قصص

رواية أرض السافلين …..الجزء الثاني

العالم الأول
_21_
بوابة صرحها من الذهب والفضة والمرجان.. والدم.. لا تدري ما دخل الدم.. لكنه يسيل عليها وعلى الأرض التي تحتها.. دم كثيف أحمر متألم.. تعال اقترب معي ولا تتألم.. أعلم أنك هش في طور الروح.
صوت خافت بعيد أتانا من الداخل كأنّه نعيق بومة تغني.. كيف تغني البومة؟ لا تشغل بالك واقترب بروحك أكثر، هناك خفافيش ترفرف فوق البوابة مصدرة صوت الرفرفرة المقبض، لا تتراجع هكذا من البداية فما زلنا عند البوابة.
بدأنا نمشي ناحيتها بحذر.. سمعنا أصوات صخب نساء خافتة نوعا ما.. و فتحت البوابة ببطء ، وأخذ صخب النساء يتعالى.
هلم بنا أيتها الروح ندخل.. إلى أول أرض من أراضي السافلين.. نساء.. دماء.. صخب اتضح فيما بعد أنه تأوهات.. إنها الدعارة.. وهذه أرضها.. وهذه بوابتها.
استقبلتنا عند الباب فتاتان.. إحداهما ترتدي رداءً أحمر وتغني بصوت البومة.. والثانية تتلوى على غناء صاحبتها في ثياب سوداء تبدي من جسدها أكثر مما تخفي.. إنهما من جنيات الدعارة المقدسة في الدين اليهودي، ولأنّ منظرهما كان ملفتا جدًا فلقد شغلتا أبصارنا دقائق نتأمل فيهما عند البوابة.
أنت لا تدري أشرٌ تريدان بك أم غير ذلك؟ لكن اطمئن.. إنهما بك مرحبتين وبقدومك مستبشرتين، تقدم أيها الروح ولا تعر هذه الغرائب اليهودية اهتماما؛ فهي غير موجودة إلا في مخيلات اليهود المريضة الذين يبدو أن لديهم ميل عجيبا في كتبهم لوصف الشياطين وأحوالهم.
فور أن دخلنا عرفنا سبب صخب النساء الذي كنا نسمعه.. كانت هناك نساء كثيرات وفتيات رافعات رؤوسهن في عزة وكبرياء.. يمسكن مظلات حمراء ويمشين في مسيرة ضخمة ويرسمن على وجوههن الحزم.. نحن في مدينة أوروبية كما يبدو من الأبنية حولنا، لم نفهم شيئا في البداية.. حتى نظرنا إلى بعض اللافتات التي يحملنها. هناك عبارة هامة تتكرر بخط أحمر سميك في معظم اللافتات.. اليوم العالمي لإنهاء العنف ضد العاهرات.. انتبه يا هذا فالمسيرة تتجه نحونا.. تنح جانبا.
فجأة تقدمت منا إحدى المشاركات في المسيرة بحماس ومدت يدها لنا بمظلة.. خذ المظلة منها.. خذها ولا تناقش، ولنمش معهن في المسيرة..
_22_
أصبحنا نمشي في مسيرة للعاهرات.. عاهرات عن يميننا.. وعن شمالنا عاهرات.. بعضهن يرتدين أقنعة بيضاء أو حمراء لإخفاء هويتهن.. تنظر إليهن في دهشة.. هذه مسيرة عالمية تقام في السابع عشر من ديسمبر من كل عام في بعض الدول الأوروبية لأجل عاهرات الشوارع اللتي يتعرضن للعنف والاغتصاب من الناس والعصابات ورجال الشرطة.. ألسن فئة من فئات المجتمع؟ ألسن بشرًا؟ أم أنك تشجع ضرب العاهرة واغتصابها وقتلها وحرقها فقط لأنها عاهرة؟ هيا ارفع مظلتك وامش معنا ودافع عن العاهرات الآن.
بمناسبة قتل العاهرات، كان هناك شيء ما يفرق المسيرة من الأمام.. توقفت المسيرة وبدأت العاهرات يصرخن ويجرين في كل مكان.. تطاولنا قليلًا لننظر.. فإذا رجل قوي الجسم ذو شارب بني كثيف، يرتدي نظارة كبيرة الحجم مستفزة ويجري وراء العاهرات.. ألا يكفي أنكن عاهرات تخليتن عن أنوثتكن واحترامكن وكشفتن عن سيقانكن ونزلتن إلى الشارع وسط أقذر فئات المجتمع ثم حين تتعرضن للعنف تملأن الدنيا ضجيجًا يا عاهرات؟! دعني أعرفك: هذا “جاري ريدجواي” .. قاتل متسلسل متخصص في قتل العاهرات.. قتل في حياته حوالي مائة عاهرة، نسيت أن أخبرك أن أحد مراسم هذه المسيرة التي نمشي فيها هي تخليد ذكرى العاهرات اللتي قتلهن الأخ “جاري”، لكن يبدو أن “جاري” قد حضر بشاربه هنا.. ويبدو أن المسيرة قد تفرقت، ويبدو أنه يجب نحن أيضًا أن نركض. اركض يا صديقي اركض.. اتجه إلى أي اتجاه تراه مناسبًا..
ركضنا حتى اختفت صرخاتهن من مسامعنا.. هذا المكان يبدو هادئًا نو عًا ما.. ميدان أنيق وسط أبنية من الطراز الأوروبي.. دعنا نلتقط أنفاسنا قليل هاهنا.. نحن في أمستردام كما يبدو.. هل ترى ذلك التمثال؟ إنه تمثال عاهرة.. لو نظرت إلى العبارة المكتوبة أسفله سترى مكتوبًا بخط فاخر: “هذا لتكريم العاهرات في جميع أنحاء العالم” .. إن تمثال العاهرة هذا هو من أشهر معالم مدينة أمستردام الهولندية؛ فالدعارة في هذه الدولة مرخصة والعاهرات هنا مكرمات. لا تجزع هكذا؛ فالدعارة محرمة في كل دول العالم تقريبًا ما عدا هولندا وألمانيا والسويد وال…
صرخة عالية هزت الأرجاء.. هزتها لدرجة أن الرؤية لم تعد واضحة، وأصبحنا نرى الأجواء كأنما يراها شخص خلع نظارته.. انظر هناك: الرؤية تتضح شيئا فشيئًا.. هل ترى ما أراه؟
_23_
صاحب الصرخة .. إنه “أنتيخريستوس” ذلك الكيان الذي يمشي هناك.. هو كما وصفه الإنجيل بالضبط.. وحش له سبعة رؤوس.. وعشرة قرون يمشي بتؤدة غير ناظر إلى جهتنا.. يمشي ويصرخ.. ما الذي أتى به إلى أمستردام؟ ومن هذه التي تركب على ظهره؟ امرأة فاتنة ترتدي زيًا بنفسجيًا مرصعًا بالذهب والماسات الكريمات.. موصوفة هي أيضًا في الإنجيل لو تذكر.. عاهرة بابل.. أم العاهرات والخبيثات في الأرض.. تمسك بكأس مليء بنجاسات وخطيئات البشر.. تشرب من يقين وتبتسم بسخرية دم الصالحين والصدّيقين .. لكن لماذا تمتطي هذه العاهرة أنتيخريستوس؟
دعك من هذا الآن.. ربما لو قرأت الإنجيل وشرحه ستفهم. تعال الآن نهرب إلى ذلك الزقاق هناك.. هذه مساحة لا يمكن لوحش كهذا أن يدخل وراءنا فيها.. لقد بدأت أتشتت نفسيًا في هذا العالم المتداخل.. هذا الزقاق يبدو قذرًا جدًا يا صديقي.. هل أنت متأكد أننا في أمستردام؟ بدأنا نشم روائح تبدو كروائح أطعمة شعوب شرق آسيا.. وسمعنا ضجة زحام تأتي من نهاية الزقاق.. تقدمنا إلى هناك فوجدنا أنفسنا في شارع رئيسي مزدحم مليء بالناس.. أخذنا نمشي ببطء.. ننظر حولنا ونتلفت.. يبدو أننا قد انتقلنا إلى مدينة أخرى تماما.. تذكر أن هذا عادي في طور الروح.. لقد انتقلنا إلى أقصى الأرض.. إلى “بنوم بن” .. عاصمة ” كمبوديا ” .
لسنا في مكان عادي في “بنوم بن”.. نحن في منطقة الضوء الأحمر في المدينة أو ال Redlight District .. وكل مدينة في العالم فيها منطقة ضوء أحمر.. وهي المنطقة من المدينة التي تتركز فيها عاهرات الشوارع والبارات الجنسية ومحلت المساج الجنسية.. هذه المحال غالبًا ما تستخدم في لوحاتها أضواء حمراء مما يظهر المنطقة لمن يراها من بعيد وكأنها تشع نورا أحمر.. نور الرذيلة.
نحن في منطقة الرذيلة في “بنوم بن”.. ولو كانت هذه هي أول منطقة رذيلة تراها في حياتك فلا تحكم أبدًا.. إن مناطق الضوء الأحمر في أوروبا وأمريكا شيء وهنا شيء آخر.. كل شيء هنا متهالك وقذر وهناك رائحة لا تدري ما هي في الهواء.. هناك عاهرات آسيويات نحيلت يقفن في كل مكان.. ورجال معظمهم أجانب أتوا إلى هنا لممارسة الجنس معهن.. أضاء ليزر أخضر في وجهك فجأة فنظرت ناحية مصدره لتجد عاهرات يرقصن في إغواء في شباك أحد المباني ويصوبن إليك قلم الليزر.. إنها تريدك أنت من بين كل المارين.. تنظر إليها ثم إلى الليزر على صدرك في بلهة فتأتيك خيالات زهو عن مدى جاذبيتك.. تحرك هيا و لا تكن أبله.
_24_
أنت لا تدري كم عاهرة رأيت حتى الآن بينما نمشي.. يأتيك شعور غريب بعد أن ترى هذا العدد المهول من العاهرات.. تشعر فجأة بأن كل نساء الأرض قد يصبحن عاهرات فقط لو أُعطين الفرصة .. هذه مشكلة مناطق الدعارة وبيوت الدعارة وأفلام الدعارة، أنها تزرع فيك هذا الشعور.. لكن دعنا نتفق على شيء، العاهرة الواحدة يأتيها عدد كبير من الزناة، فلو أن عدد العاهرات في العالم هو كذا فعدد الزناة هو على الأقل عشرة أضعاف هذا العدد؛ فالرجال هم الأكثر عهرا.
أتفهم نظراتك المندهشة وأنت تمشي في هذا الشارع الأحمر فما زلت غضًا يا صديقي.. محلات المساج التي تعدُ بخدمة كاملة ونهاية سعيدة منتشرة في كل مكان.. إن الدعارة محرمة في كمبوديا بالمناسبة.. لذلك ليست هناك بيوت دعارة بشكل رسمي صريح، إنما هناك بارات وفتيات داخل البارات وغرف.. وصاحب البار ليس مسؤولا عن ذكر أعجب بأنثى في البار فقرر أن يدخل معها إلى إحدى الغرف.. كذلك صاحب محل المساج ليس مسؤولا عن أن ترتدي الفتاة التي تدلكك ملابسها أو لا ترتديها.. ليس مسؤولًا عن كونك ضعيف الإرادة أمام فتاة تدلكك ولا يرتدي أي منكما ملبسه.. حقًا تضحكني قوانين تحريم الدعارة في تلك البلاد.
دع عنك الشارع الرئيسي وتعال ندخل إلى ذلك الزقاق هناك.. هذه الأزقة حقيرة جدًا.. تتقارب جدرانها حتى لتطبق على نفسك ذاتها.. حتى وأنت في طور الروح تشعر بضيقها.. الآن توقف هنا ودعنا نصعد لهذا المبنى.. تحديدًا إلى الدور الثاني منه.. حيث يعيش جماعة من السافلين في بيت دعارة.. ولا بد أن نكرمهم بالزيارة.
***
طرقنا الباب ففتحت لنا امرأة في منتصف العمر.. هل تصدق كمية المكياج الذي تضعه هذه المرأة؟ من الواضح أنها القوّادة هنا.. وعلى عادة عالم الأرواح لا وجود للمجاملات والإطراءات.. أدخلتنا المرأة بلا كلام.. ومشينا وراءها حتى اقتربنا من إحدى الغرف، هناك قوة روحية عالية في هذه الغرفة جعلت الأجواء تهتز قليلا.. فتحت القوادة باب الغرفة بلا استئذان.. هناك فتاة جالسة على سرير مزدوج.. الغرفة أحقر من أن أصفها.. رفعت الفتاة رأسها ونظرت إلينا، كانت في العشرينات من عمرها، ترتدي ثو بًا مكشوفًا وتضع الكثير من المكياج.. ابتسمت لك واهتزت الأجواء لابتسامتها بعنف.. وظلت تهتز حتى بدأت تتلشى الموجودات
_25_
حولنا وتتكون موجودات أخرى .. نحن ندخل إلى روح الفتاة، ولمَّا دخلنا رأينا من حديث روحها عجبًا.
تقول روح الفتاة النحيلة:
لا تظن أن ابتسامتي لك هذه حقيقية أو حتى نصف حقيقية، فحتى أبتسم لك هذه الابتسامة مررت بقصة لا أدري كيف مررت بها، لكن هأنذه عاهرة.. مبتسمة.. وكلما أتيت وجدتني هكذا.. حتى تمل مني وتذهب لتجرب عاهرة أخرى .. لقد أتيت لتسمع قصتي.. قصتي التي عرفت فيما بعد أنها ليست قصة نادرة.. إن هناك الملايين منا.. عاهرات.. مبتسمات.. وهبنا حياتنا من أجل متعتك فيما يبدو.. تعال اقترب مني أيها الروح وادخل إلى مجال عطري واستمع.. وابحث معي عن الخطأ الذي فعلته في حياتي حتى أصير عاهرة.. مبتسمة.
وسط غابات السافانا كنت أركض في دوائر بقدمي الصغيرتين، وشعري المربوط ضفيرتين وعمري الذي لا يتجاوز العاشرة.. أنا أحب عمل حركة الدوائر هذه بين الحشائش الطويلة.. هل تحب عملها أنت أيضًا؟ لست أعرف لنفسي إسمًا.. أنا من سميت نفسي بنفسي.. فكل الأسماء التي سموني بها في حياتي كريهة لا تعجبني.. ذات مرة رآني رجل طيب وأنا ألعب فقال لي أنت “سومالي”.. “سومالي مام”.. ومعناه في لغتنا الكمبودية، قلادة الزهور الضائعة في الغابة البكر.. ارتضيته لنفسي اسمًا لأني رأيتني فيه..أذكر أني لما سمعته أول مرة فرحت وكنت أقفز هنا وهناك وأنا أتغنى به بصوت عال .
أبي.. أمي.. أهلي.. لا أعرفهم.. صغيرة كنت حينما تركوني في قريتنا “بوسرا”، وهي قرية قوامها عشرة أكواخ من القش.. كل كوخ تعيش فيه عائلة صغيرة، أنام عند أي منهم وآكل عند أي منهم.
ذات ليلة أخذني رجل طيب من القرية اسمه “تامان” وجعل لي مكانًا في بيته.. كان طيبًا جدًا، وزوجته جميلة وطيبة جدًا معي.. ما زلت أذكر شعرها الطويل الذي كانت تعقده خلف رأسها.. كانت حنونة على أطفالها.. كنت أنظر لها ويحزن قلبي.. لماذا أنا بلا أم؟ لماذا أحاول أن أتذكر شكل أمي فأفشل؟ ويصور لي خيالي شكل وهميًا لها، لماذا أذهب إلى ناحية الأشجار كل حين وأنادي على أمي؟ لقد قالوا لي إن الأشجار تعرف كل شيء.. لكن الأشجار لم تكن ترد علي إذا سألتها.. هذه الأشجار لا تعرف أين هي أمي.
قال لي الرجل الطيب “تامان”: لا يجب عليك أن تبحثي في الماضي.. لا يجب عليك أن تجرحي نفسك .
_26_
في يوم من أيام الشتاء أتاني “تامان” وقال أنه سيعرفني على رجل عجوز.. قال يا “سومالي” إنه من نفس البلدة التي ولد فيها أبوك.. هذا العجوز سيوصلك إلى والديك.. أذكر ذلك اليوم الذي ألبستني فيه زوجة “تامان” فستا نًا أحمرَ وقلدة خشبية جميلة.. وأمسكت يدي الصغيرة يدَ ذلك الرجل العجوز وأنا أنظر له بسعادة.. لم أكن أعلم أنه في ذلك اليوم تحديدًا، باعني “تامان” للرجل العجوز.. باعني له كجارية.. ما زلت أذكر ابتسامتي وأنا أنظر إلى “تامان” وزوجته وأتعلق بيد ذلك العجوز وأضحك. هكذا الأطفال دائمًا يصدقونك.. ويتعلقون بك.. ولو قفزت في اليم سيقفزون خلفك.. في ذلك اليوم أخذني العجوز الذي اشتراني ومشى بي ومشى.. حتى ابتعد بي عن كل شيء أعرفه.
***
تبدلت بنا الأرض غير الأرض..
لم تعد هناك “سومالي مام”.. ولا “تامان”.. لا عليك فسرعان ما سنعود إليهما.. تذكر أن هذه الأمور تحدث في عالم الأرواح كثيرًا.. لا قواعد هنا تتحكم بانتقالك لأي مشهد.. تذكر هذا جيدًا حتى تعتاد عليه ولا تتفاجأ.. مرن نفسك على هذا، ستعتاد هذا.. وستحب هذا.
ها نحن الآن قد انتقلنا إلى مكان آخر تمامًا وأجواء أخرى .. أصبحنا في الشارع ” E-55 ” بالقرب من الحدود الألمانية في جمهورية التشيك.. هنا يستريح سائق و الشاحنات الذين يأتون ويروحون كل يوم على طريق “برلين – براغ” .. يختارونه بالذات لأن هذا الشارع تحتشد فيه كل يوم على مدار الساعة أكثر من ثلاثمائة عاهرة في صف واحد بانتظار فقط أن يختارهن أحد.. فبعد أن يستمتع سائق الشاحنة بالبطاطس المقلية الرخيصة يمكنه أن يستمتع بإحدى هؤلاء العاهرات لنصف ساعة بسعر رخيص؛ لذا يدعى هذا الشارع “شارع الحب الرخيص” أو Highway of Cheap Love .. أطول بيت دعارة في العالم.. ها نحن الآن نجلس أنا وأنت على مقاعد أحد المقاهي في هذا الشارع وأمامنا على الطاولة بعض البطاطس المقلية.. وحولنا عاهرات.. وسائقو شاحنات.. والكل يبدو في غاية الاستمتاع.
كانت هناك شاشة كبيرة تعرض برنامجًا ما يحظى باهتمام بعض رواد المقهى.. شاهدنا معهم البرنامج.. كان يعرض مؤتمرًا ما.. فيه نساء جالسات يتحدثن في أمر ما يبدو بالنظر إلى وجوههن أنه كارثي.. ومكتوب أسفل الشاشة بالخط العريض “المنظمة العالمية لحقوق العاهرات ” أو International Committee for Prostitutes’ Rights نساء كبيرات وصغيرات..كانت إحداهن تقول :
_27_
“عاهرة”.. اسم يحتقرنا به المجتمع، إسم ظالم.. إنما نحن عاملات في مجال الجنس Sex Workers .. هذا هو المسمى الصحيح الذي يليق بنا.. نحن موظفات في “بزنس” الجنس مثل أية عاملات في أي مجال آخر.. ولا بد أن تكون لنا حقوق مثل أية عاملة في أي مجال آخر.. مهنة في بطاقتنا الشخصية.. تأمين صحي شامل.. هيئة أو نقابة تحمينا أمام القضاء ضد العنف والاحتقار الذي يمارس ضدنا.
عرضت الكاميرا شخصا جالسا معهن في المؤتمر يرتدي طاقية سوداء وينحدر شعره الطويل من وراءها ويبدو وجهه النحيل المتجهم أسفلها.. كان الرجل يكره العاهرات وذا باع شهير في قتلهن ورميهن في صناديق القمامة.. قال لهن بهدوء مريب:
حتى لو أصبح لكن حقوق وتأمينات ومسميات وهيئات.. فأنتن في النهاية عاهرات.. لا فائدة لكن في المجتمع سوى أن يحتك بكن رجل نجس لبضع دقائق ثم يرمي لكن بعض النقود ويمضي لحاله.. دعننا نكون صريحين أمام المجتمع، هناك طبيبة.. وهناك عاهرة.
فصلنا قليل عن مشاهدة البرنامج المثير رجل جالس بجانبنا في المقهى.. كان يقرأ في جريدة.. عجوزًا كان ذا لحية بيضاء كثيفة وشعر طويل أبيض كثيف.. ألم تعرفه؟ إنه “كارل ماركس”.. رجل عجوز لا يعترف بدين ولا ملة.. لا يعترف سوى بالماديات فقط.. لكنه غير أفكار جزء كبير من العالم.. قال لنا فجأة بقرف:
العاهرات هن نتيجة طبيعية للرأسمالية العفنة المتوحشة.. لا بد أن ينتهين عن هذا العهر.. أنا أميل لرأي جاك السفاح في هذا المؤتمر.
نظرنا مرة أخرى إلى الشاشة بذعر.. هذا الرجل الهادئ ذو الطاقية في المؤتمر هو جاك السفاح؟!
اهتزت الأجواء مرة أخرى بعنف شديد هذه المرة وعدنا مرة أخرى إلى “كمبوديا”.. حيث تجلس تلك الآسيوية النحيلة بمكياجها الأبيض تحكي.
***
تقول “سومالي مام”: مشيت أنا والعجوز الغريب بعيدًا عن كل شيء أعرفه.. كنت أنظر له من آن لآخر بسعادة وأمل.. مشينا حتى وصلنا لمجموعة من الناس
_28_
واقفين بجوار شاحنة كبيرة.. خفت جدًا لما رأيت الشاحنة وسمعت هديرها وأنا التي لم أرَ في حياتي حتى دراجة.. تراجعت بخوف.. وللمرة الأولى رفع العجوز يده وأنزلها بسرعة وشدة على وجهي في ضربة قاسية جدًا.. لم يضربني أحد من قبل.. كانت هذه هي أول مرة.. وقعت على الأرض في دهشة وألم.. لأجد العجوز يرفعني من على الأرض ويرميني رميًا في الشاحنة.. ويغلق عليّ الباب.
ظلامًا من فوقه ظلام كانت الشاحنة.. وظلامًا كانت حياتي بعد ذلك.. نزلنا من الشاحنة وركبنا سيارة صغيرة مرت بنا عبر المدينة.. كانت المرة الأولى التي أرى فيها أي مدينة.. رأيت سيارات.. ودراجات نارية.. ومطاعم.. وأناس بشرتهم فاتحة يرتدون ملابسًا ملونة.. ورأيت مجموعة من الفتيات يمشين معًا في زي مدرسي موحد أبيض.. أعجبني منظرهن.. ظننتهن ملائكة.. لم أكن أدري ما هي المدرسة أصلا.
مشينا في أرجاء المدينة حتى وصلنا إلى قرية الرجل العجوز.. دخلت بيته، كان يعيش وحيدًا.
فهمت أن عليّ أن أنظف البيت وأطبخ وأملأ الماء من النهر كل يوم.. لقد اشتراني ذلك الرجل كخادمته المحلية.. كان هذا معتادًا جدًا في “كمبوديا”.
كان العجوز يشرب كل ليلة ويلعب القمار كثيرًا.. وفي الليلة التي لا يجد فيها شرابًا كانت عيناه تبرزان ويمسك عصا البامبو ويضربني بقسوة شديدة.. كانت تلك العصا تؤذي جلدي الصغير.. وكان السطلان اللذين أملأهما بالماء وأحملهما كل صباح يؤذيان كتفي الصغير.. كنت أتعثر عدة مرات وأنا أحملهما و تجرح قدماي.. وكلما رآني العجوز قال أنني سبب حظه السيئ.. لأن أعماله كلها بدأت تفشل مذ أن اشتراني.
كان يضربني إذا غسلت الصحون قبل أن أملأ الماء لأنه لا يجد ماء للشرب.. ويضربني لو ملأت الماء قبل أن أغسل الصحون لأن الصحون قذرة.. لمَّا كان يغضب كنت أحاول ألا أتنفس حتى لا يلاحظني.. كان يظل في البيت ولا يعمل أي شيء على الإطلق إلا القمار، ويترك لي أنا ملء الماء له ولبيوت كثيرة من حولنا حتى أجمع له بعض المال.
***
مرة أخرى طافت بنا الدنيا طوفًا عجيبًا ووجدنا أنفسنا قد انتقلنا إلى مكان بعيد تمامًا عن كل ما هو آسيوي .. انتقلنا إلى شارع أوروبي راقٍ جدًا.. وبخطوات
_29_
حذرة مشينا فيه منتظرين المشهد التالي.. إنها منطقة الضوء الأحمر في أمستردام.. أشهر وأرقى شارع دعارة في العالم.. هنا الدعارة مصرحة.. محلت الدعارة هنا تقول لك مرحبًا أنا محل دعارة.. نوافذ هذه المحلات و”الفاترينات” تتمايل بداخلها عاهرات يعرضن ما لديهن بطريقة مغرية وينظرن لنا مشيرات بأيديهن داعيات لنا أن نأتي وتدخل.. هنا الدعارة المرخصة يا صديقي.
أنا أسمع صوت المؤتمر.. لكن أين هو التلفزيون؟ نظرنا حولنا ولم نجده.. ثم نظرنا في الأفق.. المشهد عجيب نوعًا ما لكنه ليس غريبًا على عالم الأرواح.. هناك شاشات في الأفق مثبتة في زوايا السماء تعرض ذلك البرنامج بينما نحن نمشي في شارع الدعارة المرخصة، وها هو جاك السفاح جالسًا بطاقيته في المؤتمر بوجهه النحيل المخيف.. كانت هناك امرأة تقول :
قل لي أيها الغريب.. لماذا يجرمون الدعارة؟ ما الضرر في أن تعمل المرأة بها وتكسب نقودًا من جسدها.. هي تستمتع والرجل يستمتع.. الطرفان يستمتعان.. ما المشكلة إذا ؟
رد جاك السفاح: <
قالت إحدى الفتيات:
فليكن.. لكن يجب أن تعرف أن الدعارة هذه مشكلة موجودة في المجتمع، شئنا ذلك أم أبينا.. وكل ما نريد أن نفعله نحن هو أن نحافظ على هذه الفئة من المجتمع من الأذى.. فليس معنى أنهن خاطئات أن نجيز عليهن الأذى والقتل والاغتصاب.. بل يجب أن نحميهن لو حدث ضدهن إجرام.. حتى نكون دولة محترمة.
_30_
بدأ يحدث بعض التشويش في الشاشة وجاك السفاح يرد:
لو أنها دولة محترمة فعلا، فحتى تحمي بناتها من هذا الطريق القذر ليس عليها أن تسمح بالدعارة ثم تحمي البنات منها، هذا غباء.. بل يجب أن تمنع العهر منعًا كاملًا شاملًا.. منعًا يمنع التحايل عليه. لكن دعيني أقول لك أمرًا.. إن الحكومات ليست غبية لتحارب العهر.. فالعاهرات يجذبن المزيد من السياح الأجانب ذوي المحافظ الممتلئة والرغبات الجنسية الجامحة.. دعي الفتيات يتعرضن لخطر الاغتصاب أو الضرب أو حتى القتل.. لا يهم كثيرًا.. ما فائدتهن للدولة أصلا؟ على الأقل هن الآن يخدمن دولتهن.. ويزدن السياحة فيها.. إن اقتصاد بعض بلد شرق آسيا يعتمد اعتمادًا رئيسيًا على عَرَق بناتها.. حتى أمستردام ومنطقة الضوء الأحمر فيها.. يأتيها السياح من كل مكان.
زاد التشويش في جميع الشاشات وتبدلت الصورة فيها لتظهر صورة “سومالي مام”.. إن “سومالي مام” تنظر إلينا من الشاشات جميعها.. نظرت إلينا نظرة خاوية ثم قررت أن تكمل حكايتها.. أرى بعض المارة في الشارع قد لفت انتباههم هذا التشويش وبدأوا ينظرون كلهم إلى أعلى لمتابعة قصة “سومالي”.. نتمنى ألا تنقطع بنا القصة هذه المرة.
***
نظرت “سومالي” إلى المتابعين وقالت:
بدأت أكبر في السن.. وبدأ العجوز يتسلل إلى غرفتي ليل ويضع يده علي.. عندها كنت أركض خارج المنزل وأنام عند الأشجار وأشتكي لها.. وذات مرة أرسلني العجوز إلى التاجر الصيني في القرية لأشتري من عنده زيتًا للمصباح.. كان التاجر الصيني رجل له وضعه في القرية.. غني.. يقرض معظم سكان القرية نقودًا بفوائد كبيرة.. وكنت معتادة أن أشتري من عنده أغراضًا للعجوز كل حين.
ذهبت للتاجر.. أعطاني بعض الحلوى وأدخلني لبيته.. لم تكن زوجته موجودة ليلتها.. قال لي أن أتبعه إلى البدروم فتبعته.. دخل إلى البدروم ثم استدار فجأة إلى ناحيتي.. لم يكن ينوي خيرًا.. كان يشمر كميه.. ثم يفك حزامه.. لم أفهم ما علقة هذا بزيت المصباح؟ لكني فهمت بعد ذلك.
حينما تكون صغيرًا في الرابعة عشرة ويتوجه إليك أحدهم لاغتصابك جنسيًا أنت سترى في عينه نظرة شر.. أنت ستخاف لأنك تظن أنه سيضربك.. ثم حين يبدأ في مسك ملبسك لنزعها تشعر أن هناك شيئًا أخطر بكثير من الضرب.. شيء
_31_
يضربك ليصل إليه.. ولقد ضربني ذلك الصيني ووصل إلى ذلك الشيء.. ثم قام الصيني عني وعدل نظارته.
خرجت أركض بين دمائي البكر شاعرة بالعار.. العار على ماذا بالضبط؟ لست أدري .. لم أفهم ما الذي حصل بالضبط لكن شيئا ما قطعني بين قدمي .. وهناك الكثير من الدماء.. جريت إلى الأشجار الحكيمة.. تعلقت بأكبر شجرة منها.. صرخت فيها وضربتها بيدي الصغيرتين.. إنها لا ترد.. ذهبت لشجرة حكيمة أخرى وأنا أشهق من البكاء والألم.. لمَ لا ترد عليّ إحداكن؟ ثم جريت بكل ما تبقى عندي من قوة ورميت نفسي في النهر.. وددت أن أقتل نفسي حقا في تلك الليلة.. لكني لم أستطع.. لم أقدر على منع نفسي من السباحة.. إن الإنسان الذي تعلم السباحة يوما لا يعرف كيف يقتل نفسه غرقا.
عدت للعجوز في تلك الليلة بين دموعي ودمائي.. أمسكني من شعري وضربني لأنني تأخرت.. كان يعرف بالتأكيد ماحدث معي.. ما فهمته فيما بعد أن العجوز باع عذريتي لذلك الرجل الصيني حتى يسقط عنه دينه.. في “كمبوديا” يؤمنون إيمانا راسخًا أن من يمارس الجنس مع عذراء يطول عمره وتزيد قوته وتشفى أمراضه كلها.
من هنا كانت بداية انتهاكي.. ذات يوم عدت بعد أن ملأتُ الماء للبيت، فقال لي العجوز: جهزي نفسك يا صغيرة فسنزور اليوم عمتك “نوب”. تسللت إلى قلبي فرحة جميلة لما قال كلمة “عمتك”، هل كان “تامان” صادقًا لما قال أن العجوز سيوصلني إلى أهلي؟ نزلت مع العجوز إلى العاصمة “بنوم بن”.. ومشينا في شارع مليء بالأضواء الحمراء.. كان عامرًا بفتيات واقفات على جانبيه في رداءات غير محتشمة وحركات غير محتشمة.. ثم دخلنا إلى زقاق ضيق وصعدنا إلى مبنى متهالك فيه.. طرقنا الباب لتفتح لنا امرأة ثلاثينية.. تضع الكثير من المكياج وتبتسم لي ابتسامة لزجة.. كانت هذه هي العمة “نوب”.
تركني العجوز مع العمة “نوب” التي لم تكن عمتي ولا حتى من نفس قبيلتي.. كانت قوادة.. عرفت أنه قد تم بيعي ثانية.. لقد باعني العجوز لأصحاب هذا البيت الحقير.. بيت الدعارة.. كانت تلك هي الليلة التي دخلت فيها أرض السافلين.. ولقد كان استقبالا عنيفًا ذلك الذي استقبلوني به..
***
“ماتا هاري” ترقص شبه عارية.. إنها عاهرة ذوي المناصب العليا.. أناس كثيرون يجلسون في حكمة ليشاهدونها.. كيف تشاهد الراقصة في حكمة؟
_32_
هذا أمر لا أعرف كيف يحاولون إقناع أنفسهم به.. ما يبدو لي هو أن وجه الحكمة الرائع هذا يخفي وراءه وجهًا آخر يسيل منه اللعاب.. “ماتا هاري” ما زالت ترقص.. “ماتا هاري” رائعة جدًا بصراحة.. ميزت بين الجالسين “جاك السفاح” بقبعته التي تضايق من يجلس خلفه لأنها تحجب عنه منظر “ماتا هاري” وميزت أيضا “كارل ماركس” يجلس بالقرب منه.. وعدة عاهرات جالسات حولهم كن مشاركات في ذلك المؤتمر.. كانت فيما يبدو فقرة ترفيهية.. لكن ما الذي أتى بكارل ماركس هنا ألم نتركه هناك عند ذلك ال…. لا يهم.
قالت إحدى المشاركات في المؤتمر:
هل ترى هذا الفن؟ إنها فنانة.. لماذا تصورون العاهرة أنها مجرد لحم ليست لديها أية موهبة؟! إن مثلنا الأعلى هي “ثيودورا”.. عاهرة كانت تعمل في بيت دعارة.. أُعجب بها الإمبراطور”جستنيان” الروماني وتزوجها وصارت إمبراطورة عظيمة مؤثرة عليه.. وتمكنت من تمرير قانون يسمح لرجال الدولة الكبار بالزواج من عاهرات.. ونجحت في إصدار قانون يساوي العاهرة بكافة طبقات المجتمع.. هذا هو الرقي الحق.
قال لها جاك:
عاهرة حكمت مجتمعًا وأصدرت قرارات لأجل أخواتها العاهرات.. هي فعلت هذا حقًا.. لكن هل تقبله الناس في المجتمع الروماني؟ لم يتقبلوه بالطبع ولذلك تم إلغاء القانون مباشرة بعد أن سقط حكمها.. قد تكون هناك موهوبات عاهرات نعم.. هذا حدث عدة مرات في التاريخ لكن في كل مرة تسقط تلك الموهوبة من عين المجتمع على الفور.. أتذكرين العداءة ” Suzy Favor “.. برأيك لماذا حرموها من الجائزة المسماة باسمها وغيروا اسم الجائزة لما اكتشفوا أنها كانت عاهرة إيسكورت Escort )عاهرة بالطلب تتصل بها لتأتيك إلى منزلك(؟ لماذا قطعت شركة Nike كل تعاملتها معها؟
تكلم “كارل ماركس” هذه المرة وقال:
أذكر أيضا Brandy Britton أو التي تعرف بالبروفيسورة العاهرة.. كانت تدرس علم الاجتماع في جامعة المريلاند.. وفي الحادي والأربعين من عمرها استقالت وقررت أن تكون عاهرة إيسكورت هي الأخرى .. صنعت لنفسها موقعا على ا لإنترنت أصبح اسمها فيه ” Alexis “، برأيك لماذا تم حرمانها من شهادتها العالية؟ في دولة أعرف أنك تعتبرينها دولة راقية.
_33_
قالت المرأة:
المجتمع لا يتقبلها لأنه يفتقر إلى الرقي حتى في تلك الدول المتقدمة.. أتدري أن الدعارة تساهم في تقليل الاغتصاب في المجتمع؟ إن الرجل لن يسعى وراء المتزوجات المحترمات لأن العاهرات موجودات أمامه في كل مكان.
رد عليها ” ماركس” هذه المرة محتجًا:
هذا لا يبدو صحيحا.. المغتصب وقت الاغتصاب حين تزيد لديه الشهوة الحيوانية ويقرر أن يغتصب، لن يعدل عن الاغتصاب في تلك اللحظة ويذهب للبحث عن عاهرة؛ فهو حيوان يريد أن يفضي بشهوته إلى فريسته التي أمامه في التو واللحظة.. وهي تُزين أمامه ساعتها لتكون أشهى من ألف عاهرة.
قالت المرأة:
مرة أخرى سأقول وإن كنت غير مقتنعة ببعض كلامكم إن العهر مشكلة في المجتمع وحتى نحل هذه المشكلة، يجب أن يتم ترخيص الدعارة.. هكذا سنقضي على كل المشاكل التي تأتي من ورائها.. لن تكون هناك أمراض جنسية لو رخصت العاهرات وكانت لديهن شهادات صحية.. لن تكون البيئة التي تعمل بها العاهرة بيئة مجرمين.. بل سيكون كل شيء مُدارًا من قبل الدولة.. لن تكون البيئة مهينة.. وسنحفظ للعاهرة إنسانيتها.
هنا رد “جاك السفاح” غاضبا جدا:
عن أي بيئة غير مهينة تتحدثين يا عاهرة؟ أنا دخلت بنفسي بيت دعارة مرخص.. أتدرين ماذا حدث لمَّا دخلت؟ دق جرس صوته مثل ذلك الذي يكون على رقبة الكلب.. وخلل دقائق كان يجب أن تأتي العاهرات ويقفن صفًّا واحدًا أمامي ليتعرضن للكشف والتفحص المهين مني ومن زبائن آخرين.
قال “ماركس”:
الولاية الوحيدة التي رخصت الدعارة في أمريكا هي “نيفادا”.. هل تعلمين أن عدد بيوت الدعارة الغير مرخصة في “نيفادا” هو ضعف عدد البيوت المرخصة؟ حركة ترخيص الدعارة هذه بدأت في أستراليا وفشلت فشل ذريعًا في تحقيق أي هدف من الأهداف التي أرادها لها صانعوها. ولا حتى نصف هدف.. فلا هم نجحوا في الحد من دعارة الشارع.. ولا الحد من الأذى الذي تلقاه الفتيات.. وهذا ينطبق على كل الدول التي نفذت تجربة أستراليا، مثل هولندا ونيوزيلندا ونيفادا.. كلها فشلت.
_34_
قالت له:
ولماذا فشلت؟
قال “جاك السفاح” وقد بدأ غضبه يصبح مخيفًا:
الأمر فاشل من وجهة نظر أصحاب بيوت الدعارة أنفسهم.. لو كانت الدعارة المرخصة في “نيفادا” أرباحها عشرة مليون سنويًا فإن الدعارة الغير مرخصة في “لاس فيجاس” مثلًا أرباحها ثلاثة بليون دولار سنويًا.. والمدينتان في ولاية واحدة.. وبالمناسبة معظم العاهرات في البيوت المرخصة يكن تحت مسؤولية قواد خارجي يعينه مالك البيت المرخص لأن القوّاد يعرف كيف يجعل العاهرة تعمل بجد.. والقصص التي تروى في بيوت دعارة أستراليا المرخصة مليئة بالعنف والإهانة.. ليس الأمر أن العاهرة تذهب إلى هناك كموظفة محترمة كل يوم وتنصرف.
ختم النقاش “ماركس” قائلًا:
باختصار: لا تحاولي أن ترخصي القذارة وتجعلي أصحاب الأسواق المحترمين يبيعونها في الهايبر ماركت.. القذارة لا يبيعها إلا المجرمون ولا يشتريها إلا الأقذار.. لأنها قذارة.
هنا قام “جاك السفاح” غاضبًا وفزعت العاهرات وتوقفت “ماتا هاري” عن الرقص.. إن جاك لا يقتل إلا العاهرات.. ولا يضعهن إلا في صناديق القمامة.. اهتزت الأجواء.. صرخت العاهرات لما رأين سكينًا أخرجه “جاك السفاح”.. واهتزت الأجواء مرة أخرى .. هيا بنا من هنا لا بد أن نخرج من هذه القاعة.. المناقشة مع “جاك السفاح” تؤدي لنتائج دموية.. ومع اهتزاز الأجواء زكمت رائحة آسيوية.. يبدو أننا قد عدنا.. أين كنا بالضبط؟ لم أعد أذكر.
***
كنا في بيت الدعارة الذي اشتراني.. وأنا أدخله لأول مرة في حياتي..
أمسكت العمة “نوب” بيدي وتوجهت ناحية رجل كريه المنظر وقالت له:
هذه دجاجة جديدة طازجة من القرية.
وضع الرجل يده على شعري فأزحت يده جانبًا.. لكن العمة “نوب” ضربتني على أم رأسي ضربة قاسية جدًا وقالت لي:
ستفعلين هذا، شئت أم أبيت.
_35_
ثم أدخلتني في غرفة وأدخلت الرجل الكريه ورائي وأغلقت الباب علينا.. غرفة حقيرة جدا فيها سرير حقير واحد وأثاث مهترئ .. كنت خائفة جدا وكأنهم حبسوني وحدي مع حيوان مفترس.. طلب مني الرجل الكريه أن أخلع ملابسي فرفضت.. فضربني ثم طلب مني ثانية فرفضت فضربني.. ثم طلبها مرة ثالثة فرفضت وأنا أبكي وأنظر ليده نظرة المنتظر لضربة أخرى لكنه خلع ملابسه الكريهة ثم تقدم مني كالحيوان.. واغتصبني كالحيوان.. ثم قام عني كالحيوان وتركني أتذوق دماءً كانت تسيل من أنفي وفمي.. شعرت بشفقة على نفسي.. لو كان قتلني لكان أفضل.. قال لي وهو يغادر.. جهزي نفسك يا عاهرة.. سأراك غدًا .
وجاء الغد.. وها أنت ذا تراني أدخل مرة أخرى إلى هذا المنزل الحقير.. شكلي اليوم يبدو مختلفا جدا كما ترى. كانت العمة “نوب” قد وضعت لي مكياجا ثقيلا حتى جعلتني أشبه بفتيات الجيشا اليابانيين.. المكياج يجعلك أكثر بياضا.. والزبائن تحب البياض.. كنت أتمنع كما ترى كلما لمسني أحد وأنا أدخل.. فغضبوا مني مرة أخرى .. دفعوني دفعا حتى أدخلوني لغرفة رأيت فيها ثلاثة رجال.. رجل ضخم أشبه بالدب.. كان هذا هو “لي”.. زوج العمة “نوب”، والرجلان الآخران هما حارساه الشخصيان.. بعد قليل أصبح يمكنك أن ترى ثلاثة رجال يغتصبون فتاة وحيدة تصرخ.. أحدهم دب مشعر.. وأحدهم ذو وجه صيني وجسد نحيل مقزز والثالث لم أتبينه جيدا.. فعلوا بي كل ما يمكنك أن تتخيل أن مغتصبا يمكن أن يفعله.. تخيل أبشع شيء.. في النهاية شدني الدب “لي” من يدي وجرني معه بدمائي وألمي إلى خارج الغرفة.
أنزلني الدب إلى البدروم ورماني على الأرض.. وبرغم كل الألم الذي كنت أشعر به والجزع فإن جسدي اقشعر من الخوف من شيء آخر تماما.. هذا البدروم، إنه مليء بالعقارب والثعابين.. رأيتها فتراجعت على الأرض إلى ركن الغرفة.. رأيت الدب “لي” يستدير إلى الباب عازما الخروج.. فزعت وتحاملت على قدمي وقمت محاولة التحرك ناحية الباب بيأس فأمسكني ورماني ثانية على الأرض ناحية العقارب والثعابين.. وقبل أن يخرج ضرب الثعابين بقدمه فتوحشت وأصدرت فحيحا غاضبا.. ثم أغلق الباب علي وتركني وحيدة معهم.. ومع إغلقه للباب حل الظلام الدامس.. ولم أعد أسمع سوى صوت ثعابين غاضبة تقترب.. وعقارب لا أراها.. لكني أعرف أنها موجودة.. صرخت وصرخت لكن يبدو أن الصراخ لا يسمعه أحد في أرض السافلين.
_36_
نحن يسموننا في اللغة ا لإنجليزية ” Sex Slaves ” لا يوجد مصطلح مقابل له في اللغة العربية لكن أقرب تعبير هو “جارية جنسية”.. وهي الفتاة المختطفة التي يتم إجبارها على العمل في الدعارة.. إن أهم خطوة في تجهيز أي جارية جنسية هي كسر عزيمتها.. لأنها سترفض ما تحاول أن تفرض عليها فعله. لا بد أن تغتصبها بعنف شديد وقسوة.. ويجب أن تضربها حتى تؤذيها.. ويجب أن تجعلها ترى دماءها.. فإن رأت دماءها ستنكسر عزيمتها.. وأي عزيمة تلك التي ستكون عند أنثى صغيرة ضعيفة ووحيدة؟
بعدها قبلت الزبائن.. على مضض شديد.. كنت أخدم في اليوم الواحد أكثر من عشرة زبائن.. في الصباح كنت أبيت في شقة العمة “نوب” التي تطعمنا وتلبسنا وتضع لنا المكياج والعطور، وفي المساء تبدأ الدعارة.. ذات مرة.. وبرغم كل الرقابة التي تحيط بي.. تمكنت بمعجزة من الهرب من شقة العمة “نوب”.
نزلت إلى الشارع وجريت وركبت في أول سيارة أجرة وطلبت منه أن يخرجني من المدينة كلها.. انطلق بي سائق الأجرة بسرعة خارجا بي من هذا المستنقع.. استلقيت على الأريكة الخلفية للسيارة وأنا أبكي في صمت.. بعد حوالي ربع ساعة أوقف السائق السيارة ونظر لي وقال: تفضلي يا صغيرة. أخرجت محفظتي وأعطيته أجرته ثم خرجت من السيارة.. لأجد نفسي أمام آخر أشخاص في العالم أود رؤيتهم في تلك الساعة.. الدب “لي”، وحارساه الشخصيان.
ما زلت أذكر كيف كان يسحلني في الشارع بعد فشلي في الهرب.. إن سائقي الأجرة في “كمبوديا” على علاقة وثيقة بأصحاب بيوت الدعارة.. ما زلت أذكر كيف كنت أصرخ بكل قوتي وأطلب مساعدة المارة.. المارة الذين كانوا يشاهدون هذا وينظرون بعيدًا بلا اهتمام.. أو يعطونك نظرات على طراز: أنا مندهش ومتأثر لكني غير مهتم ولن أتدخل. لست أدري في أي عالم نحن بالضبط؟
عدت مرة أخرى إلى أرض السافلين.. ولكن هذه المرة.. قررت أن أكون جارية جنسية مطيعة.. كنت أشعر بالقذارة طيلة الوقت.. رائحة المني المقرفة لا تنفك تغادر أنفي.. شعرت أنني مشبعة بها.. كل شيء كان قذرا.. كنت أشعر بقذارة لا يمكن غسلها.. ورغم أنني كنت في الحقيقة منقوعة في الكريمات والعطور طيلة الوقت فإن كل هذا لم يزل تلك الرائحة من أنفي أبدًا.
لم أكن أبتسم للزبائن، كنت أسلمهم نفسي جثة بل روح، ولم يكن هذا يعجبهم.. كان الدب “لي” يعاقبني على هذا بأن يجعلني أبيت وسط الثعابين في القبو كثيرا.. ولما شعر أني أصبحت لا أخاف منها أتاني ذات يوم وقد ابتكر طريقة
_37_
جديدة لعقابي.. نزل بي إلى القبو ورماني على الأرض كالعادة وجعل حارسيه يثبتانني بقوة.. ثم جاء بسطل كبير.. وبدأ يسكبه علي.. كان سطل من الديدان.. الديدان الحية.. الملايين منها.. يسكبها على وجهي ورقبتي وجسدي.. المشكلة الأكبر كانت في البغلين اللذين كانا يثبتان وجهي وجسدي حتى لا أضايق الديدان في الوصول لأي مكان تود الوصول إليه.. لم أكن حتى أقدر على الصراخ.. وإلا دخلت الديدان في فمي.
بعد هذه التجربة قررت قرارا هامًا، أن أصير جارية جنسية مطيعة ومبتسمة.. قررت أن أربط قدمي في الساقية التي يريدونني أن أربط قدمي بها وأمشي فيها.. أصبحت أنظف البيت وأطبخ أكثر من السابق ولاحظت هذا العمة “نوب”.. وبدا أنها عرفت أنني قد استسلمت..وفعلا كنت قد استسلمت.. ورغم أن العمة “نوب” سيئة جدا فإنها كانت جيدة معنا لو أننا تعاونّا.. لذا تعلمت أن أتقبل الوضع.. فيما بعد تعلمت شيئا مختلفا.. تعلمت أن هذه هي عقلية العبد.. وأنه تفكير خاطئ تماما.
العاهرة في لغتنا تعني “سريكوس”.. المرأة المكسورة.. مكسورة بطريقة لا يمكن إصلحها أبدا، هذه الكلمة اكتشفت أنها معبرة جدا.. إن روحك لا تظل طاهرة كما كانت أول مرة.. بل إنها تتدنى مع الوقت كلما مكثت أكثر في هذا المستنقع.. تعجبت لما رأيت أن كثيرا من الفتيات هنا مبَاعات للعمة “نوب” بواسطة عائلاتهم.. وهم يبيعونهن لتسديد دين على العائلة.. لم أصدق أن هناك عائلة يمكن أن تفعلها وتبيع ابنتها.
مواقف كثيرة سيئة جدا حدثت في بيت القذارة الذي كنا نعيش فيه.. أذكر ذات مرة مشهدا مرعبا.. فتاة تدعى”سري روت”.. أتت بعد مجيئي بستة أشهر تقريبا.. كانت جميلة جدا وكان كثير من الزبائن يختارونها.. ذات مرة حاولت أن تهرب مع أحد الزبائن، وكان يأتيها باستمرار.. فسألته ذات مرة أن يساعدها في الهرب.. بيأس سألته.. بقلة حيلة سألته.. لكن تبين أنه صديق للدب “لي”.. ولما علم الدب بالأمر جاء بالفتاة.. وربطها في السرير.. ثم أمسك بمسدس وقربه من رأسها.. ثم أطلق طلقة خرجت لها دماغها وتدلت على ذلك السرير.. ثم أمر الحارسين المقززين فوضعاها في كيس من أكياس الأرز ورمياها بعيدا.. هكذا كانت قيمتنا لديهم.. قمامة في حياتنا.. وقمامة في موتنا.
لو حصل حمل لأية واحدة منا فإنهم يذهبون بها لمستشفى معينة ويسقطون لها حملها.. ثم يجبرونها على أن تعود للعمل بعد يوم واحد فقط ..
_38_
العذراء التي تفقد عذريتها.. تذهب لنفس المستشفى حتى يخيطون لها عذريتها مرة أخرى .. يفعلون هذا ثلاث أو أربع مرات.. فالفتاة العذراء أغلى دائما. أرواحنا لا تعني شيئًا في هذا العالم.. هم يعتبروننا أجسادا فقط.. أرواحنا فقط تعيق أعمالهم.
***
طرق باب الغرفة فجأة بينما نتحدث وفتحه طارقه مباشرة فتحة بسيطة ثم أطل علينا منها برأسه.. كان هذا هو سكوربيون بقناعه المميز.. أشار لنا لنقوم ونتبعه.. كانت “سومالي” تبكي بصمت.. فتركناها وذهبنا إلى سكوربيون الذي مشى بنا في السيب وأدخلنا إلى غرفة في نهايته.. كانت غرفة صغيرة ليس فيها إلا أريكة وكرسيان وجهاز كمبيوتر.. سمعنا موسيقى من الطراز المريح تأتينا من كل مكان وكأن الأجواء تعزفها لنا.. جلست أنا على الأريكة.. سأظل جالسا هنا بينما تثرثران قليلًا.. حاولا أن تطيل الثرثرة لأحظى براحة أطول .
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق