكسون أنه قتل البنك ولم ينفذ سياسة نقدية جديدة.. بل إنه قتل البنك الكبير ونقل حق إصدار النقود الورقية إلى البنوك العادية.. فصارت بنوك كل ولاية تصدر عملة تلك الولاية.. وطريقة البنوك الصغيرة لا تختلف عن البنك الكبير.. أيضا كانوا يقرضون الدولة المال.. يعني هو قتل الأفعى الكبيرة وترك الأفاعي الصغيرة تلهو بالنقود.
***
سمعنا ضجة بالخارج.. انسحبنا بهدوء لنرى ما الأمر.. الناس تضرب بعضها بعضا في الشوارع.. ثم قرر الناس أن المضاربة بالأيدي لا تصلح.. وقرروا الحرب بالأسلحة الثقيلة.. فكون كل فريق منهم جيشا وبدأوا يتحاربون حربا حقيقية.. هل جن هؤلاء؟ قال “جاندال”:
ألم أقل لك؟ لا يجب أن تتحدى البنكيين أبدا.. قتلت لهم بنكهم.. هذه هي النتيجة.. لقد ظلوا يخططون سنوات طويلة لما يحدث الآن.. لكن هذه المرة كانوا يخططون بغضب وبروح انتقامية.. والنتيجة كانت حربا أهلية دموية.. انقسمت أمريكا وصارت الولايات تحارب بعضها بعضا.. حربا شعواء.. قتل فيها مليون شخص.. واستمرت أربع سنوات كاملة.
انتقلنا لوضع الخريطة فجأةً.. نظرت إلى أمريكا فوجدتها قد كسرت من منتصفها فأصبحت قطعتين.. شمالها يحارب جنوبها.. ومدافع تطلق من هناك ومدافع تطلق من هنا.. ثم فجأة رأيت جيشا يتحرك من فرنسا متجها إلى أمريكا يأتيها من جنوبها.. قال “جاندال”:
هذا نابليون الثالث.. موله البنكيون ليرسل جنوده إلى المكسيك ليستعيد المكسيك من أمريكا.. إن لديهم حسا عاليا من الفن في خططهم ألا ترى ذلك؟ لكن هذا ليس كل شيء.
انطلق فجأة جيش من بريطانيا ووقف عند الحدود الكندية.. واستعد للدخول في الحرب لدعم أحد الفريقين المتحاربين.. وصارت أمريكا بين المطرقة والسندان حرفيا.. قال “جاندال”:
_279_
فلنقل السلام على أمريكا.. لكن من حظ أمريكا في تلك السنين أن “أبراهام لنكولن” تولى رئاستها.. هذا الرجل هو أحد الأبطال في محاربة البنكيين.. ورغم مأزقه هذا والحرب الأهلية والتهديدات الخارجية فإنه نجح في الخروج من الأزمة ببراعة شديدة.. ليس هذا فقط بل إنه نجح في إكمال مهمة آندرو جاكسون في قتل البنوك.
رأينا الآن أبراهام لنكولن بملامحه المميزة جدا يدخل ويجلس على كرسيه.. ثم يستدعي سكرتير الخزنة.. فأتاه فقال له السكرتير:
سيدي.. هناك قرض معروض علينا بفائدة 34 % من بنك الـ…
قاطعه “لنكولن”:
لا نريد أي قروض.
قال الرجل:
وكيف سنمول الحرب يا سيدي؟ إن موقفنا حساس جدا.
قال لنكولن:
الأمر بسيط.. اجعل الكونجرس يمرر لنا قانونا يسمح لخزينة الدولة أن تصدر عملتها بنفسها دون الاعتماد على البنكيين.. وادفع لجنودك من هذه الأموال المطبوعة.. واذهب وفز بالحرب.
قال السكرتير:
وهل سيقبل الناس هذه الأموال يا سيدي؟
قال لنكولن:
طالما هي مصرحة من الحكومة فسيقبلها الناس.
قال لي “جاندال”:
كانت طريقة ثورية أعادت إلى الأذهان عملت الكولونيال سكريبت التي كانت تطبعها أمريكا أيام الثورة.. هذه أوراق تطبعها الحكومة بنفسها.. لا تقترضها من البنك.. وتطبع منها على حسب حاجة الدولة التجارية.. كانت الأوراق التي طبعها لنكولن اسمها الجرين باكس.. دفع للجنود منها واشترى أغراضهم منها وذهبوا وحاربوا… وبتأثير البنكيين على كثير من أعضاء الكونجرس.. مرر الكونجرس قرارا بالسماح للبنوك بإصدار عملة الدولة بنفس الطريقة القديمة بالاقتراض.. على أن تكون جنبا إلى جنب مع الجرين باكس.
_280_
أتى وفد من الحراس إلى لنكولن الذي قام بقامته الطويلة وتحرك معهم متجها إلى مكان ما.. واتجهنا وراءه.. كان ذاهبا لحضور مسرحية.. سمعته يقول لسكرتير الخزينة:
هؤلاء الأفاعي نحن فقط نحتاجهم في وقت الحرب.. لكني أعد بأنه حين تنتهي الحرب سأهدم بنوكهم على رؤوسهم وسأجعل الدولة هي التي تصدر كل عملتها بنفسها.
دخل لينكولن إلى المسرحية وجلس في منصة خاصة.. وجلست أنا وجاندال بالقرب منها.. كنت أتابع العرض الدرامي الكوميدي.. لفت نظري الممثل الأساسي ذو الوجه المميز.. في وقت الاستراحة لمحت هذا الممثل يترك المسرح ويصعد من طريق جانبي إلى منصة لنكولن.. دقائق وسمعنا صراخ زوجة لنكولن من المنصة فنظرنا ونظر الجميع.. كان ذلك الممثل قد تسلل إلى المنصة وأطلق طلقتين في مؤخرة رأس لينكولن ثم هرب.
قال “جاندال”:
يحارب البنكيين ثم يذهب بهناء لمشاهدة المسارح.. لو أنه عاش كان حقا سينجح في اقتلاعهم.. لكنهم لا يتركون فرصة لكلمة لو.
***
أُغلقت الستائر و فُتحت أنوار الصالة.. وقمنا نمدد عضلاتنا بعد هذه العروض المتلاحقة.. ثم اتجهنا إلى الخارج.. ضوء الشمس الجميل أخيرا.. سمعت أصواتا مثل أصوات الديناصورات التي خرجت من محابسها.. نظرنا حولنا.. فرأيناهم.. ومن شدة خوفنا ودهشتنا اختبأنا خلف إحدى العمارات ننظر إليهم في عدم فهم.. كانوا ثلاثة رجال عمالقة.. يعلو طول الواحد منهم على طول أعلى مبنى حولنا.. قال “جاندال” بصوت خافت يوحي بالخطورة:
إنهم الأربعة الكبار.. إنهم هنا كبار فعلًا.. أكبر رجال بنكيين في أمريكا كلها.. ولقد زاد حجمهم هكذا لأنهم أصبحوا يتحكمون ب 80 % من اقتصاد أمريكا.. كل واحد منهم يحتكر الجزء الخاص به من الأعمال.. لم يكن هذا معتادا في ذلك الزمن.. رغم أنه معتاد في زمننا هذا.. ذلك الأصلع السمين ذو الشارب الكثيف جدا مثل الأتراك هو “جي بي مورجان”.. الرجل الذي أنشأ شبكة سكة حديد نيويورك التي تصل بين كل ولايات شمال أمريكا.. وهو الذي يحتكرها.. وهو الرجل الذي يملك شركة الحديد والصلب في أمريكا.. أول شركة بليونية في العالم..
_281_
ويحتكر تجارة الحديد.. وهو الرجل الذي يملك شركات عظمى مثل AT&T و General Motors و General Electric .
كان الرجل يكبر كلما تحدث “جاندال” عنه حتى صار كبيرا جدا.. قال “جاندال”:
وهذا ذو الشارب المهذب والشعر المصفف إلى الجانب هو “جون روكيفيلر”.. الرجل الذي يحتكر تجارة البترول في أمريكا.. والد جون دي روكيفيلر لو تذكره من رحلتنا في أرض الإعلام.. إن أباه هذا هو أغنى رجل في التاريخ الحديث كله حسب كل الإحصائيات للثروات المعلنة.
كبر ذلك الرجل حتى صار أكبر منهم جميعا.. أكمل “جاندال”:
الأخير هو “بول ووربورج” بطاقيته الشهيرة وشاربه الكبير.. رئيس شركة Wells & Fargo البنكية القابضة.. أكبر بنك في العالم في ذلك الوقت.
كانوا يهدمون مباني الشركات الصغيرة بأيديهم ويمسكون المباني الكبيرة الخاصة بهم ويضعونها مكانها وينفضون عنها الغبار.. ثم رأينا الأرض تهتز بخطوات شيء ما أو وحش ما.. حاولنا الحفاظ على توازننا بينما ننظر إلى مصدر هذه الخطوات.. كان رجل عملاقا ذا وجه ممتلئ ونظارات صغيرة وشارب كثيف.. أنا أعرفه.. إنه تيدي روزفلت.. أحد رؤساء أمريكا.. هجم على الثلاثة عمالقة وحده محاولا إسقاطهم.. وإسقاط شركاتهم.. قال “جاندال”:
روزفيلت كان يحاربهم صراحة.. يرفع قضايا لمنعهم من الاحتكار وقد كسب بعضها وخسر الأخرى.
في تلك الأثناء كانت المصارعة على أشدها بين العماليق وأتوا ناحيتنا فهربنا ودخلنا لأحد الفنادق القريبة.. ظللنا بالداخل حتى انتهى صوت الصراع واهتزاز الأرض.. قال “جاندال”:
انتهت فترة روزفلت الرئاسية ولم يقدر بالطبع على حل المشكلة لكنه حاول محاولات مستميتة.. مهلًا ها هو ذا..
نظرت فرأيت روزفلت في الفندق ووراءه حراسه الشخصيون .. كان هذا بعد انتهاء فترته الرئاسية حسبما فهمت.. قال “جاندال”:
إنه ذاهب لإلقاء خطاب من خطاباته.. و..
بانج بانج.. طلقتان.. أصابا صدر تيدي روزفلت.. وصارت ضجة عظيمة.. لكني أرى تيدي يقوم من الأرض ويتحسس صدره.. ثم يدخل يده في جيبه ويخرج
_282_
جراب نظارة.. ويتحسس وراءهما.. لقد أنقذ هذا الجراب حياته.. ذكر أحدهم الذهاب إلى المستشفى لكن روزفلت رفض رفضا قاطعا وأصر على الذهاب ليلقي الخطاب.. وذهب فعل ووقف أمام الناس بهذه الحالة وقال:
أعزائي.. أرجو منكم أن تبقوا هادئين.. لقد تعرضت لإطلق ناري منذ قليل.. لكن ييدو أن الطلقات لم تكن كافية لقتل ثور مثلي.
هلل الناس متأثرين.. فأكمل “روزفلت”:
هؤلاء البنكيون الدوليون .. الروكيفيلر أصحاب شركات البترول وغيرهم يتحكمون بأغلب الصحف ليحطوا من شأن أي شخص يعارض فسادهم.. هؤلاء هم الحكومة الخفية.. لا بد من اقتلعهم حتى تعيش أمتنا في سلام.
وهلل الناس مرة أخرى .. إنها حرب دائرة كما أرى .. بعض الرؤساء يحاولون إخماد البنكيين لكن لا يمكنهم هذا ويخسرون كل مرة.. أي قوة هذه التي جعلت هؤلاء العماليق فوق الدول ؟! رأيت “جاندال” يشير إلي أن أتبعه.. قال لي:
اسمع.. من الآن فصاعدا، يجب أن نظل مع مورجان مثل ظله.. الكثير من الأسرار ستكشف الفترة القادمة.. إنه يتباهى الآن بأن شركته هي التي صنعت أعظم سفينة في التاريخ.. السفينة التي لا تغرق أبدا.. تايتانيك.. إن رحلتها الأولى ستنطلق غدا.. ومورجان سيكون على متنها.. ولا بد أن نكون على متنها أيضا بانتظاره.
***
تايتانيك بناها مورجان.. ونحن ذاهبون إليها.. هذا يبدو مثيرا جدا يا صديقي.. خرجنا من ذلك الفندق سريعا ومشينا في الشارع.. كان الشارع يؤدي إلى الميناء.. يمكنني أن أرى البحر.. ويمكنني أن أرى جزءًا أسودَ عظيما يطالعني من بعيد وراء هذه المباني.. أعتقد أن تايتانيك واقفة هناك.. ظللنا نقترب وذلك الجزء الأسود يظهر أكثر وأكثر.. ثم وصلنا إلى الميناء ورأيناها.. إنها كبيرة لدرجة أنك لا يمكنك أن تشاهدها كاملة إلا إذا رفعت رأسك عن آخره إلى أعلى.. يستحيل عندما تنظر إليها أن تظن أن هذا الشيء يمكن أن يغرق أبدا.. كان هناك الكثير من الزحام.. فقراء.. أغنياء.. عشرة باوندات هي ثمن الرحلة فقط.. تنكرنا في هيئة صناديق ومشينا شيئا فشيئا حتى دخلنا للسفينة.
ديكورات السفينة تماثل تماما تلك التي رأيتها في الفيلم السينمائي الشهير تايتانيك.. يبدو أن فريق العمل على الفيلم قد بذل جهدا خارقا حقا.. إن الديكورات متماثلة لدرجة أنه يمكن أن أرى جاك وروز يتحدثان في مكان ما..
_283_
و.. “جاندال” أيها الصديق القديم.. أين كنت طوال هذه المدة.. منذ متى وأنت تخرج من جمجمة القمر؟
نظرت ورائي لأجد “جاندال” يعانق.. مهلًا..مهلًا.. إن “جاندال” يعانق.. ذلك الشخص.. أليس هو..
قال لي “جاندال”:
اقترب يا هذا.. ألا تعرف “سكروج ماكدك”؟
ظللت محملقا.. قال “جاندال “:
عم دهب.. ألا تعرف عم دهب يا هذا؟ أفق من شرودك وسلم عليه.
أفقت من شرودي ومددت يدي.. إنه عم دهب فعل.. مد لي يده وسلم علي وهو يبتسم ابتسامة البطة السعيدة برؤيتي وقال:
مرحبًا.. أنا دهب.. أغنى بطة في العالم.
إنها المرة الأولى التي أعرف أن عم دهب كان على متن سفينة تايتانيك أيضا.. أذكر أنني قرأت إحدى قصصه بهذا الخصوص.. قال له “جاندال”
نحن هنا لمتابعة جي بي مورجان.. ثم يجـ…
لن يأتي.
قالها عم دهب بحزم.. التفتنا له بدهشة.. قال لنا:
إن تايتانيك هي مجرد فخ.
قال له “جاندال”:
ماذا تعني.. فخ لمن بالضبط؟
قال دهب بغموض:
لبعض الناس الغير مرغوب فيهم.
وضع “جاندال” يده على كتف عم دهب وقال:
عزيزي دهب.. دائما أنت مليء بالأسرار.. قل لنا ما تعرفه.
اتكأنا على حاجز السفينة ونظرنا إلى المحيط الواسع الذي لا ترى آخره من أي جهة من الجهات.. قال عم دهب في شرود:
_284_
كل شيء بدأ في جزيرة جيكل آيلند.. حيث اجتمع الثلاثة الكبار.. جي بي مورجان.. جون روكيفيلر.. باول ووربورج.. ومعهم السيناتور نيلسون أولديرتش.. العضو الكبير في مجلس الشيوخ الأمريكي والذي يلقبونه المدير العام للأمة.. كان معهم أيضا مساعد سكرتير خزينة الدولة.. وفرانك فاندرلوب رئيس سيتي بانك.. وآخرون من الكبار.. اجتمعوا كلهم بشكل سري للغاية للتباحث في أمر مهم يجب ان يتعاونوا على فعله.. طبعا هذه المقابلة كانت سرية للغاية حتى كشفها “تشارلز فوربز” الكاتب الاقتصادي الذي سيؤسس لاحقا مجلة فوربز الشهيرة.
تنهد دهب ثم أكمل:
اتفق الثلاثة الكبار في ذلك الاجتماع السري على أن يحدثوا أزمة مالية كبيرة جدا تؤدي إلى إفلاس بنوك كثيرة وإغلاق شركات كبيرة.. وذلك عبر تقليل الأموال التي مع الناس بسياساتهم البنكية القذرة المعهودة.. وقد فعلوا هذا وحدثت أزمة كبيرة جدا في تلك السنة.. ولقد ذهبوا إلى جيكل ذلك اليوم للتباحث في شأن الخطوة التالية.
هنا لاحظت أن هناك فتاة جميلة تقترب من حاجز السفينة وتنظر إلى البحر في حزن وخوف… دققت النظر فيها.. رائع.. إنها روز.. هكذا اكتمل فريق تايتانيك.. نظر عم دهب إليها قليلًا ثم أكمل:
كان الهدف من هذا الاجتماع هو التخطيط لإنشاء بنك مركزي جديد لأمريكا على شاكلة البنك الذي هدمه أندرو جاكسون على رؤوسهم.
كانت روز الآن تفكر في الانتحار.. وبدأت تصعد بقدمها حتى يتسنى لها القفز.. نظرت حولي أبحث عن جاك.. المفترض أن يأتي الآن لينقذها.. ها هو ذا.. بدأت روز تميل مستعدة للقفز.. ثم فجأة مد عم دهب عصاه المثنية من نهايتها لتمسك برقبة روز ثم جذبها جذبة قوية لتطير روز إلى داخل السفينة وتقع على جاك الذي كان متوجها ليحدثها.. إن عم دهب أفسد تلك اللقطة الرومانسية بعصاه الحمقاء.. نظرت إلي عم دهب بغضب وهو يقول :
كتب الثلاثة الكبار معروضًا كبيرًا لافتتاح بنك يكون هو أبا البنوك في أمريكا.. ويكون اسمه بنك الاحتياط الفيدرالي.. وسنختصر اسمه إلى الفيد.. وأعطوا هذا المعروض للسيناتور أولدريتش المدير العام للأمة ليقدمه للكونجرس.. المفترض أن السيناتور أولدريتش عينه الكونجرس للتحقيق في الأزمة الاقتصادية التي حدثت وكلفه بإيجاد حل.. لكنه كان متحالفا مع البنكيين.. فالحل الذي رجع به للكونجرس هو إنشاء بنك الفيد.. الحل الذي يريده البنكيون.
_285_
كنت مشغولًا قليلًا بمتابعة جاك وروز بينما عم دهب يكمل:
رفض الكونجرس اقتراح أولدريتش.. وقال أننا قد عينّاه ليجد لنا حلا في مصلحة الناس فأوجد لنا حلا في مصلحة البنكيين.. وأغلق الكونجرس هذا الباب.. لكن البنكيين كانوا قد أقنعوا المرشح الرئاسي “وودرو ويلسون” بموضوع بنك الفيد هذا.. ومولوه بكل أموالهم وعتادهم ليصل إلى الرئاسة.. شرط أن يوافق على افتتاح الفيد.. وبالفعل تم انتخاب الرئيس وودرو ويلسون .. وأول شيء فعله بعد انتخابه هو أن افتتح بنك الفيد.. وفي نفس السنة تم سن قانون الضرائب على الدخل.. الآن ستأخذ منك الحكومة ضريبة على دخلك.. لماذا ستأخذ منك ضرائب؟ حتى تسدد الحكومة القروض التي ستأخذها من الفيد.
تنهد عم دهب والهواء يطير ريشه وهو يقول :
لو نظرت إلى صورة وودرو ويلسون وهو يوقع وثيقة افتتاح الفيد ووراءه رجال يبتسمون بخبث.. كأنهم رجال الظلام.. لقد ندم ويلسون ندمًا شديدًا قبل موته فقال: “لقد خنت بلادي.. أمة عظيمة متحكم بها بواسطة نظام من الأرصدة.. نظام بأكمله بين يدي عدة أشخاص.. لقد أصبحنا من أسوأ الحكومات المسيطر عليها في العالم.. لم نعد حكومة ذات رأي حر.. لم نعد حكومة نعتمد على تصويت الأغلبية.. بل حكومة نعتمد على رأي قلة من الرجال”.
بدأت أستغرق في متابعة الناس وهم يظنون أن جاك وروز بينهما شيء بينما هي تقول لهم أنه أنقذ حياتها.. لكني شعرت بعصا دهب تلف حول رقبتي ثم تجذبني جذبة قوية أصبحت فيها أمامه.. قال دهب:
أيها الأحمق.. أنا أخبركم الآن بشيء هام.. ألا يمكنك أن تركز دقيقتين.. أنت لا تعرف أن جي بي مورجان هو الذي بنى هذه السفينة.. وهو الذي سيغرق هذه السفينة.. لأن هناك بعض الأغنياء المهمين جدا عليها.. أغنياء لهم مركزهم في السوق المالي ولا يوافقون على افتتاح الفيد.. أشخاص مثل جاكوب آستور من أكبر أثرياء العالم وقد كان ناشطا كبيرًا ضد فكرة الفيد منذ أن طرحت.. وفشلت كل محاولات إقناعه.. وتأثيره على الكونجرس كان جبارًا.. والآن كان مسافرا على هذه السفينة.. وليس هو فقط بل هناك كثير مثله على السفينة.. فوجب أن يغرقها مورجان.. لأنه لا يوجد حل آخر.
قال “جاندال”:
يعني يبني السفينة العظيمة ثم يغرقها بيده؟
قال دهب:
_286_
لو لم يفعل هذا لن يتمكن من افتتاح الفيد أبدًا.. أنت لا تدري أهمية وثقل من كانوا مسافرين على السفينة من الأثرياء.. فقد كانوا كلهم معارضين لفكرة الفيد.. ثم إن مورجان الذي كان مفترضا أن يكون على السفينة اليوم.. سحب نفسه في الثانية الأخيرة ولم يحضر.. حتى إنكما أتيتما إلى هنا لانتظاره واثقين أنه سيأتي.. لكنه لم يأت قط.
فجأة سمعنا صوت جلبة ما أسفل السفينة.. فتوجه نفر كثير للنظر من الحاجز فأحدثت الجلبة هزة فتمسكوا بالحاجز حتى لا يسقطوا.. لقد اصطدمت التايتانيك.. لعن الله مورجان وآستور وكل هذه الأسماء القميئة.. نظرت إلى دهب.. كان غير مهتم بهذه الأشياء.. قال لي:
يا عزيزي تذكر أنني بطة.. لا يمكن أن أغرق .. و..
فجأة رأيت يدا قاسية تمسك بتلابيب دهب وترفعه في الهواء عاليا.. فنظرت إلى صاحب اليد.. رجل أفريقي عملاق بشع المنظر كث الشعر في وجهه اخضرار غريب.. صرخ دهب:
خلصوني منه بسرعة.. إنه بومبي الزومبي.
ظللت محملقا كالأحمق قليلًا.. ثم صرخ دهب مرة أخرى بصوت البطة.. لكن “جاندال” تحرك وعض الرجل الأفريقي في فخذه فتألم فترك عم دهب.. وجرى دهب وجرينا معه.. كان كل أهل السفينة يجرون الآن.. إنه مشهد الغرق .. وكنا نحن نجري من بومبي الزومبي.. قال دهب:
لقد أخطأت ذات يوم وآذيت بعض سحرة فودوو في أفريقيا ونصبت عليهم.. فعاقبوني بعمل تعويذة تجعل هذا الشيء يلاحقني أينما ذهبت.. لكني لم أتوقع أن يأتي هنا في تيتانيك.
قفزنا كلنا في قارب من قوارب النجاة وخفضنا رؤوسنا.. وكان بومبي الزومبي يبحث عنا هنا وهناك ببطء.. ورأينا السفينة وهي تنشق من منتصفها.. ثم يقرر أحد النصفين الغرق .. ويقرر النصف الآخر الارتفاع.. وظل بومبي الزومبي واقفا أعلى القسم المرتفع حتى بدأ يغرق شيئا فشيئا.. وغرق بومبي معه.. فتنفس دهب الصعداء وقال:
هذا المسكين أصلًا رجل فقير عادي.. لكن سحرة الفودو جعلوه ممسوكا بتعويذة لا مفر له منها.
_287_
كنت أنظر إلى دهب وأضم علي ملبسي من البرد.. لا يجب أن أندهش.. نحن نرافق عم دهب.. لا بد من هذه الأشياء الجنونية.. بومبي الزومبي.. وهذه الأمور.. ثم إن النعاس غلبني.. ودخلت في غياهب النوم.. ولم أفق إلا على صوت صفارة روز.. كانت تصفر أمل أن يجدها أي أحد.. كنت أسمع صفارتها من عندي.. لا بد أن يسمع صفارتها أحد مراكب الإنقاذ الآن.. ثم توقفت روز عن التصفير.. وبدأت أنا أنعس مرة أخرى .. ثم غفوت.
***
لقد أصبح العالم الآن مرتعًا للبنوك المركزية.. لدينا بنك إنجلترا.. وبنك فرنسا.. وبنك الفيد الأمريكي.. وبنك الرايخ الألماني.. والبنك المركزي الروسي.. وكل بنك يسلسل الدولة التي هو فيها.
والدولة العثمانية ألم يبنوا لهم فيها بنكًا أيضًا؟
آه كدت أنساها.. نعم.. لقد أنشأوا بنكًا مركزيًا فيها طبعًا.. كان اسمه البنك العثماني.. وكان مثله مثل الفيد وبنك إنجلترا.. لا فرق.
كنت أسمع هذه المحادثة وأفتح عيني ببطء.. وأرى من زاوية النائم “جاندال” يتحدث مع أحدهم.. كان السرير وثيرًا فأحببت أن أبقى فيه دقائق إضافية.. أغلقت عيني نصف إغلاق وتابعت محادثتهما.
بعد أن سيطرت هذه البنوك كلها على دولها.. اندلعت الحرب العالمية الأولى.. حرب كبيرة ستعني المزيد من الاقتراض لكل دولة من بنكها المركزي.
كان هذا عم دهب.. عرفته من صوته.. قمت من نومي.. كان دهب يقول :
“جاندال”.. افتح التلفاز.. أريد أن أريك شيئا.
فتح “جاندال” التلفاز.. فظهرت صورة رجل ذي ملامح كبيرة حادة وشعر أبيض ويرتدي طاقية طويلة وعلم أمريكا مطبوع على ملابسه وقبعته.. كان يضحك.. وفيما يشبه الكارتون الوثائقي كان المعلق في التلفزيون يقول :
العم سام.. الرمز الشهير الذي يمثل أمريكا في أي كاريكاتير.. لقد اندلعت الحرب في أوروبا.. الحرب العالمية الأولى.. وها هو العم سام يشمر ساعده ويفرك يديه ويفكر.. إن أوروبا في حرب.. قطعا سيحتاجون أسلحة.. بترولا.. وغيره.. وأمريكا تأخذ موقفا محايدا في الحرب.. ولا تريد أن تتدخل.. إنها أجمل فرصة للتجارة.. أجمل فرصة لأن تبيع لهم أمريكا ما يحتاجونه من أشياء في هذه الحرب.. وبالفعل صار العم سام يتاجر ويتاجر.. ويبعث بالصادرات والدول تدفع
_288_
له بالذهب.. لكن هذا لم يعجب الفيد.. إن أمريكا تكسب نقودا.. وكل الأمم الأخرى تستدين من بنوكها.. إلا أمريكا كانت تكسب ولا تقترض من الفيد شيئا.. كان لا بد لأمريكا أن تدخل الحرب.
كان العم سام يبتسم وآثار النعمة ظاهرة على وجهه.. ثم فجأةً امتقع وجهه… هناك أنشوطة من حبل توجهت إليه فربطته وسطها وشدت عليه الرباط.. نظرت إلى من رمى عليه الحبل.. إنهم الثلاثة الكبار الرائعون .. قال المعلق الكارتوني:
لقد دخلت أمريكا في الحرب وهي لا دخل لها بها.. كيف دخلت؟ دخلت بسبب سفينة.. لوسيتانيا كان اسم السفينة.. كانت مجرد سفينة بضائع وركاب.. خرجت من أمريكا إلى السواحل الألمانية في خضم الحرب الدائرة هناك.. ولقد حذرت ألمانيا كثيرا أنها ستنسف أي سفينة تقترب من مياهها.. ورغم التحذير.. أطلق أحدهم سفينة لوسيتانيا غير عابئ بأي شيء.. وبالطبع نسفت المدمرات الألمانية السفينة.. وكان هذا سببا كافيا لاستفزاز أمريكا للدخول في الحرب.. كانت مؤامرة مدبرة بإحكام من الكبار.
والآن أصبح العم سام داخل الأنشوطة.. أصبح داخل الحرب.. لا بد أن يستدين من الفيد ومن البنكيين حتى تخنقه الحبال وتسلخ جلده.. ثم فجأة تغير الوثائقي الكارتوني.. أحدهم يغير القناة.. تبا.. لماذا يغيرون القناة دائما في أهم وقت؟ كان هذا “جاندال” يمسك بجهاز التحكم ويغير القناة.. نظرت إلى التلفزيون مرة أخرى .. ما هذا بالضبط؟
كان فيلما لشارلي شابلن.. أنا أحب هذا الرجل.. لكن ما هذا؟ إنه العم سام.. شارلي شابلن يمثل الناس.. والعم سام يمثل أمريكا.. شارلي شابلن يعطي العم سام صرة من النقود.. العم سام يشكر شارلي ويعطيه لفافة ورق مقابل نقوده.. ثم يعطي العم سام النقود التي أخذها من شارلي لرجل يمثل العاملين في الصناعة.. فيدخل العامل إلى مصنعه ويصنع سلاحا.. ويعطي السلاح لأحد الجنود.. فيذهب الجندي للحرب.
ثم مشي شارلي شابلن ومعه مطرقة.. عليها كلمة Liberty Bonds .. سندات الحرية.. فيرى ضابطًا معاديًا من الغزاة الأعداء.. كان الضابط يقف ويخطب خطبة أنه سيفعل في أمريكا ويفعل.. فيأتي شابلن ويضربه بالمطرقة على رأسه.. مرة ومرتين وثلث.. حتى يقع الضابط الغازي على الأرض.. ويمسك شابلن
_289_
بالمطرقة ويظهرها أمام الكاميرا.. ويشير إلى كلمة سندات الحرية المكتوبة عليها في فخر. قال عم دهب:
لم ترد أمريكا أن تقترض من البنكيين ولا من الفيد.. بل لقد ابتكرت فكرة جديدة.. أن تقترض من الشعب.. هذا ما يدعى سندات الحرب.. أنت تقرض نقودك لدولتك لأجل الحرب.. ونقودك مع الدولة لا تضيع.. إنما ستعيدها لك الدولة وعليها فائدة ..% 5لكن ينبغي أن تقف مع الدولة في الضراء.. كانت حملات إعلانية في كل مكان في أمريكا.. في المجلات والجرائد والشوارع.. أقرض نقودك لدولتك.. النصر لا يأتي بالرجال وحدهم.. وإنما يأتي بالنقود أيضا.. شارك في الحملة العديد من المشاهير.. ومنهم شارلي شابلن الذي أنتج هذا الفيلم القصير على حسابه.
قال “جاندال “:
أريد أن أرى وجه الفيد في تلك اللحظات.. لقد وجدت الحكومة بديلًا جيدًا كما أرى.
قال عم دهب:
نعم.. هذه المرة لم ينجح الفيد.. رغم أن أمريكا دخلت الحرب فعلا.. بل إن الدول الأخرى المشاركة في الحرب تعلمت من أمريكا وصارت تقترض من شعوبها بنفس الطريقة.. لكن البنكيين حققوا نصرًا هاما جدًا بعد الحرب العالمية الأولى.. هذا النصر يتمثل في كلمتين.. عصبة الأمم.
قال له “جاندال”:
و كيف تفيد عصبة الأمم البنكيين.. أليست عصبة الأمم هذه منشأة أساسًا للتوافق بين الأمم ومنع الحروب؟
قال دهب:
لا يا عزيزي.. عصبة الأمم هذه حققت هدفا آخر غير استعباد الأمم.. عصبة الأمم هذه هي التي صر حت لبريطانيا أن تدخل فلسطين فيما يعرف بالانتداب البريطاني.. بدعوى إنقاذهم من الأتراك.. وحين تدخل بريطانيا إلى فلسطين.. تسهل دخول اليهود لفلسطين.. وتجعل لهم فيها أرضًا وسكنًا
***
_290_
الآن قمت من سريري ونظر إليَّ جاندال ودهب بنظرة معناها.. أخيرًا أفقت من غيبوبتك.. ثم قال دهب:
تعالوا.. يجب أن…
سمعنا ضجة مخيفة في الخارج.. نظر جاندال ودهب من النافذة ففزعا وأمسك “جاندال” بيدي وشدني وأمسك دهب بيدك وشدك وانطلقا بنا خارجًا هاربين.. في الأسفل كان مشهدًا جنونيًا.. الحيتان الثلاثة.. لقد ازداد حجمهم كلهم.. فصارت رؤوسهم تعلو على تمثال الحرية.. وصار الناس يجرون من أمامهم.. وجرينا مع الناس.. الحيتان يأخذون كل الضمانات التي كان المقترضون يضعونها كتأمين للقروض.. العمارات والبيوت.. ها هم يمسكون العمارات بأيديهم ويمسكون البيوت بقبضاتهم.. ويخرجون الناس من ديارهم.. أمسكوا أحد الهاربين فخلعوا عنه ما يرتديه وتركوه يجري بملابسه الداخلية.. هكذا هو الأمر.. إن أصحاب المال اليوم قد علت صرخاتهم على صرخات أي كائن يعيش في هذه الغابة.. إنهم ملوك هذه الغابة.. وعندما يريدون شيئا فهو يحدث رغم أنف كل الكائنات.. اجر أيها الكائن هناك ولا تلُم إلا نفسك.. أنت الذي جعلت منهم عماليق.. أنت الذي مكنتهم من هذا كله.
تعبنا من الجري فاختبأنا وراء أحد الجدران اختباءً حريصًا حتى توقفت أصوات الحيتان.. نظرنا بحرص من وراء الجدار إلى الأجواء حولنا.. هل انصرفوا الآن؟ نعم يبدو أنهم انصرفوا.. أين عم دهب؟ فاجأتني عصا التفت حول عنقي وسحبتني للخلف بهدوء.. التفت فرأيت عم دهب واقفا يقول:
مرحبا يا رفاق.. قلقت عليكم.
قال “جاندال”:
دهب أيها العجوز.. ما بال هؤلاء قد توحشوا؟
قال دهب:
لقد أكملوا مسلسل السيطرة على كل شيء.. استعبدوا الناس ببنوكهم كما استعبدوا الدولة.
قال له “جاندال”:
وأنت.. ألم تفعل مثلهم؟
_291_
قال “دهب”:
هؤلاء يفعلون هذا من أجل السيطرة السياسية.. وأنا لا أهتم بالسيطرة السياسية.. كل ما يهمني هو جمع المزيد من الذهب.. تعالوا سنتجه إلى خزنتي الحبيبة في مدينة البط.. هذا أفضل وأكثر أمانًا.
قال “جاندال”:
هذا البطة يمتلك أكواما من الذهب.. حتى إن مجلة فوربز دائما تجعله في مقدمة القائمة السنوية التي تصدرها : “أغنى 15شخصية خيالية”.. وقدرت ثروته من الذهب بـ 44بليون دولار.. الوحيد الذي ينافسه هو سانتا كلوز.. لأنهم لم يستطيعوا تقدير ثروة سانتا فقالوا أنها ثروة لا نهائية.
قال له دهب:
أكثر شيء آمن في الدنيا هو أن تحول نقودك إلى ذهب.. أنت لا تدري ما الذي سيحدث في العالم.. ربما تتغير القوانين.. لكن الذهب حافظ على قيمته منذ أيام الفراعنة وحتى الآن.
دخلنا إلى مدينة البط.. كل الناس هنا إما بط أو فئران.. قابلنا سكوربيون.. وقد صارت أنفه مثل أنوف الفئران.. انفجرت ضاحكا لما رأيته.. مرحى.. الآن صار شكله الكارتوني أسخف منا.. نظر إلي في غل ثم دعانا إلى منزل أمامه لافتة مكتوب عليها “سكوربيون”.. مثل كثير من منازل مدينة البط.. يكتب عليها اسم أصحابها.
_292_
خرجنا من عند سكوربيون لنتمشى في مدينة البط قليلاً.. لكن كان هناك شيء غير طبيعي.. الناس تنظر إلى عم دهب بنظرات غير اعتيادية.. ثم رأينا ثلاثة أطفال يجرون ناحيتنا بلهفة من لديه خبر عاجل يود التحدث به.. كان هؤلاء هم “توتو” و”لولو” و”سوسو”.. أبناء أخت بطوط.. الأشبال الصغار.. قالوا لعم دهب:
مصيبة يا عم دهب.. مصيبة.. مصيبة ستحل بك.. لقد أمر الرئيس فرانكلين روزفيلت بمصادرة كل الذهب الذي عند كل الناس.. كل شخص في أمريكا يجب أن يسلم كل الذهب الذي عنده للحكومة.. وتعطيه الحكومة بدلا منه عملات.. ومن لا يفعل يسجن عشر سنوات وتكون عليه غرامة 10آلاف دولار.
جن جنون عم دهب وانطلق إلى خزنته بسرعة الصاروخ وتركنا واقفين في مدينة البط.. قال “جاندال “:
إنهم الآن بعد أن أفقروا الناس وأفسدوا الاقتصاد يريدون أن يسحبوا ما تبقى عند الناس.. وقد فعلها الرئيس حقا وصادر كل الذهب الذي عند الأمريكان.
قلت له:
وماذا فعلوا في خزنة عم دهب؟
قال “جاندال”:
لا أدري.. ولا أحد يدري.. فلم تكتب قصة في هذا الشأن.
رأينا الآن كل الشخصيات في مدينة البط يخرجون من بيوتهم.. وكل منهم معه صرة كبيرة فيها ذهبه.. ويتجهون بها إلى بنك مدينة البط المركزي.. وهو أحد فروع الفيد.. أشار لي “جاندال” أن نتسلل إلى زاوية وراء البنك.. لاحظت أن هناك شاحنة قد أتت وأفرغ فيها البنك كل ما لديه من الذهب الذي جمعه من الناس.. قفزنا لنتعلق بالشاحنة دون أن ينتبه إلينا أحد.. ثم انطلقت الشاحنة من البنك متجهة بسرعة إلى مكان ما.
قال “جاندال” وهو متعلق في الشاحنة والهواء يحرك ملبسه:
هذا الفرانكلين روزفيلت صادر ذهب الشعب.. ثم بنى بنيانا عاليا شديد التأمين سماه فورت نوكس.. ووضع في هذا البنيان حوالي 3آلاف طن من الذهب الخام.. وهو مجموع الذهب الذي جمعه العم سام أثناء الحرب العالمية الأولى.. ومجموع الذهب الذي جمعه من الناس بعد الحرب .
وقفت الشاحنة أمام مبنى فورت نوكس.. لاحظت وجود الكثير من الشاحنات الأخرى خلفنا.. كلها محملة بالذهب.. حول المبنى كان هناك أناس كثيرون واقفون ينظرون إلى كل هذا بملامح قليلة الحيلة.. إنهم يشاهدون ذهبهم وهو يدخل إلى فورت نوكس..
_293_
استغرقني المنظر وكنا ما زلنا متعلقين في تلك الشاحنة التي انطلقت مرة أخرى بسرعة عائدة إلى مدينة البط وسحبتنا معها.. ظننت أن جاندال سينزل من الشاحنة في فورت نوكس لكنه لم يفعل.. بقينا في الشاحنة حتى توقفت فجأة مثلما تفعل كل الشاحنات الكارتونية أمام بنك مدينة البط المركزي.. فقذفنا القصور الذاتي على الأرض.
فجأة سمعنا صوتا أخنَف يصيح من ورائنا:
هايل هتلر.
استدرنا لننظر.. فإذا هو بطوط.. كان يرتدي ملابس الجندية الألمانية بالعلامة النازية الشهيرة ويؤدي تحية هتلر الشهيرة.. ثم أتت وراءه فرقة عسكرية تؤدي مشية عسكرية موسيقية ودخل فيها بطوط وأخذ يمشي معهم وهو يحمل طبلة كبيرة على رأسه .. ويتحمل ضربات الجندي الخلفي عليها.
قلت لجاندال:
ما هذا يا جاندال.. هل بطوط كان نازيًا؟
ابتسم “جاندال” ووقف وقفة عسكرية وصاح بأعلى صوته في وجوهنا:
هايل هتلر.
***
دارت الأجواء عشرة دورانات سريعة.. وما إن توقفت إذ وجدنا أنفسنا قد تركنا مدينة البط وأصبحنا في ألمانيا… يا إلهي ما هذا بالضبط؟
كنا في وسط ما يبدو كمليون رجل وامرأة على أقل تقدير ترصده عينك حولنا.. الكل يرفعون أيديهم ويبتسمون في سعادة وقوة وحماس.. ولو كنت وسطهم لن تملك إلا أن ترفع يدك أنت أيضا.. اشتغلت أغنية عسكرية غاية في الحماس تجعل دماءك تفور معها غليانا.. هناك مشية عسكرية قادمة.. المباني كلها مزينة بأشرطة حمراء كبيرة وطويلة عليها علامة الصليب المعقوف النازية الشهيرة.. الناس كلها تصيح وتصرخ باسمه.. إنه يقترب.. الفوهرر.. إن “هتلر” يقترب.
ظهر هتلر في مجال أعيننا.. كان يمشي بثقة وكبرياء لا حد لهما.. ويرفع يده في تحية عسكرية أنيقة ليحيي الكل وهو يمشي.. نظرت إلى الناس من حولي.. هذا عشق خالص وليس خوفا.. عشق خالص أراه في عيونهم وقلوبهم.. لكن لماذا؟ أليس هتلر هذا شيطان؟
_294_
قال لي “جاندال”:
هذا القصير صاحب الشارب المقصوص هو أقوى شخص في التاريخ وقف أمام البنكيين تقريبا.. بل إنه أزالهم شر إزالة هم وأنظمتهم كلها.
نظرت إلى هتلر ثم قلت:
ماذا فعل بالضبط؟
قال “جاندال”:
بعد الحرب العالمية الأولى كانت ألمانيا قد استدانت من البنكيين أموالا طائلة وتم غرز بنك الرايخ المركزي في ظهرها.. فصار اقتصادها ينزف من ديونها الخارجية والداخلية.. ولم يكن لديهم ذهب يكفي أي شيء.. فقررت ألمانيا أن تلغي اعتماد عملتها على الذهب.. وتجعل عملتها غير معتمدة على أي شيء.. لكن الديون الخارجية كانت مطلوبة بالدولار.. فأصبحوا يطبعون من عملتهم أعدادا مهولة ويشترون بها دولارات .. ويسددون الدين.. هذه الحركة جعلت قيمة عملتهم تنخفض انخفاضا هو الأعلى في التاريخ.. وصار الدولار الواحد يعادل 4 بليون مارك ألماني.. لم تعد لأوراقهم هذه قيمة.. فصار البنكيون يطلبون ديونهم على شكل بضائع وذهب.. فذهب الذهب تماما من خزائن ألمانيا.. وصارت ألمانيا مثارًا للسخرية.. كانوا يقولون: “اذهب إلى ألمانيا واشتر بيتا ومزرعة ببضعة دولارات”.. ثم أتى هتلر..
كان هتلر متجها إلى المنصة الآن ليلقي خطابا.. و”جاندال” يكمل:
ألغى هتلر النظام الأحمق الذي يقضي بأن يطبع البنك المركزي أموالاً من الهواء ويقرضها للدولة.. وأصدر عملة جديدة تطبعها الدولة فقط.. لا تقترضها من أحد.. كما فعل أبراهام لنكولن.. أصدر هتلر عملة جديدة.. وبدأ يدفع الرواتب منها.. الرواتب التي زادها كلها بنسبة ..% 10وصار يدفع للعمال في المصانع من العملة الجديدة.. وصار يبني بالعملة الجديدة منشآت وطرقا ومدارس.. بنى أروع شبكة طرق في العالم أجمع في ألمانيا وسماها الأوتوبان.. جعل ألمانيا تصنع سيارة يكون سعرها في متناول الشعب بدلا من سيارات البي إم دبليو والمرسيدس التي لا يقدر أغلب الشعب على شرائها.. الفولكس واجن.. خلال سنتين فقط قضى على البطالة التي كانت قد وصلت إلى معدل % 90في ألمانيا قبل أن يأتي.. وبعد أن أتى صارت البطالة ..% 0أصبح يعطي القروض للناس ليشتروا بيوتا.. قروض يسددونها بالتيسير على عشر سنوات.. ولو أنجب الرجل ابنًا..
_295_
يسقط عنه ربع قيمة هذا الدين.. ولو أنجب اثنين.. يسقط عنه نصف قيمة الدين.. ولو أنجب أربعة.. يسقط عنه الدين كاملاً.. جعل التعليم مجانيا تماما في المدارس والجامعات.. أحيا ألمانيا بعد مواتها.. وكل هذا فقط لأنه جعل الحكومة تطبع عملتها بنفسها.. بقدر يتناسب مع الاقتصاد.. وقتل البنك المركزي.
صعد “هتلر” إلى المنبر وقال بصوته القوي:
البنكيون الدوليون هم أشخاص في غاية البشاعة والقذارة.. ولقد خنقوا اقتصادنا شر خنقة.. وإن الحكام في دول العالم قد أغلقوا قلوبهم وعقولهم تماما عن هذا الأمر.. لكنني أفهمه تماما.. والآن هم يعلنون علينا الحرب.. هم يريدون الحرب..
ثم صرخ:
فعليهم الحرب إذا.. عليهم الحرب..
***
و بدأت الحرب العالمية الثانية.. الكثير من النيران والصواريخ هنا وهناك.. الكثير من الجنود يركضون برشاشاتهم.. السماء أصبحت حمراء من كثرة الانفجارات.. لكني رأيت شخصا يرتدي قبعة وملابس عليها علم أمريكا.. إنه العم سام.. ماذا يفعل هنا؟ كان يبتسم ابتسامة خبيثة وهناك جندي يوقع له بالاستلام على شيء ويخرج كيسا كبيرا من الذهب ليعطيه للعم سام.. فتوقفت أمام الجندي شاحنة مليئة بالأسلحة عليها علم أمريكا.
قال “جاندال”:
ما زال العم سام يتاجر أثناء الحرب.. أمريكا في الحرب العالمية الثانية مثل الحرب العالمية الأولى، لم تدخل إلا في آخر سنة.. لذلك ظهرت مقولة في أمريكا.. الحرب مفيدة للاقتصاد.. نعم الحرب مفيدة للاقتصاد لو أنك لست مشاركا فيها.. لو أنك مجرد تاجر تبيع لهم ويعطونك ذهبا خالصا.. تعال نتبع هذا الرجل.
تبعنا العم سام حتى وصل إلى فورت نوكس فجأة ومعه أكياس كبيرة محملة بالذهب.. خرج من فورت نوكس جنود كثيرون أخذوا كل الأكياس وأدخلوها إلى الداخل.. قال “جاندال”:
زاد الذهب في فورت نوكس من 3 آلاف طن إلى أكثر من 4 آلاف طن بعد الحرب العالمية الثانية.. صارت أمريكا تمتلك وحدها % 70من الذهب الذي في العالم
_296_
فجأة ظهرت طائرات بيضاء صغيرة رفيعة تتحرك في سرب وتطلق غازا.. قال “جاندال”:
يا إلهي إنها “بوسي جالور”!
فجأة طاح كل الجنود على الأرض.. أكاد أرى ما يقرب من 30 ألف جندي في مواقع مختلفة حول فورت نوكس كلهم طاحوا على الأرض.. منهم من كان على دبابات ومنهم من كان يمشي ومنهم من كان على أبراج المراقبة.. الكل طاح.. ثم ظهر جنود آخرون يرتدون زيا ليس عسكريًا.. زي غريب.. اقتربوا من البوابات الحديدية الكبيرة ووضعوا أمامها قنابل ذهبية طويلة.. وابتعدوا.. فانفجرت البوابات الحديدية.. ودلفوا إلى داخل فورت نوكس.. ليواجهوا بوابة فولاذية أخرى.. لكنهم قطعوها قطعا بجهاز ليزر ضخم أخرجوه من إحدى سياراتهم.. من هؤلاء؟ لا أفهم شيئا.. ثم فجأة رأيته.. خرج من إحدى سيارات الجنود المقتحمين.. وكان مقيدًا بالأصفاد.. مهلا.. أليس هذا..
بوند.. جيمس بوند..
قالها “جاندال” بهدوء.. خرج من السيارة الآن من يبدو من منظره أنه زعيم خطر.. يرتدي معطفًا طويلاً ويشير إلى طائرة هليكوبتر.. نزلت الطائرة إلى الأرض وأنزل الجنود منها صندوقا كبيرا جدا.. أدخلوه إلى داخل فورت نوكس.. قال “جاندال”:
إنهم يريدون تفجير فورت نوكس.. هذه عملية الإصبع الذهبي.. إحدى عمليات جيمس بوند الشهيرة.. المفترض أن جيمس سيوقفهم بعد قليل .
فجأةً استيقظ الجنود الأولون الـ 30 ألف.. قاموا وكأن شيئا لم يصبهم.. وهجموا على الجنود ذوي الزي الغريب.. بحثت عن بوند فلم أجده.. لكن حربا بالأسلحة كانت تقوم أمامنا الآن.. وكنا مختبئين في إحدى الزوايا.. قال “جاندال”:
إن “إيان فليمنج” مؤلف قصص جيمس بوند كان في المخابرات الإنجليزية.. وأحيانا كثيرة كانت قصصه تحوي رسائل تحذيرية.. إنه يشير إلى سرقة كانت تتم في فورت نوكس.. ثم اتضح بعد ذلك أنها لم تكن قصة.. كانت حقيقة واقعة.. كان هناك من يسرق الفورت نوكس.. وظل يسرقها حتى أفرغها من كل الذهب الموجود فيها .
قلت بدهشة:
من هذا الذي كان يسرقها؟
_297_
قال “جاندال”:
البنكيون الكبار.. كانوا يشترون من الحكومة الأمريكية الذهب الموجود في الفورت نوكس.. ويتم إخراج الذهب المباع لهم بطريقة سرية حتى لا ينتبه أحد.. إن عملية الإصبع الذهبي لم تكن مجرد رواية وفيلم.. هؤلاء البنكيون الكبار فعلوها.. اشتروا بشكل سري وغير شرعي وغير معلن أغلب الذهب في فورت نوكس.
بدأت الحرب تتطور الآن بين الجنود إلى إلقاء القنابل بعضهم على بعض.. ثم إني سمعت خلفي على الأرض شيئًا قد ألقي.. شيء معدني.. نظرت بذعر خلفي.. إنها قنبلة.. “جاندال”.. اهر…
انفجرت فينا القنبلة.. وطرنا في السماء.. طرنا طيرانا سريعا إلى الأعلى.. وكأننا ريشات.. أصبحت كل الأجواء حولنا سماء.. عندما أنظر إلى الأسفل أرى الأرض بعيدة جدا.. ما زلت أرى فورت نوكس من مكاني.. مبنى أبيض محاط بانفجارات.. ظللنا نرتفع إلى الأعلى في السماء.. ثم فجأة برزت حولنا مناطيد كثيرة.. كل منطاد مرسوم عليه عملة من عملات العالم.. وكل منطاد مربوط بحبل إلى سبائك ذهبية أسفله.. وكل المناطيد تطير حولنا وترتفع معنا في السماء .
قال “جاندال” وهو يتقلب باستمتاع مع الهواء:
هذه هي عملات العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية.. وقد كانت كلها مرتبطة بالذهب كما ترى.. كل بنك مركزي يجب أن يطبع عملات تكافئ ما لديه من الذهب.. طبعا هذا لم يكن يحدث وكل البنوك المركزية كانت تطبع عملات أكثر مما عندها من الذهب.
قلت له:
لكن هتلر تخلى عن هذا النظام وصار يطبع العملات بنفسه أليس كذلك؟ قال لي:
عزيزي هتلر كان ظاهرة متفردة.. وقد خسر الحرب.. وبعد أن خسر.. عاد كل شيء إلى سابق عهده.
ثم انفكت السبائك الذهبية من كل المناطيد التي حولنا.. انفكت وسقطت السبائك ناحية الأرض.. ما عدا منطاد واحد فقط هو الذي كان لا يزال مربوطا بسبائكه الذهبية.. المنطاد الذي عليه علامة الدولار.. ثم طارت المناطيد الأخرى
_298_
التي لا تحمل شيئا وارتبطت خيوطها كلها بمنطاد الدولار.. فصار منطاد الدولار يمسك كل المناطيد أعلاه.. ويمسك سبائك ذهبية معلقة أسفله.
قال “جاندال”:
بعد الحرب العالمية الثانية عقد اجتماع يسمى ..Bretton Woodsجميع دول العالم اجتمعت فيه واتفقت كلها على أن تفك ارتباطها بالذهب.. وتربط نفسها كلها بالدولار.. ويكون الدولار هو الوحيد المربوط بالذهب.. وذلك لأن أمريكا صار عندها حوالي % 70من ذهب العالم.. بعد هذه المعاهدة أصبح ممنوعا عالميا لأي مواطن أن يبدل العملات التي لديه بذهب في أي بنك من بنوك العالم.. فقط البنوك المركزية العالمية هي المسموح لها أن تعطي عملتها للفيد الأمريكي.. فيعطيها الفيد الأمريكي مقابلها ذهبًا.. باختصار.. صار الفيد وكأنه البنك المركزي الخاص بالعالم كله.. يوضع فيه كل ذهب العالم.. ويبدل عملات العالم بالذهب الذي عنده.. على شرط أن يكون ما يطبعه الفيد من دولارات يساوي مخزون الذهب الذي عنده.. هذا ما يفترض دائما.. لكنه لم يحصل أبدًا .
بدا المنطاد الدولاري وكأنه يفرز دولارات في الهواء.. ينثر دولارات في الهواء.. تنبعث منه وتذهب لتلتصق بالمناطيد الأخرى.. والسبيكة الكبيرة التي كان المنطاد الدولاري يمسك بها.. صارت تصغر مع الوقت.. قال “جاندال”:
طبعت أمريكا دولارات أكثر مما لديها من الذهب.. وصارت تشتري بهذه الدولارات بضائع كثيرة جدا من العالم كله.. فأصبحت أمريكا متخمة ببضائع العالم.. والعالم متخم بدولارات أمريكا.. وبالنسبة لفورت نوكس مستودع أمريكا من الذهب.. فقد كان الذهب الذي فيها يباع للبنكيين شيئا فشيئا فتصغر كميته.
والآن ظهر على منطاد فرنسا وجه رئيس فرنسا “تشارلز دي جول”.. وكان ينظر إلى المنطاد الدولاري ويقول:
يا نيكسون.. أريد أن أبدل الدولارات التي أنا متخم بها هذه إلى ذهب.. أخاف أنك أحمق وتطبع دولارات أكثر مما لديك.
ظهر وجه الرئيس الأمريكي نيكسون على المنطاد الدولاري ونظر إليه وقال:
هل تشك في نزاهة أمريكا يا هذا؟
ثم ظهرت وجوه الرؤساء الآخرين على مناطيد الدول.. ونظروا كلهم إلى نيكسون بعصبية وبدأوا يطالبون بأن يبدلوا الدولارات التي لديهم إلى ذهب.. قال”جاندال”:
_299_
طبعا لم يكن عند نيكسون الكثير من الذهب .. بسبب ما باع منه للبنكيين .. و بسبب حرب كوريا و الحرب الباردة و حرب الفيتنام .. و بدأت الدول تطالب بذهبها و نيكسون أصبح متورطا و ممتقع الوجه .. و صار يعطي هذا جزءًا و هذا جزءًا من الذهب.
صارت السبيكة المعلقة بالمنطاد الدولاري تصغر و تصغر .. حتى اختفت تماما .. وزادت سرعة طيران المنطاد الدولاري إلى الأعلى بعد أن ذهب الذهب .. و كانت المناطيد الأخرى ما زالت معلقة به كلها ثم ظهر وجه الرئيس نيكسون في المنطاد الدولاري و هو يقول فيما يبدو و كأنه خطاب تلفزيوني :
منذ هذه اللحظة.. نعلن أن أمريكا قد أوقفت أي نوع من التبديل من الدولارات إلى الذهب .. نظرًا لأن هذا يضر بمصلحة البلاد الاقتصادية.
وهنا انفك الارتباط بين كل المناطيد و بين الدولار تمامًا .. و صارت كل العملات حرة تسبح في السماء .. قال ” جندال”:
هذه الحركة التي فعلها نيكسون تم تسميتها أزمة نيكسون Nixon Shock .. كان كأنه يقول للعالم .. اذهبوا و اضربوا رؤوسكم في حوائط بلدانكم .. ليس لكم شيء عندي .. لقد جفت الفورت نوكس تمامًا و لم يعد فيها ذهب .. كل الذهب الذي جمعه العم سام ذهب .. معظمه ذهب للبنكيين و بقيته أخذته الدول في خضم مطالبتها بالذهب .. بعد هذه الحركات صارت العملات حرة تمامًا .. لا ارتباط لها بأي شيء .. وما زالت حرة حتى يومنا هذا.
ثم ظهرت على منطاد أمريكا علامة البترول بجانب علامة الدولار .. قال “جندال”:
بعد أن انفك الاتحاد مع الذهب .. و حتى تحافظ أمريكا على عملتها قوية .. لجأت إلى الذهب الأسود .. البترول .. عقدت صفقات مع كل الدول المصدرة للبترول و معظمها دول عربية .. ألزمتهم ألا يبيعوا البترول لأي أحد إلا بالدولار .. و المقابل هو أن تحميهم أمريكا حماية عسكرية كاملة .. لكن ماذا إذا لم يبيعوا البترول بالدولار .. ماذا سيحدث لهم؟
هنا توقف طيراننا إلى الأعلى .. و بدأنا نسقط إلى الأسفل .. أصبت بالذعر .. الأرض تبدو بعيدة جدَا .. حتى أنني أرى القارات .. ثم فجأةَ سمعت صوت طيور .. وفجأةً وجد كل واحد منا أنه حط على طير كبير فاردًا جناحيه ويطير به في السماء .. طارت بنا الثلاثة طيور ونحن نركب على أعناقها .. ونشاهد الأرض من تحتنا.
_300_
“جاندال” أيها الأحمق متى سننتهي من كل هذا؟
قال “جاندال”:
انظر تحتك.
نظرت تحتي.. كنا نطير فوق العراق.. نيران في كل مكان وانفجارات.. كثيرون يطيرون في السماء من الانفجار ات تحتنا .. كثير منهم عرب.. قليل منهم أمريكان.. كان “جاندال” يتابع الانفجارات ويقول:
صدام حسين برز في العراق.. كان من الطراز الذي يكرهه البنكيون.. ألغى صدام نظام اقتراض الدولة لعملتها من البنك المركزي العراقي.. وجعل الخزينة تصدر عملتها بنفسها.. يعني نفس الشيء الذي قتل بسببه من فعلوا هذا قبله من الأبطال الخارقين في محاربة البنكيين.. لكن صدامًا لم يكتف بهذا.. بل إنه أعلن أن بترول العراق لن يباع بالدولار بعد اليوم.. إنما سيباع باليورو.. لم يمض وقت طويل منذ إعلاناته هذه إلا والقوات الأمريكية كلها عنده.. اخترعوا لهم سببا أظن أنه مر عليكم في أرض الإعلام.
في وسط هذه الهجمات الأمريكية الساحقة على العراق رأيت طائرات أمريكية تنزل منها خراطيم بشكل كارتوني وتسحب سائلا أسو َد من العراق يبدو أنه البترول.. ثم تغادر إلى أمريكا.. قال “جاندال”:
كانت النتيجة طبعا إسقاط صدام.. وسرقة بترول العراق.. الذي رفض أن يبيعه بالدولار.. وبعد الغزو الأمريكي للعراق.. صار البترول العراقي يباع بالدولار مرة أخرى.. وعاد البنك المركزي العراقي يقرض الدولة كما كان.
تحولت الطيور التي نركبها ناحية الغرب.. بدأت أرى انفجارات في مكان آخر.. نظرت فإذا نحن فوق ليبيا.. الكثير من الانفجارات والصراخ.. قال لي “جاندال”:
القذافي.. تخلى عن البنكيين هو الآخر.. وأوقف الاقتراض من البنك المركزي هو الآخر.. وصار يصدر عملته بنفسه.. فصارت عملة ليبيا عملة خالية من الدين.. ثم قال القذافي أن بترول ليبيا لن يباع بالدولار.. بل سيباع بعملة جديدة ذهبية سيكون اسمها الدينار الذهبي.. و..
غشى عيوننا انفجار آخر.. فارتفعت الطيور إلى أعلى.. قال “جاندال” وهو ينظر إلى ليبيا وهي تنفجر:
من أوائل الأشياء التي نفذت في ليبيا بعد هذه الثورة والتفجيرات هي إعادة سلطة البنك المركزي الليبي ونظام إقراض الدولة.. وعاد بترول ليبيا يباع بالدولار.. أو ما تبقى من بترول ليبيا.
_301_
جاءت الطائرات الأمريكية ذات الخراطيم وأنزلت خراطيمها في ليبيا.. ونهلت من ينابيعها كل السائل الأسود فيها.. ثم استدارت عائدة إلى أمريكا.. قلت لجاندال بعصبية:
هتلر.. صدام.. القذافي.. دائما أسمع عنهم الكثير من الأمور الشنيعة.. وهنا في أرض السافلين تظهرونهم أبطالا.
قال “جاندال” بابتسامة غريبة ونظارة برزت على وجهه فجأة:
طبقا لآخر الأبحاث النفسية.. روح الدكتاتور تجعله يرفض أي قيود توضع عليه من أي أحد.. ربما لا يكون قتالهم ضد البنكيين نابعا من بطولة بقدر ما يكون نابعا من رفضهم أن يكون فوقهم أحد.. من أنت حتى تتحكم بي وتعلوني وأنا الكبير الأكبر الأعظم رئيس الدولة.. وروح الدكتاتور نفسها تجعلهم يتعاملون بوحشية ودماء مع من يعارضهم.. من أنت حتى تعارضني وأنا الكبير الأكبر الأعظم رئيس الدولة.. وروح الديكتاتور هذه لا تتعارض أبدا مع كونهم يريدون الخير لشعوبهم.. فأغلبهم كذلك.. إنما هذه الروح تظهر ضد من يعارضهم أو من يحاول فرض قيود عليهم.
مررنا فوق إيران.. قال “جاندال”:
إنهم يطبعون عملتهم بأنفسهم في إيران.. بل إنهم أيضا لا يبيعون النفط بالدولار نظرت إلى إيران باحثا عن أي انفجارات.. لم أجد شيئا.. عجبا.. تعلمت أن البنك هو الديكتاتور.. والدول هي العبيد.. وأي دولة تحاول الهروب من سلطة الديكتاتور.. فهو يطلق عليها زبانيته ليدمروها.. لكن لماذا لا يدمر إيران؟!
***
فجأة ظهر سرب من الأطباق الطائرة يشكل رقم سبعة وكانوا يتجهون نحونا.. أصابتني قشعريرة لما رأيت السرب.. نظرت إلى “جاندال” فوجدته يشير إليهم إشارات آمرة.. اقترب أحد الأطباق الطائرة منا وانفتح بابه.. فقفزنا من على الطيور إلى داخل الطبق.. كان بداخله جنود غرباء الشكل جدا يرتدون قناعا أخضر اللون.. استقبلونا بطريقة عسكرية.
كانت هناك نافذة بانورامية تطل على المنظر الخارجي.. نظرت إليها.. كنا نبتعد بالطبق الطائر عن الأرض.. كنت أرى انفجارات هنا وهناك.. وأسمع صرخات وأرى رذاذ دماء يتطاير.. وأنهار من الدم تسيل على الأرض الخضراء.. كانت الأرض كأنها تنزف..
_302_
وتنفجر دماؤها بعد نزيفها.. كان ابتعادنا يجعلني أرى الأرض من زاوية أكبر.. حتى أصبحت أرى القارات والبحار التي تحولت سواحلها إلى لون الدم الأحمر.. لقد خربوا الأرض.. دمروا لونها الأخضر الجميل.. استبدلوه بلون أحمر لزج.. أسكتوا صوت عصافيرها.. واستبدلوه بصرخات مرتعبة مفزوعة.. لكن هوني عليك أيتها الأرض الجميلة.. فإذا شعبك يوما أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر.. ولا بد لليل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر.
كنا قد بدأنا نخرج من الكرة الأرضية.. نظرت إلى “جاندال” فوجدته ينظر إلى الأرض التي تدمر بنظرة متشفية.. سرعان ما ذهبت وحلت محلها نظرته العادية عندما انتبه لي.. قلت له:
إلى أين نذهب الآن يا جاندال؟
قال لي:
إلى جمجمة القمر.
لم أعلق.. ظللت أنظر من النافذة ساهما.. حتى لاحظت أننا اقتربنا من القمر.. كان عليه شيء كأنه قاعدة عسكرية ذات شكل عنقودي غريب.. اتجهنا ناحية أحد العناقيد الذي كان يحمل مركبة فضائية وردية اللون.. انفتح بابها فور اقترابنا منها.. فدخلنا إليها بطبقنا الطائر.. ثم انفتح باب الطبق الطائر وخرجنا جميعا.
الآن بدأت أفهم أين نحن بالضبط.. نظرت إلى ديكورات المركبة وإلى أزياء الرجال ثم نظرت إلى “جاندال” الذي رفع قامته بطريقة عسكرية.. لقد عرفته الآن.. إنه من أجواء مسلسل السبعينات الياباني “جريندايزر”.. وهذه هي جمجمة القمر.. القاعدة العسكرية التي كان يجهز منها هجماته على الأرض.. لقد ظننته شخصا خفيف الدم طيب القلب.. لكني أذكر أنه شيطان في ذلك المسلسل.. قال لي “جاندال”:
أرى لمعة عينك قد فهمت وعرفت أين نحن ومن نحن.. لقد ظللنا نهاجم الأرض أعواما كثيرة بلا جدوى.. دائما ننهزم.. السيطرة على الأرض لم تنجح بالسوبر روبوتس.. السيطرة على الأرض لم تنجح أبدا بالقوة العسكرية.. إنما هي قد نجحت بشيء آخر تماما.. السيطرة المالية.. تعالوا من هنا أيها البشر الحمقى.
مشينا معه ووقفنا أمام باب مصمم بطريقة أفلام الفضاء.. انفتح الباب ودخلنا إلى الداخل.. ثم تراجعنا قليلا من المفاجأة.. ما هذا بالضبط؟!
_303_
قال “جاندال”:
لقد أخذتكم معي في رحلة في تاريخ كوكبكم لأريكم كيف تطور النظام المالي فيه.. والآن.. لننظر إلى الحاضر.. هذا هو حاضر كوكبكم المالي يا سادة.
كنا بداخل تصميم مصغر لشوارع ومبان وأناس يمشون وسلاسل.. لم أفهم شيئا.. قال “جاندال”:
إن هذا النظام المالي الحالي الذي وصل إليه كوكبكم هو نظام مالي شديد التعقيد.. ولقد تعمد واضعوه أن يجعلوه شديد التعقيد حتى لا يفهم العامة منه شيئا.. بل يغضوا الطرف عن محاولة فهمه.. لأنهم لو فهموه ستكون مشكلة.. سيقرأ الإنسان هذا النظام مرة ومرتين وثلاث.. وربما لن يفهم شيئا بعد هذا وينصرف.. سأحاول ان أشرحه لكم.. لعلكم تفقهونه.. هذا النظام تعمل به كل دول العالم الآن.. باستثناء دول تعد على أصابع اليد الواحدة…نحن الآن داخل دولة افتراضية.. كما ترى المباني والشوارع المصغرة حولنا.
مشينا وسط المدينة الافتراضية حتى وصلنا إلى مبنى تعلوه قبة ذهبية اللون.. قال “جاندال”:
هذه خزينة الدولة.. بالإنجليزية ..Treasuryهنا تحفظ أموال الحكومة.. تغرف الحكومة من هذه الخزينة وتوزع على كافة القطاعات الحكومية.. التعليمية والصحية وغيرها .
خرج من الخزينة رجل يضع تاجا ويرتدي عباءة طويلة.. إنه حاكم هذه المدينة.. أخرج الحاكم بوقا كبيرا وقال:
أيها الشعب.. الحكومة تحتاج مالا.. من يقرض الحكومة مالًا؟ وسترد له الحكومة ماله بعد حين وتعطيه عليه زيادة مغرية جدا.. أقرض حكومتك الآن.
توجه “جاندال” إليه ووقفنا أمامه كلنا.. فقال له “جاندال”:
كم تريد الحكومة أيها الحاكم؟
فرد الحاكم طاولة أمامه ثم أخرج ثلاث أوراق من جيبه.. ووضعها متجاورة على الطاولة وقال:
نريد 3 قروض.. الأول.. بليون جنيه.. والثاني 300 مليون جنيه.. والثالث 100 مليون جنيه.
ثم رفع الورقة الأولى وقال
_304_
لو أعطيتنا قرض البليون جنيه.. سترد لك الحكومة مالك في 10سنوات.. وتعطيك زيادة عليه فائدة سنوية مقدارها ..% 2يعني نعطيك 20مليون في جيبك كل سنة لمدة 10سنوات.. وبعد 10سنوات سنرد لك البليون التي أقرضتها لنا.. لو أعطيتنا هذا القرض سنعطيك هذه الورقة التي تثبت حقك واسمها ..Government Bondونعطيها لكل من يقرضنا قرضا مدته أكثر من 10 سنوات .
ثم رفع الورقة الثانية وقال:
أما لو أعطيتنا قرض الـ 300مليون جنيه.. سنرد لك مالك في 3 سنوات فقط.. وسنعطيك زيادة عليه فائدة سنوية مقدارها ..% 5يعني نعطيك 15مليون في جيبك كل سنة لمدة 3 سنوات.. وبعد 3 سنوات سنرد لك الـ 300 مليون التي اقترضناها منك.. لو أعطيتنا هذا القرض سنعطيك هذه الورقة التي تثبت حقك واسمها ..Government Noteونعطيها لكل من يقرضنا قرضا تتراوح مدته من سنة إلى 10سنوات.
ثم رفع الورقة الأخيرة وقال:
أما لو أعطيتنا قرض الـ 100مليون جنيه.. سنرد لك مالك في سنة واحدة فقط.. لن نعطيك فائدة.. بل سيكون عليه خصم مقداره ..% 98يعني أنت لن تعطينا 100مليون الآن.. ستعطينا 98 مليون فقط.. ونحن بعد سنة سنردها لك 100مليون.. لو أعطيتنا هذا القرض سنعطيك هذه الورقة التي تثبت حقك واسمها ..Government Billونعطيها لكل من يقرضنا قروضا مدتها سنة.
قال له “جاندال”:
وكيف أضمن أن الحكومة سترد لي هذا المال؟
قال الحاكم:
الضرائب يا عزيزي.. نحن نأخذ ضرائب من الناس حتى نسدد هذه الديون.. هل كنت تظن أن الحكومة تستخدم الضرائب في مشاريع إصلاحية؟ الضرائب إنما وضعت على المواطنين حتى تسدد الحكومة منها هذه الديون . قال له “جاندال”:
حسنا أيها الحاكم.. كنت أتمنى أن أقرضكم.. لكنك تتحدث بالملايين.. وكل ما في جيبي لا يتجاوز 15جنيها.
_305_
قفز الحاكم من مكانه غاضبا فهرب “جاندال” وهربنا معه.. وعاد الحاكم يمسك البوق وينادي على من يقرض الحكومة مالا.. ثم فجأة توافد على الحاكم رجال كلهم يرتدون بذلات أنيقة ويدخنون سيجارا فاخرا ويمشون في هيبة.. قال “جاندال”:
نعم.. طبعا.. لن يقرض الحكومة هذه الملايين المهولة إلا أصحاب البنوك الكبار.. هؤلاء هم أصحاب البنوك .
تحدثوا إلى الحاكم قليلا ثم أخرجوا أموالهم وأعطوها للحاكم.. وأعطى أوراقا لكل منهم.. بعضهم أخذ من الورقة الأولى.. وبعضهم من الورقة الثانية.. وبعضهم من الثالثة.. ثم ألقوا على الحاكم سلاسل كثيرة قيدته وخنقته.. سلاسل الديون.. ثم انصرفوا.. كلهم في فوج واحد إلى مكان ما.. وانفصل عن فوجهم هذا واحد كان يبدو أبله. .كان يمسك بالورقة التي أعطاها له الحاكم وأخذ يصيح:
أيها الناس.. من يشتري مني هذه الورقة؟ هذه ورقة تجعل الحكومة تعطيك 300 مليون بعد 3 سنين.. وتعطيك كل سنة فائدة مقدارها 15مليون.. يعني يكون معك إجمالي 345مليون.. لقد اشتريت هذه الورقة بـ 300مليون من الحكومة.. والآن أريد أن أبيعها.. سأبيعها بـ 320مليون.
أتى إليه أحد المارة من خلفه وأشار إليه لينظر إلى الجهة الأخرى من المدينة.. فنظر الرجل الأبله ليجد كل زملائه من أصحاب البنوك متجمعين عند أحدالمباني ويرفعون أوراقهم.. فهرع الرجل الأبله ليقف معهم.. قال “جاندال”:
هذه الأوراق الحكومية كلها اسمها السندات أو الـ ..Securitiesولا يشتريها أحد من حاملها إلا البنك المركزي فقط.. انظر إليهم الآن كلهم يتجمعون أمام البنك المركزي ليبيعوا أوراقهم له.. واحد كهذا دفع 300مليون.. لو انتظر لتسدد له الحكومة سيأخذ ما مقداره 345مليون بعد 3سنوات.. لكن يمكنه أن يبيع الورقة الآن ويأخذ الآن 320مليون.. فهو سيقارن.. ربح 45مليون في 3سنوات.. أم ربح 20مليون الآن.. ويبدو أن كثيرا منهم يريدون الربح العاجل.. فكلهم يهرعون لبيع سنداتهم للبنك المركزي.
خرج لهم رجل من البنك المركزي.. وتحدث لهم قليلاً.. ثم دخل إلى البنك المركزي.. كانت هناك آلة ضخمة داخل البنك المركزي.. ضغط الرجل على زر تشغيلها.. فاشتغلت وأخذت تطبع النقود وتطبع بينما أخرج هو سيجارة ودخنها وهو ينتظر.. ولما انتهى من سيجارته انتهت الآلة من الطبع.. فوضع النقود في عربة صغيرة ومشى بها إلى خارج البنك.. بدأ يشتري من أصحاب البنوك السندات التي معهم..
_306_
رأيناه يغرف من العربة نقودا في أكياس ويعطيها لأصحاب البنوك ويأخذ منهم سنداتهم.. حتى انتهى وانصرفوا.. وصارت معه رزمة من الأوراق.
قال “جاندال”:
من الرائع أن تطبع النقود لتشتري الشيء الذي تريده.. عندما تفعل أنت هذا في منزلك فأنت تعتبر نصابا ومجرما.. وعندما يفعل البنك المركزي هذا فهو يعتبر شيئا عاديا من حقه.. ورغم أن البنك المركزي يعلن هذه الحقائق كلها على موقعه الرسمي.. فعندما تقول هذا لشخص ما من العامة.. أن هذه الأموال قد طبعت هكذا من لا شيء.. سينظر لك وكأنك أحمق.
الآن صار على خزينة الدولة أن تسدد الدين والفائدة التي وعدت بها لكن ليس لأصحاب البنوك.. وإنما للبنك المركزي.. لأنه اشترى معظم السندات.. قال “جاندال”:
الخلاصة أنه في النهاية.. زادت النقود عند الحكومة بقدر النقود التي اقترضتها من البنكيين.. وزاد الربح الذي ربحه البنكيون لما باعوا السندات للبنك المركزي بثمن أعلى.. وزاد عدد السندات عند البنك المركزي.. كان من الممكن أن يطبع البنك المركزي نقودا ويقرضها للحاكم مباشرة.. ولكنهم فعلوا هذا النظام بحيث تكون البنوك هي الوسيط.. حتى تربح البنوك.. ولماذا يريد البنك المركزي أن تربح البنوك؟ لأن أصحاب البنك المركزي في أي دولة هم أصحاب البنوك الكبيرة نفسهم.
البنك المركزي يطبع أوراقا من لا شيء.. ويقرضها للحكومة عن طريق البنوك الكبيرة.. لم أر شخصا يقبل بهذا النظام إلا أحمق.. أوه تذكرت.. من يخالف هذا النظام ويجعل حكومته تطبع عملتها بنفسها ينتهي به الحال مقتولا.. قلت لجاندال:
جاندال.. من هم الذين رفضوا هذا النظام من الحكام؟
قال “جاندال”:
توماس جيفرسون.. أندرو جاكسون.. أبراهام لنكولن.. هتلر.. صدام.. القذافي.. وهناك واحد آخر لم نذكره في الحكاية.. أيضا مشى عكس التيار.. لم يمش مع القطيع.. أراد أن تطبع الدولة عملتها بنفسها.. رونالد ريجان.. وطبعا أنت تعرف قصة اغتياله الشهيرة.. لكن دعك من هذا.. تعال نتابع.. فالضربة الثانية ستدهشك
_307_
مشينا وراء أحد أصحاب البنوك.. مشى الرجل حتى دخل إلى مبنى كبير هو البنك الذي يملكه.. الآن لاحظ معي ما سيحدث.. سأذهب وأودع هذه النقود التي عندي في البنك.. انتظرني هنا وراقب.. ذهب “جاندال” إلى البنك ووقف أمامه.. خرج له صاحب البنك.. أعطاه “جاندال” عشرة آلاف جنيه.. ثم انصرف جاندال.. دخل الرجل إلى البنك.. وضع العشرة آلاف جنيه على الأرض فصارت كومة من النقود على الأرض.. نظر يمنة ويسرة.. ثم أدى بيده حركة سحرية…هوكس بوكس.. خرج من كومة العشرة آلاف جنيه كومة أخرى بجانبها مقدارها تسعة آلاف جنيه.. اتجه إلى التسعة آلاف جنيه المخلوقة من العدم ووضعها في خزينة خاصة زجاجية كبيرة في البنك.
أتاني “جاندال” قائلاً:
هل رأيت؟ لقد أخذ العشرة.. وأخرج منها تسعة.. ووضع التسعة في خزنة زجاجية.. خزنة خاصة بنقود الهوكس بوكس هذه.. ووضع العشرة في خزنة البنك العادية.
قلت له:
وماذا يفعل بهذه التسعة التي خلقها ووضعها في خزنة زجاجية؟
قال “جاندال”:
سأريك.
تحول وجه “جاندال” إلى وجه السيدة “جاندال”.. اندهشت لوهلة ثم تذكرت أن هذا كان يحصل في المسلسل الياباني.. كان الرجل والسيدة يعيشان في نفس الجسد.. دخلت السيدة “جاندال” إلى البنك.. قالت لصاحب البنك.. أريد أن أقترض تسعة آلاف جنيه.. دخل الرجل إلى الخزنة الزجاجية وأخرج منها التسعة.. وأعطاها للسيدة “جاندال”… وقال لها.. ستردينها لنا اثنا عشر ألفا بعد سنة.. وافقت على هذا السيدة “جاندال” ثم انصرفت.. فناداها الرجل.. التفتت إليه فرمى عليها سلسلة.. سلسلت يدها إلى جسدها.. فخرجت من البنك مسلسلة.
ثم تحول وجه السيدة “جاندال” إلى وجه “جاندال وقال لي:
هذه النقود التي في الخزنة الزجاجية.. هي التي يقرضها البنك لمن يريد أن يقترض.. نقود أنشأها من لا شيء.. أنشأها بالهوكس بوكس.
قلت له بدهشة:
_308_
كيف أنشأها بالهوكس بوكس؟ ما هذا الكلام يا جاندال؟ ما أعرفه هو أن الناس تودع نقودها في البنك.. ثم يستخدم البنك نقودهم هذه في عمل مشاريع أو يقرضها للناس.. يعني البنك يقرض الناس من أموال أناس آخرين.
قال “جاندال”:
هذه أكاذيب يا عزيزي.. نقودك التي تودعها في البنك لا تمس.. تبقى كما هي لا يعطيها البنك لأي أحد سواء لمشروع أو لإقراض.. ما يحدث ببساطة.. هو أنك عندما تودع مبلغا من المال.. ولنقل عشرة آلاف جنيه.. يكون من حق البنك قانونيا أن ينشئ نقودا من لا شيء تكافئ % 90من هذا المبلغ.. لكن هذه النقود المنشأة ليس من حقه قانونيا أن يفعل أي شيء بها إلا أن يقرضها للناس.. سواء يقرضها للمواطنين العاديين.. أو يقرضها للمستثمرين لعمل مشاريع.. هذا النظام هو النظام الذي تعمل به كل البنوك في العالم الآن.. نظام الهوكس بوكس.. أقصد نظام الـ.Fractional Reserve Banking
هذا النظام سحري حقا.. ذهب “جاندال” واشترى روبوت صغير من أحد المحلات.. اشتراه بالتسعة آلاف جنيه التي اقترضها.. ذهب صاحب محل الروبوتات إلى البنك الذي يتعامل معه.. وهو بنك آخر غير بنك “جاندال”.. وأودع فيه تسعة آلاف جنيه.. فأخذ صاحب البنك الثاني التسعة ووضعها على الأرض.. وهوكس بوكس.. خرجت منها كومة فيها 8100 جنيه.. أقرضها البنك لشخص آخر.
قال “جاندال”:
أنا أودعت 10 آلاف جنيه في البداية.. هل تدري كم أصبحت الآن هذه العشرة في الدورة المالية بالهوكس بوكس؟ أصبحت 10آلاف 9+ آلاف + ..8100يعني أصبحت 27100جنيه.. تحولت العشرة إلى سبعة وعشرين.. ما رأيك.. هل عرفت من الذي يحدث التضخم في عالمنا؟
قلت له بعدم فهم:
البنك المركزي يصنع النقود بطباعتها.. لكن البنوك كيف تصنع النقود بنظام الهوكس بوكس هذا.. هل عندهم مطبعة نقود؟ قال لي:
_309_
لا يا عزيزي.. هم فقط يضيفون إلى رصيدك في البنك نقودا إلكترونية.. يعني يكتب الرجل على الشاشة أمامه إضافة قرض 9 آلاف جنيه للرصيد الفلاني.. فتضاف للرصيد ببساطة .
قلت له:
يعني هم يصنعون المال الذي يريدونه فقط بضغطة زر؟
قال لي:
لهم حق صناعة % 90زيادة عما لديهم من أموال مودعة.. ولا يصنعون مالا إلا عندما يطلبه أحدهم للقرض .
قلت له:
وماذا ستفعل في هذه السلسلة التي تقيدك؟
قال لي:
لا يمكنني التخلص منها.. انظر حولك.
نظرت فإذا أناس كثيرون يمشون في الشارع مسلسلين.. بسلاسل على رقابهم.. هم يمشون ويعيشون حياتهم ووجوههم ما بين الفرحة والقلق والهم.. وبعضهم هناك سلسلة ضخمة تربطه من عنقه إلى البنك.. يبدو أن هذا متعسر .
قال “جاندال:
هم سيفعلون أي شيء ليجعلوك تقترض منهم.. أي شيء يسمح لهم أن يرموا سلسلة على رقبتك.. تعال واقترض لأجل منزل أحلامك.. تعال واقترض لأجل سيارة أحلامك.. تعال واقترض لأجل فتاة أحلامك.. سنعطي لك تسهيلات.. لا تسدد القسط الأول.. لا تريد أن تقترض لكل هذا؟ ما رأيك أن تأخذ هذا الكارت.. لو ليس معك نقود.. يمكنك أن تشتري أي شيء بهذا الكارت.. ثم تسدد لاحقا.. كريديت كارد.. وهو درجات.. فضي وذهبي وبلاتينيوم.. البلاتينيوم هذا يجعلك فخورا بنفسك وأنت تخرجه أمام الناس لتدفع به.. يعطيك “بريستيج”.. هذا صحيح يا صديقي.. ارفع رأسك أكثر وافخر بأغلالك البلاتينيومية الجميلة.. اشتريت بيتا بالدين.. افخر.. أنت لا تملك هذا البيت.. هذا البيت هو الذي يملكك.. أنت لا تملك هذه السيارة.. هذه السيارة هي التي تملكك .
قال “جاندال”:
_310_
ماذا يحدث لو لم تقدر على أن تدفع الدين للبنك؟ ببساطة هو يأخذ منك ممتلكاتك.. مبانيك أو شركاتك أو سياراتك.. ولو لم تكف ستذهب إلى السجن.
قال لي “جاندال”:
هل تريد أن ترى أعجب شيء في العالم؟ انظر إلى ذلك الرجل المتحمس هناك.
رأيت رجل يتوجه ناحية البنك في حماس ومعه كيس من النقود وهناك سلسلة على رقبته.. دخل البنك وهو مبتسم.. يريد أن يسدد الدين.. أخذ منه مسؤول البنك الكيس.. فانكسرت السلسلة التي على رقبة الرجل.. دخل مسؤول البنك إلى مكان خاص في البنك.. ثم أخرج قداحة.. وأشعل النار في الأموال التي سددها الرجل منذ قليل.. حتى أصبحت رمادا.. نفض يده ثم عاد إلى عمله.
قال “جاندال”:
أنت عندما تسدد الدين إلى البنك.. فإن البنك يدمر الأموال التي سددتها.. هل تتعجب.. ولم العجب؟ هم يصنعون نقود الهوكس بوكس من لا شيء.. ثم يقرضونها لك.. ثم عندما تسددها يدمرونها.. تعود إلى اللاشيء.. ويحتفظون لأنفسهم بالفائدة في جيوبهم.. يعني كل اللحاق وراءك والتضييق عليك وإرسال الإنذارات ثم يحرقون المال في النهاية.. تسألهم لماذا تدمرون المال؟ يقولون حتى نسيطر على التضخم.. لا نريد أموالا كثيرة في السوق. غالبا لا أحد يدري عن هذه الأمور لأنها تكون مخفية تحت مصطلحات معقدة ونظم معقدة.
أخرج لي “جاندال” ورقة مالية من التي اقترضتها السيدة “جاندال” وقال لي:
هكذا ترى أن أي أموال مطبوعة قد صنعت بالدين.. الأموال التي أعطيت إلى خزينة الدولة.. هي أموال مقترضة.. اقترضتها الدولة من البنوك.. الأموال التي أعطيت إلى الناس.. هي أموال مقترضة.. يقترضها الناس من البنوك.. تقول لي أن الأموال التي في جيبك هي ملك لك ولم تقترضها من أحد.. من أين أخذتها؟ من راتبك.. ومن أعطاك راتبك؟ صاحب العمل.. وكيف افتتح صاحب العمل عمله؟ بقرض من البنك.. وهكذا امش وراء أي ورقة نقدية ستجدها قد جاءت من الدين.. لا توجد أي أموال أنشئت بدون دين.. المال هو الدين.. والدين هو المال.. احفظ هذه المعادلة جيدا.. كل جنيه في جيبك هو دين من أحدهم لأحدهم.
قلت له:
وماذا لو سدد كل الناس كل ديونهم وسددت الحكومة كل ديونها للبنك المركزي؟
_311_
قال لي:
لو سدد كل الناس كل الأموال المقترضة هذه.. لن تبقى أي أموال في الدولة.. ولو أن الناس سددوا كل الأموال المقترضة، سيتبقى لهم أن يسددوا الفائدة.. لأن الدين لا يعطى إلا بفائدة.. ومن أين يسددون الفائدة إذا كانت الأموال أصلا اختفت؟!.. يجب أن تفهم جيدا أن الدين دائما أكبر من الأموال الموجودة في السوق.. لأن الأموال لا تعطى إلا بدين.. والدين لا يعطى إلا بفائدة.. احفظ هذا جيدا.
مشى بنا “جاندال” إلى ما يبدو أنه مخرج من هذه المدينة وقال:
الآن عرفت كيف يصنعون النقود.. سواء التي يطبعها البنك المركزي بالهابرا كادابرا.. أو التي تنشئها البنوك العادية بنظام الهوكس بوكس.. هذه البنوك كلها تخلق المال من العدم.. لكن هل يوجهون هذا المال ناحية بناء المدارس والمستشفيات ووسائل النقل العام مثلا؟ لا يفعلون هذا.. بدلا من ذلك هم يقرضون الجميع ليضعوا مزيدا من السلاسل على الناس.. وعلى الدولة.. فيصبح الجميع مسلسل.. المشاريع التي تنمي البلد لا تفيد البنوك.. القروض هي التي تفيدهم.. لو أن هناك شخصا يريد عمل مشروع مفيد ويريد أن يقترض من البنك فأهلا وسهلا به.. طالما سيقترض لأجل المشروع.
وصلنا إلى الباب الذي انفتح بشكل كهربائي.. فوجدنا وراءه حارسين من ذوي الأقنعة الخضراء.. خرج “جاندال” ومشينا وراءه نريد الخروج لكن الحارسين منعانا من التحرك ودفعانا إلى الداخل ثم انغلق الباب علينا.. “جاندال” أيها اللعين ماذا تفعل؟ أخرجنا من هنا.. لم نجد ردا.. حاولت فتح الباب بالقوة لكن كل شيء كان إلكترونيا تماما.. لم تفلح محاولاتي.. أخذت أنادي على “جاندال” بلا فائدة… هذا اللعين حبسنا هنا.. دخلنا للمدينة الافتراضية نمشي في شوارعها الصغيرة باحثين عن مخرج آخر.. لم يكن هناك أي مخرج.. كانت الحوائط كلها مصمتة.. نظرنا إلى السماء.. كانت مظلمة لا نرى منها شيئا.. ثم فجأة انقشع الظلم عن السماء ورأيناه.
رأينا “جاندال” ينظر إلينا من السماء.. لم أفهم شيئا في البداية ثم استوعبت.. الأمر يبدو وكأن هذه المدينة الافتراضية هي نموذج مدينة مصنوع على طاولة.. والنموذج محاط بزجاج.. وخارج الزجاج جاندال يقرب وجهه من المدينة ينظر إليها.. كان ينظر في تشف.. ويقول:
_312_
انحبس أيها الإنسان الأخرق داخل هذا النظام إلى الأبد.. ليس لك مفر.. البلايين التي تقترضها دولتك من بنكها المركزي تسمى الدين المحلي.. يعني الدين الذي بالعملة المحلية.. لكن هذا ليس كل شيء.. بل إن دولتك أيضا تأخذ دينا خارجيا من عدة أطراف.. دين بالدولار.. يسلسلها من أسفل منها إلى أعلاها.. ومن يمينها إلى شمالها.. ويسوقها معه إلى الاتجاه الذي يريد.. صندوق النقد الدولي عندما يعطيها دينا خارجيا.. فمن حقه أن يتدخل في شؤونها.. ويكلفها بتقليل مصاريفها التي تدفعها على الصحة والتعليم وكل شيء من شأنه تطورها ونموها.. أنت محبوس أيها الإنسان في هذا النظام إلى الأبد.
ثم انصرف “جاندال”.. هذا الرجل مخبول.. فكر معي.. كيف هو الخروج من هذا النظام المغلق؟ كيف السبيل إلى فك هذه القيود التي تسلسل رقاب الناس وتذلهم وتفقرهم؟ نظرت حولي.. ثم تذكرت أمرًا.. تعال معي بسرعة الآن.. لقد عرفت الحل.. المخرج من كل هذا.
انطلقت معك حتى وصلنا إلى مبنى البنك المركزي في المدينة الافتراضية.. رأيتني وأنا أقتحمه من الخلف.. ثم أخرج منه راكضا ومعي طابعة النقود أحملها فوق رأسي.. وجرينا أنا وأنت بالطابعة حتى وصلنا إلى مبنى الخزينة.. دخلناه من الخلف أيضا ووضعنا طابعة النقود بداخله.. كان الحاكم لا يزال واقفا أمام الخزينة وأمامه الطاولة يحاول بيع السندات.. وينادي من يقرض الحكومة.. وكانت هناك سلاسل على جسده كله.. صفرت له تصفيرة عالية.. فنظر خلفه فرآني.. ثم أتى بسلاسله إلي ليرى ما الأمر.. أريته طابعة النقود.. بدا لديه شك في البداية.. ثم ضغطت زرا فيها فبدأت العمل وبدأت تطبع النقود.. قفز الحاكم فرحا… وانكسرت السلاسل التي كانت تقيده.. وبدأ يطبع النقود بنفسه ويستخدمها في تطوير دولته وتحسين معيشة مواطنيه.. الآن لديه مصدر لا نهائي للأموال.. كل ما عليه أن يفعله هو أن يطبع الأموال بحذر حسب احتياجات السوق وحسب عدد السكان.. يبني مدارس وطرقا ومستشفيات.. يوجه النقود ناحية الإنتاج.. لأن البنك لم يكن يوجهها ناحية أي شيء إلا مصلحة البنوك الكبيرة وجيوب أصحاب البنوك الكبيرة.
ثم تركنا الحاكم في فرحته وذهبنا نركض إلى المبنى الذي تسن فيه القوانين في هذه المدينة الافتراضية.. دخلت المبنى وأخرجت كتاب القوانين.. وفتحت صفحة البنوك.. وقطعت صفحة الـ Fractional Reserve Bankingتماما.. صفحة ذلك القانون الذي يسمح للبنك أن ينشئ نقود هوكس بوكس من الهواء
_313_
ويقرضها للناس ثم يدمرها عندما يستردها.. وفتحت صفحة أخرى في قسم البنوك وقطعتها.. الصفحة التي تسمح للبنوك بإقراض الناس بفائدة.. صفحة الربا.. قطعتها من صفحة البنوك.. وقطعتها من صفحة الحكومة.. ذلك النظام كان كله قائما على الربا.. الحكومة تقترض من البنوك بالربا.. والناس تقترض من البنوك بالربا.. منظومة كاملة فاسدة تماما لا تفيد سوى أصحاب الأموال البنكيين.. أما الشعب فهي تزيده فقرا وقهرا وسلاسل.. ثم خرجنا من المبنى.. كل السلاسل التي كانت على رقاب الناس انفكت.. ورموا الهم الذي كان يثقل صدورهم كلهم.
وألغى الحاكم الضرائب على الشعب لأنه لم يعد يحتاج إليها في سداد أي قروض.. لقد صار يطبع أمواله بنفسه.. وزاد الحاكم من رواتب شعبه تدريجيا بحذر.. وكان لا يهتم سوى بالشعب.. الشعب وحده.. وأسقط سلطة البنكيين تماما ورغبة البنكيين في مزيد من الربح.
بدأ شيء ما في السماء يتصدع.. كانت هذه هي الزجاجة التي تحكم إغلاق هذه المدينة.. إن النظام ينكسر الآن.. يتشقق.. ثم ينهار تماما.. توجهنا بسرعة إلى خارج المدينة.. قفزنا من فوق الطاولة إلى الهواء.. لا أدري على أي شيء سننزل.. لكنني رأيت “جاندال” يصرخ غاضبا.. ورأيت الكرولر تقترب.. كان أحب منظر أراه منذ مدة طويلة حقا.. وعلى الفور التقطتنا الكرولر وانطلقنا بها بسرعة خارج هذا كله.
***
_314_
عاد جسدي وجسدك بسرعة إلى طبيعتهما.. كنت قد بدأت أعتاد على هذه الكارتونية.. تشعر فيها أنك خفيف لا وزن لك أبدًا.. لكن حقا كما قال جاندال.. المرء هنا قد يصير مكتئبًا.. إن دولنا كلها تمارس هذا النظام الربوي القذر.. دولنا كلها بلا استثناء.. حقا لا أجد وصفًا.. الحل الذي قدمناه في النهاية.. كلما نفذه رئيس يقتلونه من فورهم.. هذا يضعف الأمل في الإصلاح.. نحتاج حاكما شجاعًا.
مشت الكرولر وفجأة اشتغلت فيها الأغنية التالية:
المال
المال
اكذب لأجله
تجسس لأجله
اقتل لأجله
مت لأجله
إنها لعبة
لعبة شيطان طماع
هم لا يهتمون
إنهم يفعلونها لأجل المال
يخدعونك لأجل المال
يستعبدونك لأجل المال
أي شيء.. أي شيء
أي شيء من أجل المال
سأكذب من أجلك
سأموت من أجلك
حتى لو أبيع روحي للشيطان
إنه نفس المغني.. مايكل جاكسون.. على غرابة ما يقال حول هذا الرجل إلا أن أرض السافلين قد اختارته مغنيا.. إنها من المرات النادرة التي أرى مغنيا يقول كلما له معنى وهدف.. عجبًا.
_315_
توقفت الكرولر في هارموني القاعة العتيدة.. وكان فيها سكوربيون ينتظرنا.. هذا الرجل شاركنا عالمًا واحدًا من العوالم ولم نره في باقي العوالم.. كيف هي ثرثرته.. هل هو مفيد؟
سأدعه يثرثر لك قليلاً.

انظر إلى الصفحة الأخيرة.. واختر عالمًا جديدًا.. عسى أن يكون أفضل من سابقيه,
_316_
العالم السابع
نظرت من بعيد.. إنه الصرح العلمي نفسه.. أنا أحب هذا المكان بسبب الهولوجرام.. هو أكثر شيء يعجبني هنا.. أتمنى أن يكون عرض اليوم فيه هولوجرام.
دخلنا فإذا الجميع منتظرون.. يبدو أننا تأخرنا يا فتى.. أستطيع أن أرى هذا في وجه آدم.. نظرت إلى الجميع نظرة معتذرة وتقدمنا إلى عروشنا.
قال “آدم”:
سامحوا صاحبينا فيبدو أن لهما رحلات أخرى كثيرة إلى غير أرضنا.. اليوم هو أصعب سؤال في العالم.. وأتمنى أن تكونوا قد تجهزتم نفسيًا من أجله .. سؤالنا يقول ببساطة.. هل هذه الكائنات والحيوانات محتاجة لأن يخلقها أحد.. أم أنها تطورت بعضها من بعض عبر الزمن؟ سؤال سبب إزعاجًا كبيرًا جدًا في الوسطين العلمي والديني.. معارك وانخفاضات وارتفاعات.. كلها لأجل إيجاد القول الفصل فيه.. اليوم.. نحن هنا كلنا معا.. فقط من أجل الإجابة عن هذا السؤال وحده.
أضاء ضوء أحمر وقام رجل ذو شعر أبيض طويل مع صلع في مقدمة الرأس.. كان هذا هو عالم الأحياء الجين باتيست ” لامارك” الذي وقف بقامته الطويلة وملابسه الأنيقة وهو يقول :
قضيت عمري ألاحظ الكائنات الحية وأكتب عنها.. وعلى أنهم قد يبدون مختلفين ظاهريا للناظرين.. إلا أنهم جميعا متشابهين.. تجمعهم كلهم صفات أساسية كثيرة.. وتفرق بينهم صفات ثانوية طفيفة.. لاحظت أيضا أن الكائنات كلما زادت تعقيدا صارت أكثر كمالا.. والإنسان هو أكمل الكمال.. استنبطت أنه ربما تكون هناك آلية طبيعية تتحول بها الكائنات البسيطة إلى كائنات أكثر تعقيدا مع الوقت.. نعم لا بد أن هناك تفسيرا طبيعيا لتحول كل هذه الكائنات المتشابه بعضها إلى بعض بيولوجيا.. لا يحتاج الأمر إلى تدخل إعجازي لعمله.
قال له “آدم”:
وما هي هذه الآلية الطبيعية؟ هل عرفتها؟
نظر له “لامارك” وقال بهدوء:
_317_
نعم.. وهي ليست آلية واحدة.. بل ثلاث آليات.. سأسردها لك بأكثر عبارات تبسيطية ممكنة.. الآلية الأولى هي أن الكائنات يتحول بعضها إلى بعض بالتهجين.. عندما يحدث تكاثر بين نوعين مختلفين من الحيوانات، ينتجان نوعا ثالثا جديدا مختلفا.. هكذا تنتج حيوانات جديدة دائما من تزاوج حيوانات قديمة معروفة.
سكت “لامارك” قليلا وكأنه يرى استجابة السامعين لحديثه ثم قال:
الآلية الثانية هي التوافق مع البيئة.. هذه البيئة الجميلة البريئة التي نعيش فيها تبين أن لها قوة تأثير رهيبة على الكائنات.. فعندما تتغير هذه البيئة أي تغيير.. تجبر الكائنات على أن تتغير هي أيضا لتتوافق معها.. بعبارة أبسط.. عندما تتغير البيئة، يتأثر الكائن فيغير شيئا من صفاته حتى يتوافق معها .. ثم عندما ينجب هذا الكائن الذي تغيرت صفاته.. تنتقل صفاته الجديدة التي اكتسبها إلى أبنائه.. تغييرا وراء تغيير.. صفات جديدة تتراكم على صفات.. فتُنتج مع الوقت كائنات جديدة بصفات جديدة متطورة.
ثم سكت مرة أخرى وأكمل:
الآلية الأخيرة هي الاستخدام وعدم الاستخدام.. هناك أعضاء يستخدمها الكائن باستمرار فتقوى وتتطور لتتلاءم أكثر مع هذا الاستخدام.. وعندما ينجب هذا الكائن الذي تطورت أعضاؤه بكثرة الاستخدام تنتقل هذه الأعضاء المتطورة إلى أبنائه.. هكذا تنتج كائنات لديها أعضاء متطورة لم تكن عند أسلفها.
قال “آدم”:
هل يمكن أن تشرح لنا بأمثلة؟
اعتدل “لامارك” وقال:
بالنسبة للتهجين.. لدينا البغل.. يأتي بتزاوج الحصان مع الحمار.. ولدينا الوولفين.. يأتي بتزاوج الحوت مع الدولفين.. وهناك أمثلة أخرى كثيرة جدا لحيوانات متنوعة وجديدة جاءت من حيوانات قديمة.. بالنسبة لآلية تأثير البيئة، لدينا الطيور التي لا تطير كالبط والإوز .. هذه كانت أسلافها تطير في السابق.. لكن أحفادهم كما يبدو عاشوا في بيئة وفيرة الغذاء فلم يعودوا بحاجة للطيران.. ومع الوقت جاءت الذرية غير قادرة على الطيران.. مثال آخر هو السحالي.. بعضها عاشت على أرضية صعبة فأصبحت تزحف طيلة الوقت.. ومع الوقت اختفت أطرافها وصارت ثعابين.
_318_
تنهد “لامارك” ثم قال:
بالنسبة للآلية الأخيرة، الاستخدام المتكرر للأعضاء.. لدينا الزرافات.. كانت أسلافها قصيرة العنق.. تأكل فقط من الأشجار القصيرة التي يصل لها عنقها.. وفجأة حدث تغير في البيئة جعل هناك ندرة في الأشجار القصيرة حولها فبدأت تطاول أعناقها محاولة الوصول للأشجار الطويلة.. مع الوقت و الاستخدام المتكرر ومحاولة رفع أعناقها المستمرة مع الزمن، استطالت أعناقها إلى الطول الذي نراه اليوم في الزرافات.
هنا أضاء ضوءان أحمران في مكانين مختلفين.. ضوء عند عالم الأحياء والجيولوجي الشهير ذي اللحية الكثيفة البيضاء “تشارلز داروين” وضوء آخر عند عالم الأحياء وعلم الإنسان “ألفريد راسل والاس” ذي اللحية الكثيفة البيضاء هو الآخر.. احتار كلاهما من الذي يقف.. فضحك “آدم” وقال:
يمكنكما أن تقفا معًا.. فيبدو أن الرأي الذي تقدمانه قد توصل إليه كلاكما في نفس الوقت.. يمكن للسيد “داروين” أن يتحدث أولًا وليكمل السيد “والاس” ما نقص عنده.
نظرنا إلى “داروين”.. هذا هو الرجل الذي أثار جدلا واسعا في العالم بعد وفاته.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ دعنا نرى ما لديه.. قال “داروين” بهدوء:
السيد “لامارك” تحدث عن الآليات التي يتم بها التطور.. وأنا أتفق معه فيها كلها.. لكنه كان يظن أن الكائن هو الذي يتطور من داخله ليتوافق مع بيئته.. كأن الكائن هو الذي يسعى ليتغير ويتوافق.. هو الذي يسعى من داخله ليكون أكثر كمالًا وتعقيدًا وتوافقًا مع بيئته.. لكن ما اكتشفته أنا هو أن الكائن لم يخلق بداخله أي شيء مطلقا يجعله يتحرك من تلقاء نفسه هكذا ليتوافق مع بيئته.. إنما يحدث هذا التوافق عشوائيًا بلا أي محرك داخلي.. عبر آلية عشوائية عمياء سميتها الانتخاب الطبيعي.
سكت الجميع منتظرين ما سيقوله “داروين”.. الذي داعب لحيته قليل وهو يقول :
الانتخاب الطبيعي يعني البقاء للأصلح في هذه الحياة.. و الموت أو الانقراض للأدنى.. هذه هي سنة الحياة.. فمثلًا لو ظهرت لدى بعض أسلاف الزرافات أعناقا طويلة بفعل الاستخدام المتكرر كما قال لامارك.. فإن هذه الأسلاف ذات الأعناق الطويلة عندما تعيش مع بقية الأسلاف ذات الأعناق القصيرة ستكون لها ميزة تطورية تجعلها أصلح للحياة..
_319_
مع الوقت تنقرض الأسلاف ذات الأعناق القصيرة وتبقى الأسلاف الطويلة العنق.. هذا هو المحرك الذي يحرك التطور.. انتخاب الطبيعة لمن يصلح ليعيش فيها.. ليس ما يحركه هو سعي الكائن نفسه ليتغير ويتوافق مع الطبيعة.. بعبارة أخرى .. أسلاف الزرافات ليست هي التي تحركت من داخلها لتصبح زرافات طويلة العنق.. بل إنه عندما طال عنقها بفعل الاستخدام المتكرر.. انتخبتها الطبيعة واستبقتها.. وأماتت رفاقها قصيرة الأعناق.
ثم قال “داروين” وكأنه تذكر شيئا:
هناك أمثلة أخرى كثيرة وبديهية.. البق الأحمر تفضل الطيور طعمه عن البق الأخضر.. مع الوقت ينقرض البق الأحمر اللذيذ ويعيش البق الأخضر.. الأفيال ذات الناب العاجي التي يصطادها الإنسان لأجل أنيابها تنقرض مع الوقت وتبقى الأفيال الأخرى …. وهكذا كل سرب من الكائنات تنتخب منه الطبيعة من هو أصلح للبقاء.. ويموت الباقين.. لا يوجد سعي من الكائن نفسه لفعل أي شيء.
ختم “داروين”:
الحقيقة الصادمة التي استنبطتها في النهاية هي أن كل هذه الكائنات التي نراها حولنا.. كلها بلا استثناء قد تطورت عبر الزمن بفعل آليات لامارك والانتخاب الطبيعي من كائنات بسيطة وحيدة الخلية إلى كائنات بحرية بسيطة ثم إلى أسماك ثم إلى برمائيات ثم إلى زواحف.. ثم إلى طيور وثدييات.. فقط بآليات لامارك والانتخاب الطبيعي.. أحد هذه الثدييات تطور إلى فرعين.. واحد تطور إلى قرود.. والآخر تطور إلى إنسان.
قال “آدم”:
هل أوصلك هذا إلى الكفر بالله؟
قال “داروين”:
لم يعد الله يتدخل في الخلق بالنسبة لي.. لم أعد أدري أين هو الله بالضبط.. ربما هو الذي خلق الكون .. وربما لا.
هنا تحدث “والاس” ولقد كان يبدو أكثر هدوءًا وقال:
كانت لدي رحلتي الخاصة أيضًا إلى الأمازون وجزر إندونيسيا.. ولقد قابلت داروين وجمعنا بحث مشترك كل منا كان يبحث فيه وحده.. كنت أنا في إحدى الجزر أبحث وفجأة أصبت بنوبة حمى شديدة.. أثناء تلك الحمى سقطت الفكرة في عقلي.. البقاء للأصلح.. عرفت أن هذه الفكرة ستفسر تنوع الكائنات كلها..
_320_
فكتبت بحثي وأكملته وأرسلته إلى “داروين”.
قال “داروين”:
لما رأيت البحث تعجبت جدًا.. إن “والاس” اكتشف نفس الشيء الذي اكتشفته أنا.. وإن وقفتي أنا وهو الآن تذكرني بوقفتنا في المؤتمر المشترك الذي عقد لنا لنطرح أفكارنا لأول مرة.. ولقد اقترح علي “والاس” أن نغير كلمة الانتخاب الطبيعي إلى كلمة البقاء للأصلح لأنها أكثر دقة فوافقته على هذا.
نظر له “والاس” وقال:
لكني أختلف مع “داروين” اختلفا جذريا في مسألة الإنسان.. إن الذكاء والقدرات العالية التي يتمتع بها الإنسان تنفي تماما أن يكون قد تطور من سلف أدنى ذي عقل أدنى.. البقاء لا يحتاج إلى كل هذا الذكاء والقدرات العقلية العالية.. عشر هذا الدماغ كان يكفيه للبقاء وبشكل أفضل من كل الحيوانات.. رأيي أن هناك قوة فائقة هي التي صممت الإنسان وهي التي وجهت التطور في الكائنات ليجري على ما جرى عليه بحكمة وخطة مسبقة.. لقد ذهب “داروين” بالأمر بعيدا جدا حتى وصل إلى أن يساوي بين القرود العليا وبعض الأفارقة الذين هم في رأيه ما زالوا يحملون بعض ملامح القردة.. وتوقع بنفس منطق البقاء للأصلح أن الأجناس البيضاء الإنسانية الراقية مع الوقت ستبيد هذه الأجناس الإفريقية الهمجية تماما.
أضاء ضوء أحمر قريب منهما.. كان هذا هو عالم الأحياء والوراثة الألماني “أوجست وايزمان” وكان يبدو حكيما بذقنه البيضاء المتوسطة والنظارات الصغيرة التي يضعها.. قال ” وايزمان”:
عذرا أيها الأفاضل.. ربما كان هذا الكلام ذا قيمة في الماضي لكن معظم هذا الكلام بعد أعمال جريجور مندل وأعمالي في علم الوراثة اتضح أنه هباء منثور لا قيمة له علميا على الإطلاق.
انتبه “داروين” و”والاس” إلى ما يقوله الألماني وانتبهنا معهما له حيث أكمل:
هناك نوعان من الخلايا في هذا العالم.. الخلايا الجنسية Germ Cells والخلايا الجسدية Somatic Cells .. الخلايا الجنسية هي وحدها التي تحتوي على المعلومات الوراثية للكائن.. وهذه المعلومات فقط وحدها هي التي تنتقل من الأبوين إلى أبنائهما.. أما الخلايا الجسدية فكل ما يحدث فيها خلال حياة الكائن لا قيمة له ولا ينتقل أبدا إلى الذرية.. هذا قانون وراثي..
_321_
يعني مهما استطال عنق الزرافة خلال حياتها فإنها لا تنقل هذه الاستطالة أبدا إلى أبنائها.. الحداد الذي يعمل في الحدادة وتنمو عضلاته من العمل في الحدادة لا يورث قوة عضلاته هذه إلى أبنائه… ما ينتقل إلى الأبناء هو فقط ما تحمله الخلايا الجنسية من معلومات.. ولإثبات هذا قمت بتجربة قطعت فيها ذيول فئران التجارب لعشرات الأجيال فإذا بها كل مرة تولد بذيول طبيعية ولم ينقص طول ذيولها سنتيمترًا واحدًا.. فحكاية توريث الصفات المكتسبة هذه خرافة عظيمة.. وهذا ينقض آليتين من الآليات التي ذكرتموها للتطور.. آلية تأثير البيئة على الكائن.. وآلية الاستخدام وعدم الاستخدام.. فمهما استخدم الكائن العضو أو لم يستخدمه ومهما تغير العضو أو استطال أو اختفى فإن هذا لا ينتقل أبدا إلى الأبناء.
ساد الوجوم قليلًا حتى قال “وايزمان”:
ذكرتم أيضًا آلية التهجين.. الذي ينتج كائنات جديدة.. وافترضتم أنه مسؤول عن كثير من التنويع الذي نشاهده في الكائنات الحية حولنا.. لكن للأسف تبين أن هذا أيضًا هباء منثور عندما تم عرضه على علم الوراثة.. نعم قد يتكاثر النوعان من الكائنات الحية لينتجا نوعًا مهجنًا تختلف صفاته عن الأبوين.. لكن هذا النوع المهجن يكون دائما عقيما لا يلد ولا يُنتج ذرية.. وتنتهي حياته بموته.. ينتهي نوعه بموته.. لا يُنشئ نوعًا ولا جنسًا من الكائنات.. ويأتي الحيوان المهجن دائما أضعف من والديه.. فالبغل دائما أبطأ من أبيه الحصان.. يعني لن يستفيد الانتخاب الطبيعي منه شيئا ولن ينظر إليه ناهيك عن أنه عقيم أصلًا.
قال “آدم” وهو ينظر ناحية “لامارك”:
إذًا الثلاث آليات التي اقترحها “لامارك” للتطور سقطت.. يعني لم تعد هناك آليات تتنوع بها الكائنات.. فلا يوجد شيء سيتنوع أصلًا ليصطفي منه الانتخاب الطبيعي أفراده.. هل تعنون إذا أن نظرية التطور ساقطة علميا؟
أضاء ضوء أحمر في أحد أركان القاعة فالتفت إليه الجميع.. وقام رجل ذو لحية قصيرة وشعر ناعم وعينين غائرتين.. كان هذا واحدًا من أوائل علماء الوراثة “هوجو دي فريس”.. وقد تحدث وقال:
ظننا أن نظرية داروين حقا سقطت جينيًا تمامًا ولكن جاء اكتشافي فأحياها مرة أخرى .. لقد اكتشفت أن هناك تغيرًا يحدث في الخلايا الجنسية.. تغير يعطي صفات جديدة للكائن.. تغير يورثه الكائن إلى ذريته.. تغير أطلقت عليه اسم طفرات.
تقدمت بجسدي للأمام بتركيز.. قال “دي فريز”:
_322_
من تجاربي على زهرة الربيع المسائية.. وجدت أن هناك أجيالا تظهر يكون فيها أفراد مختلفون تماما عن بقية الزهور.. شكلهم مختلف ولونهم.. عزلتهم وجعلتهم يتزاوجون فيما بينهم.. وإذ بذرياتهم يأتون أيضا مختلفين مثلهم.. إذا فهؤلاء الأفراد الذين اختلفوا عن بقية الجيل ورثوا صفاتهم إلى ذرياتهم.. جعلني هذا أكثف التجارب حتى اكتشفت الطفرات.. نعم يا سادة.. الطفرات.. إنها تغيرات تحدث في الخلايا الجنسية للكائن ليس في الخلايا الجسدية.. تغيرات تورث.. هذه هي الإجابة… الإجابة الجينية عن آلية التطور.
أضاء ضوء أحمر في ركن القاعة وقام عالم الأحياء والجينات “توماس مورجان” وهو رجل ذو ذقن صغير وعينين حادتين.. قال “مورجان”:
من تجربتي أيضا على ملايين الأفراد من ذبابة الفاكهة ذات العيون الحمراء اكتشفت فجأة ظهور ذبابة واحدة مختلفة عن الباقين.. ذبابة ذات عيون بيضاء.. عزلتها وجعلتها تتزاوج مع ذبابة فاكهة عادية ذات عين حمراء.. كانت النتيجة ظهور جيل فيه أكثر من ألف ذبابة حمراء العيون وثلاث ذبابات فقط بيضاء العيون .. ظللت أجري تجاربي في هذا الشأن حتى نجحت في اكتشاف أكثر من عشرين طفرة تغيرت بها صفات الكائن في كل مرة وورثها إلى أبنائه.
أشار “مورجان” إلى الهولوجرام الذي ظهر عليه شكل ما يشبه المسبحة وقال:
أيضا اكتشفت أن هناك ما يمكن أن نتصوره وكأنه حبات عقد على خيط الـ DNA الطويل.. كل حبة تعبر عن صفة في الكائن.. هذه الحبات سميتها “جينات”.. وعرفت أن الطفرة يمكن أن تحدث في جين من جينات الكائن فتتغير تبعا لها هذه الصفة وحدها في الكائن.. أو ربما تحدث أكثر من طفرة في أكثر من جين فتتغير عدة صفات فينتج كائن مختلف الصفات تماما عن الكائن الأول ..ومع مرور الأجيال تحدث الطفرات عشوائيا وتتغير صفات الكائنات تدريجيا.
أكمل “مورجان” بحماس:
الطفرة التي تنتج كائنات مشوهة وغير صالحة للحياة يلغيها الانتخاب الطبيعي مثل أن يولد ذئب بعين عمياء.. والطفرة الصغيرة التي تغير بعض الصفات لكنها لا تؤثر على بقاء الكائن لا يراها الانتخاب الطبيعي كأن يولد ذئب بلون مختلف.. بينما الطفرة المفيدة التي تنتج كائنا أكثر صلاحية لبيئته يبقيها الانتخاب الطبيعي ويحافظ عليها وتورث للأجيال كأن يولد ذئب بفراء أسمك في منطقة باردة.. فالانتخاب الطبيعي ليس عملية ذكية أو محددة.. لا أبدًا..
_323_
بل هي عمياء.. تعمل بقاعدة البقاء للأصلح.. والموت لمن دون ذلك.. من تعطيه الطبيعة مزايا يبقى و يكون جنسا جديدًا.. ومن تعطيه الطبيعة نقائص يموت.. ومن لا تعطيه الطبيعة شيئا يبقى كما هو.. وهكذا يمكن لكل الكائنات أن يتكون بعضها من بعض بالتطور.. عبر آلية الطفرات والانتخاب الطبيعي.
والآن سمعنا تصفيقًا من بعض الجالسين.. كادت النظرية أن تسقط لكنها صعدت مرة أخرى بقوة.. جميل جدًا.. شعر “مورجان” بالفخر قليلًا ثم أكمل بحماس علمي:
الطفرات ربما تكون بسيطة.. استبدال حرف مكان حرف .. C مثلًا بدلًا من T ..أو ربما تكون حذفا لجين كامل.. أو نسخا لجين مرتين.. وغيرها الكثير.. كلما عبثت أكثر في جينات الكائن كان الكائن الناتج أكثر اختلافًا.
بدأ الجمع يتجه نفسيًا ناحية تصديق نظرية التطور.. لكن يبدو أن لدينا المزيد من الآراء.. إذ أضاء ضوء أحمر بين الجالسين فقام عالم جينات روسي من أيام الاتحاد السوفيتي هو “ألكساندر سيرجيفيتش سيريبروفسكي”.. عدل نظارته التي تعطي لملامحه الروسية مظهرًا مميزًا وقال:
للأسف هناك قانون وراثي اكتشفناه لاحقا في روسيا يسقط هذه الآلية الجديدة للتطور بالطفرات التي اقترحها السيد “دي فريس” والسيد “مورجان”..معذرة.. لا يسقطها.. وإنما يحددها.
استرخيت على مقعدي ووضعت يدي على ذقني.. ترى ماذا لدينا هذه المرة؟ لقد بدأت أستمتع بهذا الصعود والهبوط للنظرية.. قال الروسي بصوته الروسي:
الصندوق الجيني Gene Fund كما سميته أنا.. والذي عندما نقلوه لاحقا عني إلى أوروبا أطلقوا عليه اسم الحوض الجيني Gene Pool أو الوعاء الجيني.. ودعوني أشرح لكم معناه.. تعرفون كلكم أن للكائنات الحية تصنيفا متعارفا عليه.. ( المملكة – الطائفة – الرتبة – العائلة – الجنس – النوع ) كل (جنس) من أجناس الكائنات الحية له (حوض جيني) خاص به أو (صندوق جيني) تخيلي خاص به.. هذا الصندوق التخيلي نضع بداخله كل الجينات التي تحدد صفات هذا الجنس من الكائنات بكل الأنواع التي فيه.. الطفرات يمكن أن تحدث كما يحلو لها داخل هذا الصندوق الجيني فقط ولا تستطيع أن تتعداه.. وكما قال مورجان”، لوكانت طفرات مؤذية سيلغيها الانتخاب الطبيعي.. ولو كانت طفرات مفيدة فارقة.. سيختارها الانتخاب الطبيعي ويورثها إلى الذرية.. الذرية التي ستحمل صفات مختلفة تماما عن الآباء.. مختلفة إلى درجة أنهم لا يعود بإمكانهم
_324_
التزاوج مع بقية أفراد الجنس.. فلا يتزاوجون إلا مع أمثالهم.. عندها ينفصل هؤلاء المتزاوج بعضهم مع بعض عن عباءة الجنس ونطلق عليهم (نوع).. فيصبحون نوعًا جديدًا داخل الجنس.. وكل جنس في الطبيعة يحوي تحته عشرات أو مئات الأنواع الناتجة بالطفرات.. لكن القانون الوراثي الذي كشفناه يقول أن الطفرات لها حدود لا يمكن أن تتعداها أبدًا.. هذه الحدود هي حدود الحوض الجيني الخاص بالجنس.. ولا تقدر على أن تتعداه أبدًا لتطال العائلة أو الرتبة أو الطائفة.
قال آدم:
معذرة لم أفهم هذه النقطة.. هل يمكنك أن توضحها بأمثلة؟
اعتدل الروسي “ألكساندر” وقال:
جنس الحصان مثلًا يحتوي على عدة (أنواع) تضم كل الأحصنة والحمير في هذا العالم.. فيه الحصان الأليف والحصان البري والحمار الأليف والحمار الوحشي.. جنس الحصان هذا قديما منذ ملايين السنين لم يكن فيه أي تنوع وكان يعبَر عنه بحيوان واحد هو سلف جميع الأحصنة والحمير الحاليين.. كان يدعى إيكوس Equus .. هذا السلف القديم كان له حوض جيني يضم كل صفاته الحصانية.. وذات مرة حدثت في هذا السلف بعض الطفرات المفيدة التي أنتجت ذرية مختلفة قليلًا عن الحصان السلف الإيكوس.. ذرية أصغر وأقل قوة.. ذرية تدعى الحمير.. لم تعد تقدر على التزاوج مع أفراد السلف القديم من الإيكوس.. لم يعد بمقدورهم التزاوج إلا مع أمثالهم من الحمير.. وبالتالي أصبحوا نوعا منفردًا اسمه الحمار.. لكنه داخل تحت جنس الحصان.
ثم قال “ألكساندر”:
ثم حدثت طفرات أخرى للسلف القديم الإيكوس نفسه فأنتجت ذرية مختلفة الصفات لا تتزاوج إلا مع نفسها اسمها الأحصنة البرية.. وأصبح هؤلاء نوعًا منفصلًا اسمه “الحصان البري”.. داخل أيضًا تحت جنس الحصان.. الحمير نفسها حدثت فيها طفرات مفيدة فأنتجت ذرية مختلفة الصفات عنها تدعى الحمير الوحشية الذين أصبحوا نوعًا ثالثًا اسمه الحمار الوحشي.. داخل أيضا تحت جنس الحصان.. وهكذا ظلت الطفرات تحدث في سلف الحصان القديم )الجنس( فتكون أنواعا جديدة.. وتحدث في الأنواع الجديدة فتكون )تحت أنواع( جديدة… لكن كل ما ينتج من هذه الطفرات سيظل في النهاية حيوانًا ذا صفات حصانية..
_325_
حصانًا أليفًا كان أو حمارًا أو حمارًا وحشيًا أو حصانًا بريًا أو أوراسيًا أو حمارًا أفريقيًا أو هنديًا أو فارسيًا.. وغير مسموح وراثيًا للطفرات التي حدثت في سلف الحصان قديما مهما كانت طفرات كبيرة أن ينتج عنها أي شيء آخر ليس حصانيا.. كلب مثلًا أو فيل.. يعني لن يتعدى الحصان جنسه إلى جنس آخر.. الحصان يبقى حصانًا مهما طال الزمن عليه أو قصر.. مهما حدثت فيه من طفرات.. هذا قانون وراثي.. سلف الكلب.. ستحدث فيه طفرات عديدة وسيتحول إلى كلب استرالي.. ذئب قطبي.. ذئب أفريقي.. ثعلب.. ابن آوى .. لكنه لن يتحول إلى أي شيء آخر ليس كلبيًا.. لن يتعدى جنسه إلى جنس آخر.. هذا جل ما يمكن للطفرات أن تفعله.. لكنها لن تحول سحلية إلى ذئب مثلًا.. القطط لا تنتج كلبا.. ولن تفعل ولو بعد مليون سنة.
قال له “مورجان” باحتجاج:
سيدي لكن نظرية التطور لم تقل أن الحصان تحول إلى فيل.. ولا أن السحلية تحولت إلى ذئب.. إنما قالت أن سلف الحصان وسلف الكلب وسلف القط وسلف الدب.. كلهم جاءوا من سلف الثدييات.. وقالت أن الطيور جاءت من الزواحف.. بينما سلف الثدييات وسلف الزواحف كلهم جاءوا من سلف البرمائيات.. الذي أتى من سلف الأسماك الذي جاء هو وسلف الشوكيات وسلف الشعب المرجانية من سلف واحد وهكذا حتى نصل إلى الجدة لوكا التي خرجت منها جميع الكائنات.
قال “ألكساندر”:
سيدي لقد ضربت مثالا بالحصان لأوضح معنى كلمة الحوض الجيني ولم تتركني أكمل كلامي لأوضح كيف أن هذا القانون يحدد سلطة نظرية التطور تماما.. نظرية التطور تقول أنه في يوم ما، كان هناك فرد من الأسماك تطور إلى حيوان برمائي أصبح هو سلف البرمائيات كلها.. يعني كانت هناك سمكة عادية فقس بيضها ذات يوم فخرج منه كائن ذو صفات برمائية.. كائن هو أبو البرمائيات كلها.. ناتج عن طفرة ما حدثت داخل بيض تلك السمكة.. نظرية التطور تقول أيضا أن واحدا من الزواحف تطور إلى طير أصبح هو سلف الطيور كلها.. يعني يوما ما كان هناك حيوان زاحف باض بيضة خرج منها كائن ذو صفات طايرية كان هو أبا الطيور كلها.. إن هذا ضد قانون الحوض الجيني.. السمكة مهما حدث فيها من طفرات ستظل سمكة.. لن تتجاوز الحوض الجيني الخاص بها إلى الحوض الجيني الخاص بالبرمائيات… يعني لن تنمو لها أو لذريتها يوما قدمان أو شبه
_326_
قدمان تجري بهما على الشاطئ فتصير حيوانًا برمائيا.. والزاحف مهما حدث فيه من طفرات سيظل زاحفا.. لن يتجاوز الحوض الجيني الخاص به إلى الحوض الجيني الخاص بالطيور.. لن تخرج له يوما أجنحة وتتحول حراشفه إلى ريش فيصير طيرا ذات يوم.. لكل جنس من أجناس الكائنات حوض جيني خاص به في هذه الدنيا.. ونحن لدينا مئات الآلاف من الأجناس.. يعني مئات الآلاف من الأحواض الجينية في عالمنا.. كل حوض جيني منها حدثت فيه طفرات كثيرة بالتأكيد فأخرجت داخله مئات الأنواع.. لكن لا تخرج الطفرات من خارج الحوض أبدًا لتدخل في حوض آخر خاص بجنس آخر.. يعني لا يتعدى بعضها على بعض.
وختم الروسي قائل:
الخلاصة أن نظرية التطور بالطفرات والانتخاب الطبيعي يمكن أن تفسر كيف خرجت مئات الأنواع من عباءة الجنس الواحد.. لكنها لا تستطيع أن تفسر كيف أتت الكائنات أسلاف الأجناس نفسها إلى الدنيا.. هذه الأسلاف لم تتطور عن أي شيء قبلها بالطفرات.. لأن الطفرات لا يمكن أن تحول جنسًا إلى جنس آخر.
سار نوع من الهمهمة بين الحضور.. همهمة أناس يتناقشون .. ولكن ضوءًا أحمر قد أضاء في مكان ما وقام له عالم الأحياء البريطاني الشهير “ريتشارد دوكينز” صاحب الشعر الأبيض والوجه الذي يشي بوسامة في شبابه حيث قال:
هذا المأزق الذي وضعت فيه نظرية التطور ليس مأزقا في الواقع.. فالطفرات أنواع.. منها ما لا يخرج من الحوض الجيني فعلًا.. ولكن منها ما يمكن أن يخرج.
قال الروسي:
يستحيل أن يخرج.. هذا قانون وراثي.
قال “آدم”:
هذا الجدال ممنوع.. تحدثوا بأمثلة وتجارب مثبتة.
سكت “دوكنز” والروسي.. ثم قال الروسي بهدوء:
سأحكي الموضوع بطريقة أخرى ليسهل فهمه أكثر.. كل كائن حي في هذه الدنيا فيه جينات محددة معروفة.. كل جين منها يعبر عن صفة من صفات هذا الكائن.. جميل.. الآن التطور يقول أن كائنات أبسط قد تطورت إلى كائنات أكثر تعقيدًا..
_327_
كائنات مائية بسيطة الخلايا فيها جينات بسيطة تصف تركيبها البسيط.. يقولون أنه قد برزت لها ذات يوم خلايا ضوئية بدائية كانت بذرة تطورت بعد ذلك إلى عيون تبصر بها.. هذه الخلايا المائية البسيطة.. كيف أضيفت لها فجأة جينات الخلايا الضوئية؟ الحوض الجيني الخاص بها كان فيه جيناتها هي فقط.. معلوماتها هي فقط.. كيف أضيفت لها جينات جديدة كليا فيها معلومات تصف تركيبا معقدا كالخلايا الضوئية أو العيون ؟ من أين أتت هذه الجينات الجديدة ذات المعلومات الجديدة؟ من الطفرات؟ الطفرات لا تخلق أشياء لم تكن موجودة.. هي فقط تعبث فيما هو موجود مسبقًا.. تعبث بالمعلومات الموجودة مسبقًا فتخرج معلومات مشوهة قد تكون مفيدة أو لا تكون .. لكنها لا تقدر على ابتداع معلومات جديدة.. الطفرات لن تعطي كائنا ما عينا بينما هو في الأصل لا يقدر على الإبصار.. الطفرات لن تخرج يوما أجنحة وريشا لزاحف ذو حراشف يمشي على الأرض ولا يستطيع الطيران.. الطفرات ليست عصا سحرية.
هم “دوكنز” بالكلام لكن الروسي تابع:
الريش يحتاج لجينات جديدة بمعلومات جديدة.. الأجنحة تحتاج إلى جينات جديدة بمعلومات جديدة.. أبسط كائن حي في العالم هو لوكا.. كان يحتوي على 355 جين.. الإنسان يحتوي على 20 ألف جين.. إذا حتى يتطور لوكا عبر الزمن إلى إنسان يجب أن تضاف إليه عبر الزمن جينات جديدة كليًا.. فمن أين له بها؟ من أين له بالمعلومات الجديدة؟ يجب على أهل التطور أن يبحثوا عن شيء آخر غير الطفرات لتفسير تحول بعض الأجناس إلى بعض.. شيء يصلح أن ينتج جينات جديدة من العدم.. جينات تحوي معلومات مفصلة عن التكوين الجديد الذي سيظهر للكائن.. وسأقولها مرة أخرى .. الطفرات أقصى ما تستطيعه هو أن تعبث بالجينات الموجودة.. لا تضيف أي جينات جديدة بمعلومات جديدة.. الطفرات تعمل داخل الحوض الجيني نفسه.. لا تعمل خارجه.
قال “آدم”:
هناك حل لهذه المعضلة.. أن يكون السلف الأول .. الجدة “لوكا”.. فيها كل الجينات الخاصة بكل الكائنات الحية.. حوضها الجيني كان يتسع لكل الكائنات الحية بجميع أطيافها.. وظلت الطفرات تحدث فيها كما يحلو لها.. وفي كل مرة تنتج كائنا جديدا.. نابعا من الحوض الجيني الكبير للجدة “لوكا”.
قال له الروسي:
_328_
هذه فرضية ساقطة طبعًا.. كل كائن في هذه الدنيا فيه الجينات التي تحمل صفاته هو فقط.. الكائن الوحيد الخلية لن تكون فيه جينات تصف زعانف السمكة وعيون الدب وأجنحة الطير ومخ الإنسان.. الكائن الوحيد الخلية لن توجد فيه إلا الجينات التي تصفه خليته الواحدة هذه فقط.. السمكة ليس فيها جينات مخزنة تصف أجنحة الخفاش وصدفة السلحفاة.. السمكة فيها جينات السمكة فقط.. هذه قاعدة جينية.. لذلك لن تجد عالما واحدا يقول بهذه الفرضية.. لأن هذا سيجعل تفسير نشأة الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لهم.. هم يقاتلون في محاولة إثبات أن الجدة “لوكا” بكل تعقيداتها التركيبية قد أتت هكذا من الشيء.. أتريد أن تجعل فيها كل جينات الكائنات الحية أيضًا؟ لن تجد عالما تجريبيًا واحدًا يقول بهذا.. ثم إن هذا افتراض لا دليل عليه.. ونحن هنا لا نقبل الافتراضات في مناقشتنا هذه كما فهمنا منك في البداية.
ضوء جديد أحمر برز هناك وقام له رجل زحف الصلع على مقدمة جبهته.. “هيرمان مولر”.. عالم الوراثة والحاصل على نوبل.. قال لهم:
بغض النظر عن الفرضية الجميلة التي قدمتموها.. وبغض النظر عن قانون الحوض الجيني الذي يضع حدًا صارمًا للتطور.. فلا يجب أن يتعب العلماء أنفسهم في محاولة إثبات أن الطفرات يمكن أن تكون هي سبب التنوع والإبداع والجمال الذي نراه في المخلوقات.. هذا هراء.. الطفرات ما هي إلا أخطاء.. فقط أخطاء عشوائية.. تحدث أثناء عملية نسخ الـ DNA الطبيعية التي تحدث في الخلايا.. لكن الأخطاء هنا نسبتها قليلة جدا.. 1 في كل 10 آلاف نسخة مثلًا.. لأن هناك آلية في الجينات نفسها لتصحيح الأخطاء تلقائيا أثناء النسخ.. آلية غاية في التعقيد والإتقان.. هناك حوالي مليون خطأ ومليون إصلاح في اليوم الواحد.. ورغم هذه الآلية فإن هناك أخطاء قليلة تفلت.. هذه هي الطفرات.. ضارة.. غير محددة.. إفسادية في الأصل.. هادمة.. مزيلة.. تعبث في المادة الوراثية فتغير فيها ما تغير.. ولأنها تحدث في المادة الوراثية فهي تورث إلى الذرية.
سكت “مولر”قليل ثم قال:
لقد أجريت تجاربي على ذبابة الفاكهة أيضًا.. ولاحظت أنه عندما نعرض الذباب لمستويات عالية من أشعة X فإن معدل الطفرات التي تحدث يكون أعلى ب 150 مرة من المعدل العادي.. هذا سمح لي أن أدرس الطفرات بشكل واسع جدًا.. ربيت 900 جيل من أجيال الذباب.. ملايين الطفرات حدثت.. وبعد كل هذا فكل الأجيال التي حصلت عليها كانت أجيالا من الذباب مشوهة..وحوشا..
_329_
غير قادرة على الخروج حتى من وعاء الاختبار.. وإن خرجت فإن مصيرها يكون الموت.. بعد كل هذا لم أحصل على طفرة واحدة مفيدة.. وأنا قد أجريت التجربة مرارًا وتكرارًا لسنوات وسنوات.. ودائما أحصل على نفس النتيجة.. أن الطفرات هي شيء ضار بالأصل.. ولا يستقيم أن يجعلها العلماء آلية للتطور فقط لأنهم لا يجدون أي آلية أخرى.
قال له “دوكينز”:
بل الطفرات يمكن أن تكون مفيدة.. وعندما تكون مفيدة يبقيها الانتخاب الطبيعي ويورثها إلى الذرية.. هناك أمثلة على طفرات مفيدة شهيرة.. ليست فقط مفيدة وإنما أضافت صفات جديدة للكائن لم تكن موجودة فيه.. وهذا يدل على أن الطفرات يمكنها أن تنشئ معلومات جديدة.
قال “آدم”:
يجب أن تتحدث بمثال يا سيدي.
قال “دوكينز”:
حسنا لدينا العديد من الأمثلة على الطفرات المفيدة.. سمكة الكهوف العمياء مثلًا.. عيونها في السابق بسبب ظلام الكهوف كانت معرضة للاصطدام والتأذي بشكل كبير.. لذلك كان مفيدًا لها أن تستبدل هذه العين بنسيج عادي.. حدثت طفرة وأدت إلى تحويل عينها إلى نسيج… فأصبحت سمكة بنسيج معتم بدلا من العيون .. هذه طفرة مفيدة.. أيضا المثال الذي لاحظه داروين.. خنافس جزيرة ماديرا.. لأنها تعيش في جزيرة عاصفة.. فالهواء دائما ما يصطدم بأجنحتها ويرميها إلى البحر.. فعندما تحدث لها طفرة تجعلها بلا أجنحة.. تكون فرصتها في البقاء أكبر.. لدينا أيضًا البكتيريا التي حدثت فيها طفرة فجعلتها مقاومة للمضاد الحيوي .. هنا نرى بزوغ جيل جديد من البكتيريا أشد قوة و بطشا ولا يؤثر فيه المضاد الحيوي .. وغيرهم كثير.
رد عليه “مولر” قائلًا:
هذا يثبت أن الطفرات هادمة كما قلت.. حتى عندما أرادوا أن يأتوا بأمثلة على طفرات مفيدة.. لم يستطيعوا إلا أن يأتوا بأمثلة على طفرات هادمة نتج عن هدمها هذا أشياء مفيدة.. ما حدث في سمكة الكهوف هو تدمير للعين.. وفي حالتها تبين أن هذا التدمير مفيد لها.. الخنافس دمرت الطفرة أجنحتها.. وتبين أن هذا التدمير مفيد لها.. البكتيريا المقاومة للمضاد الحيوي تبين أنها ضحت بالرايبوسوم
_330_
الخاص بها لأن المضاد الحيوي كان يدمرها عن طريق التعلق به.. ضحت به فصارت تعيش بدون رايبوسوم.. فأفلتت من سلطة المضاد الحيوي .. هذه الأمثلة التي ذكرها هي أفضل أمثلة موجودة لدينا على الطفرات المفيدة.. وهي لا تكفي إلا لتفسير التنوع داخل الجنس الواحد.. ليس أكثر من ذلك.. فالسمكة ما زالت سمكة وستظل سمكة.. الخنفسة ما زالت خنفسة والبكتيريا ما زالت بكتيريا من نفس جنسها.. نحن عندما نريد أمثلة على طفرات تضيف معلومات جديدة.. لا نبحث عن تغييرات طفيفة.. بل نبحث عن تغيرات جذرية.. تغيرات يمكنها أن تحول كائنا إلى كائن آخر.. الطفرات لا ينتج عنها مثلًا أعضاء معقدة عجيبة محكمة مثل الخلايا المضيئة في الأسماك المضيئة.. أو خلايا الرصد بالصدى كالسونار في الدولفين.. أو نظام الرادار عند الوطاويط.. أو الخلايا الكهربائية في الأسماك الكهربائية.. أو الخلايا الصبغية المتغيرة التي تجعل الكائن يغير لونه كما في الحرباء.. باختصار.. لو تحدثنا جينيا فالطفرات لا يمكنها أن تزيد عضوا مبتدعا للكائن الحي.. هذا موجود فقط في قصص الكوميكس والخيال العلمي.
قال “دوكينز”:
عندما تنظر إلى البعوضة.. وتجد أنها تمكنت من أن تطور مناعة ضد المبيدات في 40 عامًا فقط.. أليس هذا تطورًا يحدث أمام أعيننا؟
رد “مولر”:
لا.. أليست البعوضة ما زالت بعوضة؟ لم تتحول إلى أي شيء آخر؟
قال “دوكنز” بتحدي:
التطور يحتاج إلى ملايين السنين.. وهي في 40 عاما فقط حدث فيها هذا التغيير.
قال “مولر”:
ليس معنى أن هذه البعوضة تغيرت قليلًا الآن.. أنها بعد مليون سنة ستتحول إلى فيل.. الطفرات لها حد لا تتعداه.. المشكلة ليست في مقدار التغيير الذي يحدث.. بل المشكلة في نوع التغيير.. ونوع التغيير الذي يقدمه التطوريون كله هو النوع المعاكس للنوع الذي يحتاجونه لإثبات نظريتهم.. فهم يستخدمون أمثلة مثل مناعة البكتيريا ومناعة البعوض.. يستخدمونها ليقنعوا العامة بأن الكائنات البسيطة الوحيدة الخلية قد تطورت عبر ملايين السنين لينتج عنها في النهاية
_331_
أمهارًا وأسودًا و أفيالًا وديناصورات.. وأن الميكروب يمكن أن يتحول بطريقة من الطرق إلى إنسان.
ثم قال “مولر”:
على العكس من الأمثلة التي ذكرتها أنت.. 99 % من الطفرات هي طفرات ممرضة.. 99 % بلا مبالغة.. السرطان.. الأنيميا .. الزهايمر.. مرض السكر.. أصحاب الابتلاءات مثل الأطفال المصابين بالبروجيريا الذين يشيخ وجههم ويتجعد.. والمصابين بمرض فرط الشعر الذين يكون الشعر على وجههم كالشعر على رأسهم.. والمصابين بملاتزمة داون .. والمرض الذي أصيب به الرجل الشهير المسمى بالرجل الفيل.. حمى البحر الأبيض المتوسط.. الصداع النصفي.. القزامة.. المهق.. وغيرها كثير جدا.. لا يصح علميا أن نأخذ آلية 99 % من نتائجها هادمة و 1 % هادم مفيد ونعتمدها كآلية لكل التنوعات الرهيبة الدقيقة للكائنات الحية حولنا.. لو كان التفكير بالمنطق حقا.. يفترض لهذه الطفرات أن توجه الركب التطوري ناحية الانتكاس وإلى الانقراض وليس إلى الصعود الشاق والتطور.
ثم قال “مولر” بلهجة من يختم كلامه:
إن هذه المعلومات الجينية التي تنسخ بالملايين دوريا في الـ DNA هي مثل السطور التي تطبعها الآلة الكاتبة مرارا وتكرارا.. الطفرة هي خطأ مطبعي يحدث أثناء النسخ لينتج سطورا مشوهة.. يقولون أن هذه السطور المشوهة هي التي نتج منها كل التنوعات الجميلة في الكائنات الحية التي نراها اليوم.. لكن التشوه لا يصلح لتفسير شيء إلا الموت.. لا يصلح لتفسير الجمال والحياة.
قال “دوكنز” وكأن كل ما قيل لا يعنيه: هناك نوع من أنواع الطفرات يدعى مضاعفة الجينات Gene Duplication يتضاعف فيه حجم الـ DNA .. ها هو مثال حي بسيط على طفرات تنش ئ جينات جديدة.
قال له “مولر”:
هذا ليس إضافة جين جديد.. هذا نسخ جين موجود مسبقا.. الجين كان اسمه X مثلا فصار XX .. مثلما تلصق نسختين متماثلتين من كتاب بعضهما بجانب بعض… أنت لم تنشئ كتابا جديدا فيه معلومات جديدة.. بل هو نفس الكتاب والمعلومات لكنها مكررة.. وكذا بقية آليات الطفرات المعروفة كلها لا
_332_
تنشئ أي معلومات جديدة.. كلها تعديل في المعلومات الحالية.. أيا كان نوع هذا التعديل.. بعض الطفرات استبدالية.. تستبدل أماكن الحروف المكتوبة.. وبعضها تقص جزءًا من جين وجزءًا من جين آخر وتضيف الجزءين بعضهما إلى بعض فيصير جينًا جديدًا.. لكن المعلومات التي فيه هي نفس المعلومات الموجودة مسبقا في الجينين القديمين. لم تضف معلومات جديدة.. بعضها يدمج جينا موجودا بجين موجود آخر.. أيضا لم تأت بجديد.. هذا هو أقصى ما تستطيعه..العبث.
قال “دوكينز”:
أنت تقول أن الطفرات بسبب طبيعتها الهادمة وبسبب قانون الوعاء الجيني لا يمكنها أن تفسر تطور الجنس إلى جنس آخر.. وأقصى ما تستطيع تفسيره هو تطور الكائن الذي يمثل سلف الجنس إلى كل التنوعات التي حدثت بعده داخل الجنس.. وأنا عندي سؤال لك.. هذه الكائنات التي تمثل سلف كل جنس.. من أين أتت بالضبط؟ لو لم تكن تطورت بعضها من بعض؟
قال “مولر”:
أنت تسأل عن أصل الأسلاف.. وكيف نزل هؤلاء الأسلاف إلى الدنيا.. لو علمنا أن لدينا تقريبا 1000 جنس من الأسماك.. و 500 جنس من البرمائيات.. و 1100 جنس من الزواحف.. و 1800 جنس من الطيور.. و 1200 جنس من الثدييات.. هذه 5600 جنس من الفقاريات وحدها.. 5600 سلف استعمروا البر والبحر يوما ما.. حدث فيهم طفرات وانتخاب طبيعي للأصلح حتى أصبح في الفقاريات الآن حوالي 70 ألف نوع.. نعم يمكن للتطور أن يفسر تنوع الـ 5600 هؤلاء إلى أحفادهم الـ 70 ألف.. بالطفرات والانتخاب الطبيعي.. لكن كيف جاء الـ 5600هؤلاء إلى الأرض واستعمروها؟ لم يتوصل العلم إلى هذا بعد.. واحد من هؤلاء الـ 5600 هو الإنسان الذي عندما نزل أصبح سيد الكائنات جميعا واستعمر الأرض والبحر والجو.. كيف أتى؟ لم يعرف العلم حقيقة هذا بعد.. لاحظ أنني تحدثت فقط عن الفقاريات الآن.. لم أتحدث عن ال 150 ألف جنس من أجناس الحشرات التي أصبحت حاليا حوالي مليون نوع حشرات.. ولم أتحدث عن مملكة النبات ولا مملكة البكتيريا أو مملكة الطحالب أو مملكة الفطريات.. مئات الآلاف من الأجناس لا ندري من أين جاءت إلى الدنيا.. هل خلقها الله؟ بعض العلماء يؤمنون بهذا.. اسمهم الخلقيون وهم ضد التطوريين دائما.
قال “آدم”:
_333_
بعض العلماء الخلقيين أجدهم يحاولون التوفيق بين التطور والخلق.. فيقولون أن الطفرات رغم أن طبيعتها هادمة في الأصل وعشوائية.. فإن عناية الله هي من تتحكم بها وتوجهها لتخرج لنا كل التنوع والجمال في الكائنات الحية.. يسمونها الطفرات الموجهة.. موجهة من قبل الله.. ويقولون أنها طريقة الله في الخلق.. فهو خلق الجدة “لوكا” ووضع فيها كل جينات الكائنات الحية.. وتكفلت العناية الإلهية بتوجيه تلك الطفرات ناحية إنتاج مخلوقات جديدة متنوعة.. وبهذا جاءت كل هذه الأجناس.. ونتج عنها بعد ذلك بالطفرات الموجهة أيضا كل ما تلاها من أنواع… ولم تسمح العناية الإلهية لأي كائنات انتقالية مشوهة أن تتكون .
قال “مولر”:
المجتمع العلمي يرفض إدخال العناية الإلهية في أي شيء.. يؤمنون أن هذا ضد العلم.
قال “آدم”:
لكنهم يوافقون على الصدفة والعبثية مع شدة استحالتها.. أليس الإيمان بالعناية الإلهية أكثر منطقية؟
قال “مولر”:
هذا هو توجه المجتمع العلمي في العصر الحديث.. ولكن فرضيتك هذه ساقطة جينيا وعلميا.. لا يوجد كائن يحمل داخله معلومات كائن آخر.. ونحن لا نقبل الفرضيات في هذه المناقشة خصوصا لو كانت ساقطة.
قال له “آدم”:
طالما لا يوجد دليل على حدوث تطور بعض الأجناس إلى بعض إذ فهو شيء خيالي غير موجود.
قال “دوكنز”:
هناك دليل طبعا.. بل أدلة كثيرة.. هل نسيت الأحافير؟ عشرات الأحافير تملأ السجل الأحفوري.. ليست أحافير لكائنات عادية.. بل أحافير لكائنات انتقالية متوسطة بين الطوائف.. تدل بما لا شك فيه على أن التطور حقيقة مثل الشمس التي في كبد السماء.
أطرق “آدم” برأسه مفكرا وهو يقول :
_334_
الحفريات نعم.. الحفريات التي لا شك فيها.. هذا دليل جميل.. فليكن.. بمناسبة الحفريات.. أرى أن الهولوجرام قد حضر لنا مفاجأة.. لكننا سنشهد هذه المفاجأة بعد استراحة قصيرة.. وتأكد أن المفاجأة ستجيب عن سؤالك هذا كاملًا.
نظرنا بين العلماء نبحث عن سكوربيون لكننا لم نجده.. فتوجهنا إلى تلك الغرفة الملحقة.. فوجدناه جالسًا هناك.. كان يدخن.. وسحب الدخان قد ملأت الغرفة.. فتوجهت لأفتح النافذة التي كانت تطل على أجمل منظر طبيعي يمكنك أن تراه.. سرح بصري في المنظر قليلًا بينما كنت أنت تحدث سكوربيون ورائي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق