قصص

رواية أرض السافلين …الجزء العاشر

 

 

_212_
نزلت بنا الكرولر أمام الصرح العلمي الذي يتناقش فيه العلماء.. بالمناسبة هذا الصرح رائع جدا.. المرء يحب أن يطيل النظر إليه.. خرج لنا آدم بنفسه هذه المرة.. وقال لنا:
هل تمتعتما أم مللتما من زيارتكما الأخيرة؟
قلت له أنني من النوع الذي يحب العلم والتفاصيل العلمية والمناقشات الفلسفية.. فبالتأكيد أحببت المكان.. لكن لا أدري عن صاحبي.. قال آدم:
ماذا رأيت في حديثنا السابق يا سيدي؟ هل أعجبك؟
سمع “آدم” إجابتك ثم أومأ برأسه متفهمًا.. ثم أدخلنا إلى القاعة.. ما زال العلماء أنفسهم جالسين يتناقشون .. هذه المرة حييونا برؤوسهم.. فدخلنا ومشينا وسطهم وجلسنا على عروشنا ثم بدأت المناقشة بسرعة.. قال “آدم”:
مرحبا بالضيفين العزيزين الكريمين.. اليوم لدينا سؤال هام سنحاول أن نجيب عنه.. عرفنا أن هذا الكون له بداية.. لكن من الذي أوجد هذه البداية؟ هل هو الله؟ أم أن الكون هو الذي ابتدأ نفسه وأوجد نفسه؟
أضاء ضوء أخضر عند كرسي رجل ممتلئ الجسم طويل الشعر يرتدي ملابس تبدو كملابس العصور الوسطى وله شعر أبيض مجعد بطريقة كبار الشخصيات.. كان هذا هو الفيلسوف “دافيد هيوم” والذي قام يقول :
طبيعي أن يكون لهذا الكون بداية.. طبيعي أن نؤمن بهذا.. لكن من قال أن إيماننا بهذا يعني أن نسلم أن الله هو الذي أوجد هذه البداية؟ بل الصحيح أن هذا الكون ببساطة قد نشأ بالصدفة.. لا حاجة لأن يكون له خالق.. إنما هو بدأ هكذا بالصدفة.
انتظرت ضوءًا يضيء عند أي مقعد تال لكن لم يأتي أي ضوء.. نظر “آدم” للجالسين وقال:
إن من سيجادل في هذه النقطة بالذات لن يكون عالمًا ولا فيلسوفا.. من سيجادل في هذه النقطة هو الكون نفسه.
ذهب “آدم” ووقف أمام المنصة.. وفجأة انطفأ الهولوجرام.. اختفى الرمز واختفى كل شيء.. وأشار “آدم” بإصبعه إلى نقطة ما بجانبه في الفراغ وقال:
_213_
لنتابع معًا ما حدث منذ بداية الكون .. ولننظر في أمر الصدفة أو عدمها..انظروا.. هذه النقطة التي أشير عليها بإصبعي هي الكون قبل أن يحدث البيج بانج.. كما ترون.. لا شيء.
فجأة برز شيء من الفراغ تحت إصبع “آدم”.. لم يكن شيئا بالمعنى الحرفي..بل بدا وكأن هناك جزءًا من الفراغ تحت إصبعه يهتز.. كان هذا الجزء صغيرًا ثم بدأ يكبر شيئا فشيئا.. قال “آدم”:
كما ترون يقول العلم الثابت أن الكون بدأ فجأة.. بدأ كطاقة ساخنة متجمعة في جزء صغير جدًا.. ثم بدأ هذا الجزء الصغير يكبر ويكبر.. وكان كلما كبر برد قليل.. لا يعرف العلم ما الذي أوجد هذه الطاقة الساخنة ولا ما الذي يجعلها تكبر في الحجم؟ ما الذي وضع هذه الطاقة الساخنة الرهيبة التي لو تحولت إلى كتلة ستعادل كتلة الكون كله ؟ ما الذي وضعها هنا بعد أن لم تك شيئا ؟ العلم لا يدري .. قالوا صدفة.. لكن الصدفة تخضع لقوانين الفيزياء.. أما هذه فمعجزة.. لأنها طاقة نشأت من العدم.. وقوانين الفيزياء تقول بصرامة أن الطاقة لا تستحدث من العدم.. وقالوا بل العلم لم يكتشف السبب بعد.
ظل الجزء المهتز يكبر ويكبر.. وفجأة تحول هذا الجزء المهتز إلى آلاف من النقاط الملونة.. برزت فجأة وكأن الاهتزاز قد بعثها.. قال “آدم”:
تحولت هذه الطاقة الرهيبة فجأة بعدما بردت قليلًا إلى كتلة بفعل نظرية “أينشتاين” النسبية الشهيرة.. هذه الكتلة ظهرت في شكل جسيمات ومضادات جسيمات.. جسيمات هي البروتونات والإلكترونات والنيوترونات وإلى مضاداتها.
ثم فجأة لاحظنا أن النقاط الملونة الصغيرة يهجم بعضها على بعض ويصطدم بعضها ببعض.. فيفني بعضها بعضا.. قال “آدم”:
أي طاقة ساخنة في العالم عندما تبرد وتتحول إلى كتلة، يجب أن ينتج منها عدد متساوي من الجسيمات ومضادات الجسيمات.. لكن الغريب أن ما نتج عن هذه الطاقة الساخنة الكونية الأولى هو عدد من الجسيمات أكبر من عدد مضادات الجسيمات.. أكبر بقليل جدا.. فكل مليون جسيم مضاد يقابله )مليون + واحد( جسيم عادي.. وكل مليون جسيم عادي يتصادم مع مليون جسيم مضاد.. فيفنى المليونان ويبقى جسيم واحد عادي.. هذه الجسيمات الناجية هي التي تطورت بعد هذا وشكلت مادة الكون الذي نراه الآن.. فالجسيمات كانت أكثر من مضاداتها منذ البداية.. ولو أنهما كانا متساويين في العدد كما كان مفروضا فيزيائيا لأفنى بعضهما بعضا ولما وجدت أية جسميات يمكن أن يتكون منها هذا الكون ..
_214_
فكيف تم خرق قوانين فيزياء الجسيمات وأخرجت الطاقة الساخنة لنا كمية أكبر من الجسيمات عن مضاداتها ؟ قالوا صدفة.. لكن الصدفة تتبع القوانين الفيزيائية.. أما ما يخرق القوانين هو المعجزة.. لكن العلم لا يؤمن بالمعجزات.. وقالوا مازال العلم يبحث عن السبب.
هدأت الاصطدامات وظهرت جسيمات ذات عدد وفير لا بأس به.. هذه هي الجسيمات الناجية.. والتي بدأنا نرى بعضها يبتعد عن بعض بانتظام.. قال”آدم”:
ما تشاهدونه الآن هو أغرب شيء واجه العلماء.. بعد أن اكتشف “هابل” أن المجرات يتباعد بعضها عن بعض.. اكتشف شيئا آخر عجيبا جدا.. اكتشف أن المجرات ليست فقط تبتعد عنا.. بل هي تزيد في سرعتها وهي تبتعد.. وكأنها تضغط على دواسة الوقود فتزيد سرعتها باستمرار وهي تبتعد.. بل إنها تبتعد عنا بسرعة أكبر من سرعة الضوء.. اتضح أن هناك شيئا أكبر من التوسع العادي يقاوم قوة الجاذبية.. شيء متسارع بسرعة تخرق قوانين الفيزياء.. ولولا وجود هذا الشيء لانجذب بعض الكون إلى بعض وانهار.. شيء ما لم يفهم العلماء ماهيته حتى اليوم فسموه “الطاقة المظلمة”.. ليس هذا هو المثير في الموضوع.. المثير هو أن التسارع الرهيب الذي تمارسه الطاقة المظلمة لو كان أسرع قليلًا فقط لما سمحت سرعته للمجرات أن تتكون .. ولو كان أبطأ قليلًا فقط لغلبته قوة الجاذبية ولانهار الكون على نفسه.. إذا علينا أن نؤمن أن هناك صدفة سعيدة جدا جعلت مقدار الطاقة المظلمة مضبوطا تماما على القدر الذي يسمح للكون أن يتكون.
تابع “آدم”:
لكن ما الذي يجعل الكون يجذب نفسه إلى نفسه أصلًا؟ هو شيء سماه العلماء قوة الجاذبية.. كلما كان الشيء أكثر كتلة وأكثر كثافة أصبح يجذب الأشياء إليه بشكل أقوى .. ولذلك تمسك الكواكب أقمارًا حولها وتمسك الشموس كواكبًا حولها وتمسك النواة إلكترونات حولها.. إن مقدار المادة الموجودة في الكون حاليا ينتج منه جاذبية كلية أضعف من قوة تسارع الطاقة المظلمة.. لو كان مقدار المادة أكثر قليلًا لزادت الجاذبية الكلية ولتغلبت على الطاقة المظلمة ولانهار الكون على نفسه.. فما هي الصدفة السعيدة التي جعلت مقدار المادة التي نشأت في بداية الكون هو هذا المقدار بالضبط الذي تنتج عنه
_215_
جاذبية مقدرة بالضبط لتسمح للطاقة المظلمة أن تكون أقوى منها فلا ينهار الكون على نفسه؟
أصدر “آدم” صوتا بإصبعه فاختفى المشهد الهولوجرامي.. ثم رفع سبابته بطريقة مسرحية أيضًا لنشاهد على رأس سبابته كرة صغيرة جدا.. ضربها بإصبعه فارتفعت إلى الأعلى ثم سقطت مرة أخرى ببطء.. فمد يده إليها فتوقفت في الهواء فمد يده الثانية وفعل حركة ما تعبر عن التوسع فتضخمت الكرة الصغيرة مائة مرة حتى أصبحت أكبر من حجمه.. قال “آدم”:
هذه هي ذرة الهيدروجين.. أول عنصر يتكون في هذا الكون .. العنصر الذي يتكون منه ثلاثة أرباع الكون .. كما نرى .. ذرته فارغة.. ليس فيها سوى بروتون واحد في المنتصف يدور حوله إلكترون واحد.
كبرت الذرة أكثر ثم توجه إليها “آدم” ودخل فيها.. كانت شفافة.. فأمكننا أن نراه بالداخل.. كانت الذرة عبارة عن كرة فارغة فيها كرتان صغيرتان يدور بعضهما حول بعض.. توجه “آدم” ناحية الكرتين الصغيرتين وأمسك واحدة منهما بين يديه وقال:
هذا هو بروتون الهيدروجين.. والآن لنشاهد ما يحدث عندما يقترب نيوترون خارجي من هذه الذرة.
برزت كرة أخرى صغيرة من آخر القاعة وتوجهت ناحية الذرة التي يقف “آدم” بداخلها.. وفور أن اقتربت الكرة الصغيرة ظهر شيء ما من البروتون الذي يمسكه آدم.. شيء مثل الخط المتعرج الذي توجه ناحية الكرة المقتربة فجذبها إليه بقوة وألصقها بالبروتون .. قال “آدم”:
هناك علاقة حب بين البروتون والنيوترون كما نرى .. أو كما يسميها الفيزيائيون قوة جذب.. وبالمناسبة.. أنا الآن بعد هذا النيوترون الدخيل لم أعد أقف داخل ذرة هيدروجين.. بل أصبحت داخل نظير يدعى الديوتيريوم.. فيها بروتون واحد ونيوترون واحد.
برزت ذرة ديوتيريوم أخرى من مكان ما واقتربت من ذرة الديوتيريوم التي يقف “آدم” بداخلها.. فخرج خط متعرج من بروتون ذرة آدم وتوجه إلى بروتون الذرة الأخرى فأمسك به وجذبه إليه بقوة.. فانجذبت الذرتان وأصبحتا ذرة واحدة.. فيها في المنتصف أربع كرات.. بروتونان ونيوترونان.. قال “آدم”
_216_
أيضا هناك علاقة حب بين البروتون وأخيه البروتون .. وهذه الذرة الجديدة التي أصبحت أنا داخلها هي ذرة هيليوم.
توجه “آدم” ناحية الأربع كرات وحاول فصل بعضها عن بعض ببطء فلم يقدر.. ثم أمسك بإحدى الكرات وشدها بقوة..وفجأة قام أحد الجالسين وجرى ناحية آدم كالمجنون وهو يصيح بأعلى صوته:
أيها الأحمق ماذا تفعل؟ هل تريد أن تحدث انفجارًا نوويًا.. هل أنت عاقل أم مجنون ؟ أتريد أن تفصل مكونات النواة.
كان هذا هو “نيلز بور”.. مكتشف تكوين الذرة ببروتوناتها وإلكتروناتها ومداراتها.. توقف “آدم” بهدوء عما كان يفعله وقال:
معذرة يا سيد “بور”.. لقد كنت أمثل فقط.
قال “بور” عدة كلمات غير مفهومة تعبر عن الامتعاض وعاد أدراجه إلى مجلسه.. نظر “آدم” بإحراج إلى الأرض ثم استدار إلى ما كان يفعله وقال:
إن علاقة الحب العتيد هذه بين البروتون والنيوترون.. وبين البروتون وأخيه البروتون .. هي علقة حب قوية جدا.. قوة جذب شديدة القوة.. سماها العلماء “القوة النووية القوية”.. وهي أقوى من أي قوة أخرى .. قوة لو كسرناها ستؤدي لانفجار لا يبقي ولا يذر.
نظر “آدم” ناحية “بور” الذي كان قد جلس وتابع بتركيز بطريقة من يريد أن يتجاوز ما حدث.. قال “آدم”: لقد بدأنا بالهيدروجين.. الذي سحب لنفسه نيوترون فصار ديوتيريوم.. والذي سحب لنفسه بروتون من ذرة ديوتيريوم أخرى فأصبح هيليوم.. الآن لو أراد الهيليوم أن يكون ذرة جديدة.. سيسحب بهذه القوة نفسها أي بروتون من أي ذرة هيليوم أخرى فلن ينسحب البروتون وحده بل ستنسحب ذرة الهيليوم كلها.. فيجتمع الهيليوم إلى الهيليوم لتتكون ذرة جديدة فيها أربعة بروتونات وأربعة نيوترونات هي ذرة البريليوم.. والتي يمكنها بدورها هي أيضا أن تسحب ذرة هيليوم جديدة بفعل تلك القوة النووية لتكون ذرة أخرى هي ذرة الكربون التي فيها ستة بروتونات وستة نيوترونات.. ثم لو أراد الكربون أن يتطور هو الآخر سيسحب له ذرة هيليوم.. فتتكون ذرة جديدة فيها ثمانية بروتونات وثمانية نيوترونات هي ذرة الأكسجين وهكذا.. فنرى أن الهيدروجين هو أساس تكون كل العناصر التي في الجدول الدوري كله.
_217_
ظهر ما يشبه اللهيب الساخن حول الذرات فابتعد ” آدم” بطريقة الذي شعر بالحرارة وقال:
هذه التحولات من ذرة إلى ذرة لا تستطيع أن تتم إلا في درجة حرارة عالية جدا جدا ولهذا كل هذه التفاعلات لا تتم في الحقيقة إلا في النجوم.. مثل الشمس.. فكل عناصر العالم يتكون بعضها من بعض داخل النجوم ثم تلفظها النجوم إلى الفضاء.. وكأن النجوم هي مصانع تصنع فيها كل العناصر ثم ترمي بها إلى الفضاء.. هنا تسحب الكواكب هذه العناصر إليها.. هذا هو مصدر كل العناصر التي على أي كوكب.. فأنت لو نظرت إلى أي نجم من النجوم ستجده يلفظ خارجه كل حين عناصر صنعها داخله بينما تعمل الكواكب حوله كالمكانس وتجذب إليها تلك العناصر.. وبالمناسبة أيها المبارك لقد قال ربك هذا في كتابه لما أقسم بالكواكب بقوله “فلا أقسم بالخنس.. الجوار الكنس” .. قال أنها متجاورة..وقال أنها تكنس.. ولم يكن أحد يدري ماذا تكنس بالضبط.. والآن عرفنا.
رفع “المبارك” يده موافقا.. فأكمل آدم قائل:
قدر العلماء القوة النووية الخاصة بالهيدروجين ب 0.007 .. هذه القوة لو كان مقدارها مثلًا 0.006 لما استطاع بروتون الهيدروجين الأول أن يسحب نيوترونا ولما تكون الهيليوم أبدًا ولما تكون أي عنصر آخر في العالم ولأصبح الكون مكونا من هيدروجين فقط.. ولو كان مقدار القوة 0.008 مثلًا لأصبح بروتون الهيدروجين شرها جدا لسحب أي نيوترون حوله.. ولتحول كل الهيدروجين في العالم إلى هيليوم.. فلن يكون هناك أي هيدروجين في العالم وبالتالي لن يكون هناك أي ماء في العالم لأن الماء هو ذرتا هيدروجين وذرة أكسجين.. وبالتالي لن توجد أي حياة في العالم.. فما هي الصدفة السعيدة التي قدرت أن تكون القوة النووية للهيدروجين هي 0.007 بالضبط.. المقدار المناسب تماما لتكون حياة؟
بينما كان “آدم” يتحدث من داخل ذرة الهيليوم إذ دخلت من آخر الغرفة ذرة بريليوم وذرة كربون وذرة أكسجين.. وهن التطورات الثلاثة الأولى للهيليوم في باطن الشمس.. قال “آدم” دون أن يلتفت للذرات الداخلة:
هناك عالم تعجب من هذا السيناريو جدا.. وهو العالم “فريد هويل”.. وهو نفسه الذي كان يسخر من نظرية البيج بانج كما علمنا.. ويبدو أنه ليس موجودا بيننا اليوم.. هو تعجب لأنه لو أزحنا الهيدروجين جانبا من تفكيرنا قليلًا.. فالكربون والأكسجين موجودين في الكون بوفرة هائلة أكثر من كل العناصر الأخرى في العالم والتي تعتبر نسبتها ضئيلة مقارنة بهما.. مصدر تعجبه هو أن
_218_
سيناريو تطور الهيليوم إلى بريليوم ثم إلى كربون ثم إلى أكسجين هو سيناريو غير مفضل كيميائيا بالنسبة للهيليوم ويحتاج لحرارة عالية وظروف معينة.. ورغم هذا فالكربون والأكسجين بالذات وفيرين جدا جدا في الكون وكأن هذا التفاعل هو المفضل وحده.. لذا تنبأ “هويل” أن هذه الأربعة عناصر تحديدًا دون بقية العناصر لديها مستويات طاقة متقاربة.. تجعل هذا التفاعل هو المفضل للهيليوم.. وبعد سنوات من وفاته تم إثبات كلامه هذا حرفيا.. بالفعل هذه الأربعة عناصر فقط لا غير طاقتها متقاربة مما يجعل الهيليوم يفضل التطور لبريليوم.. والبريليوم يفضل التطور إلى كربون والكربون يفضل التطور إلى أكسجين.. هذا التقارب يجعل العناصر الأخرى كميتها ضئيلة بالنسبة للكربون والأكسجين.. ويعطي هذين العنصرين الأفضلية.. وهما العنصران المكونان للحياة مع الهيدروجين.. العنصران اللذان يتكون منهما الماء والهواء والخلايا.. إذ ما هي الصدفة السعيدة التي فضلت أربعة عناصر فقط من بين 118 عنصرا في الجدول الدوري وجعلت لهم طاقة متقاربة لتجعلهم في النهاية ينشئوا حياة ؟ حقا هي صدفة سعيدة جد ا!
أصدر “آدم” صوت ا بإصبعيه ثم قال:
وأخيرا.. هل لمحتم هذه الكرات التي تدور حول رأسي وأنا داخل الذرة؟ هذه هي الإلكترونات.. جسيمات صغيرة سالبة الشحنة تدور حول النواة طيلة الوقت.. والشيء الذي يجعلها ممسوكة داخل مجال الذرة هو ما يسمى “القوة الكهرومغناطيسية”.. هذه قوة ظهرت لأن هناك تجاذبًا طبيعيًا بين هذه الإلكترونات السالبة وبين البروتونات الموجبة.. هذه القوة الكهرومغناطيسية لها مقدار معين في كوننا هذا.. لو كانت أضعف قليلًا فقط لطارت كل الإلكترونات بعيدًا عن نَوياتها ولما استقرت أية ذرة ولما تكون أي عنصر.. ولو كانت أقوى لأمسكت النواة بإلكتروناتها بقوة ولما اجتمعت الذرات يوما لتكون جزيئات.. لأن الجزيئات ما هي إلا ذرات تتشارك إلكتروناتها.. فلو أمسكت كل ذرة بإلكتروناتها بقوة لما حدث أي تشارك ولما تكون أي جزيء كالماء أو الأكسجين أو الهيدروجين.. فهي صدفة سعيدة جديدة جعلت القوة الكهرومغناطيسية بين الإلكترون والبروتون مضبوطة تماما على القدر الذي يتيح لكل الذرات في هذا العالم أن تتفاعل وتجتمع.. ولم يكن مقدارها أكبر ولا أصغر.
قال “آدم”:
_219_
وهناك الكثير من الأرقام التي لو كانت أصغر من هذا أو أكبر لما كان لهذا الكون أي وجود.. أرقام يسميها العلماء الثوابت.. وهم يشبهون الموضوع وكأن أمامك جهازًا كبيرًا وفيه بَكرات كثيرة مثل بكرة الراديو.. ويجب أن تضبط كل بكرة على رقم معين.. وحين تضبط كل واحدة على رقم معين يخرج لك كوننا وتظهر لك حياة.. ولو ضبطتها على أي شيء آخر ستخرج لك فوضى.. ولقد حسب العلماء هذه الثوابت كلها فكان عددها 200 ثابت.
ثم قال آدم بلهجة تشويقية:
الآن يمكننا أن نختبر الصدفة في هذا الكون .. انظروا معي..
أشار “آدم” بإصبعه فاختفى الهولوجرام وانفتحت فوق رأسه فتحة هولوجرامية وسقط عليه منها الكثير من المكعبات البيضاء الصغيرة جدا.. وضع “آدم” يده على رأسه بحركة سينمائية إلى أن انتهى سقوط المكعبات البيضاء ثم قال:
هذه كلها نرد.. 200 قطعة نرد.. كل قطعة منها تمثل ثابت كونيا.. سآخذ هذه القطعة مثلًا.. إنها تمثل القوة النووية للهيدروجين.. مكتوب عليها ستة أرقام.. أحدها هو المطلوب لكوننا ( 0,007 ) والباقي أرقام أخرى قريبة.. وهذه قطعة أخرى تمثل مدى التسارع الذي يتم به توسع الكون .. وهكذا.. والآن علي أن أرمي هذا النرد كله مرة واحدة فقط 200 .. قطعة.. لتنزل كل قطعة على الرقم الصحيح الذي يوجد حياة.. على افتراض أن لكل ثابت ستة احتمالات فقط مع أن هذه الثوابت يكون لها ربما مائة احتمال أو أكثر.. لكن لا مشكلة دعونا نفترض أن هناك ستة احتمالات فقط لكل ثابت.
تحرك “آدم” ناحية حاوية برزت فجأة بجواره من اللامكان وقال:
الآن دعوني آخذ هذه الحاوية وأضع فيها هذا النرد كله.. 200 قطعة نرد.. برأيكم ما هي احتمالية أن أهز الحاوية ثم أرمي كل النرد الذي فيها على الأرض فأحصل على الأرقام الصحيحة كلها من أول مرة؟ الحسابات تقول لي أنه من بين ( 1×10155) محاولة.. سأنجح في محاولة واحدة.. رقم مهول .. حتى يمكن تخيل ضخامة هذا الرقم تخيل أننا لو أردنا أن نكتب هذا الرقم.. فإننا لو وضعنا صفرًا على كل جسيم من جسيمات الكون كله سنحصل على ( 1x 1080 ) فقط.. ونحن لن نفرغ من كتابة هذه الأصفار ولو عشنا بلايين بلايين بلايين بلايين السنين.. من المعروف في الرياضيات أن المستحيل الرياضي هو ( 1×10150 ) .. أي احتمالية أكبر من هذه فهي ليست احتمالية بل هي مستحيلة رياضيا أن تحدث في هذا الكون ..
_220_
إذًا فاحتمالية أن تنضبط كل هذه الثوابت هكذا من أول مرة هو مستحيل رياضيًا.
نظر آدم إلى الحاضرين وقال:
دعونا نكون أكثر تواضعا.. نعم دعونا من هذه الأرقام الضخمة.. ما رأيكم أن نجرب أن نرمي فقط قطع النرد التي تمثل الثوابت التي شرحناها اليوم.. وهي فقط سبعة ثوابت.. سبع صدف سعيدة.. سأرمي هذه السبع قطع نرد.. ما هي احتمالية أن أحصل على الأرقام السعيدة الصحيحة من أول مرة ؟ الحسابات تقول لي أنه من بين 280 ألف محاولة أحاولها، سأنجح مرة واحدة.. هذه هي الحقيقة كما ترويها لنا الرياضيات.. لكن كوننا هذا إنما نشأ مرة واحدة.. نجح من المرة الأولى.. لم تكن هناك 280 ألف مرة يجرب فيها حظه.. لأنه لو فشل مرة سينهار بلا رجعة.. ما حصل هو انفجار واحد حدث مرة واحدة فأخرج كل الأرقام الصحيحة المضبوطة تماما والمطلوبة لإنشاء حياة.. هذا الكون يستحيل علميا ورياضيا ومنطقيا أن يكون قد نشأ صدفة.
هنا أضاء كرسي بنور أحمر.. كان كرسيًا منفصلًا تماما عن بقية المقاعد.. كان أشبه بمقعد متحرك فاخر يجلس عليه رجل واضح من طريقة جلوسه وانحناء رقبته أنه مشلول .. وواضح من حركة فكه وعينيه أنه لا يقدر على الكلام.. لكن كرسيه المتحرك تخرج منه شاشة كمبيوتر تواجه وجه ذلك الرجل المشلول بالضبط.. تتحرك عينا الرجل يمينا وشمالا فيتفاعل معهما الكمبيوتر الذي أمامه ويكتب كلمات وينطقها بصوت كمبيوتري .. تحركت عينا الرجل من وراء نظارته.. ثم خرج لنا صوت كمبيوتري آلي يقول لنا:
نؤمن كعلماء فيزياء أن هذا الكون له بداية.. نرجح علميا أنها مع البيج بانج.. ونؤمن كذلك أنه لم ينشأ من الصدفة.. هذا واضح.. لكن هناك نظرية جميلة يمكنها أن تفسر نشأته.. نسميها نظرية الأكوان المتعددة.. هناك أكوان كثيرة جدا موجودة في هذا الوجود.. مليارات الأكوان.. لكل منها ثوابته.. واحد منها هو كوننا الذي كانت ثوابته صالحة لنشأة الحياة.. والبقية ما بين أكوان منهارة وأكوان ليس فيها حياة.. يعني نحن نعيش في الكون الوحيد القابل لتكوين الحياة كما نعرفها.. وحولنا مليارات الأكوان التي لا تشكل حياة.. أو تشكل حياة بمعايير مختلفة عما اعتدنا.
ثم سكت قليلًا وقال:
_221_
وهناك نظرية أخرى .. نظرية الكون الدوري.. تقول أن كوننا هذا كان قبله عدد لا نهائي من الأكوان كل واحد منها نشأ بانفجار عظيم وانتهى بانسحاق عظيم.. وكل واحد منها كانت له ثوابته.. وكوننا عليه الدور الآن وهو الكون الذي كانت ثوابته مناسبة لإنشاء حياة.. ثم سينسحق.. ثم سينشأ كون آخر بثوابت أخرى .. وهكذا إلى الأبد.
رد عليه “آدم” بهدوء:
الأكوان المتعددة ليست نظرية كما اشتهر تسميتها بذلك وكذلك الكون الدوري.. إنما هي فرضيات تخيلية خيالية.. ليس عليها أي دليل واحد يثبتها.. ولقد اتفقنا في هذه المناقشة ألا نقبل أي فرضيات مهما كانت.. فإذا أردنا أن نحتكم إلى العلم يجب أن نحتكم إلى نظريات وليس إلى فرضيات تخيلية.. فالملحد لا يقبل وجود الله لأنه لا يستطيع قياسه ورصده ثم نجده يقبل فرضيات خيالية لا يستطيع قياسها ورصدها ويبني عليها معتقده.. هذا غير مقبول في مناقشتنا.
قال له “هوكينج” بصوته المعدني:
فليكن.. دعنا نتحدث في نظرية معتمدة مثل البيج بانج.. إن الأرقام التي ذكرتها كلها والتي شبهتها ببكرات الراديو التي يجب أن تضبط على أرقام معينة هي كلها قوانين حتمية ليست احتمالات.. فمثلًا يجب أن تكون الجاذبية مقدارها كذا والقوة النووية مقدارها كذا.. هذه القوانين لا رب يوجدها.. هي موجودة هكذا في العالم منذ أن بدأ.. وبسبب وجود هذه القوانين فالكون يمكنه أن يخلق نفسه من لا شيء.
قام له عالم الرياضيات المعاصر “بول ديفيس” وقال له:
سيدي.. أنا أقدر أن كتبك هي الأكثر مبيعا وأقدر الحملات الإعلانية الضخمة التي تقف وراءك.. ولكن يا سيدي لو وضعنا هذا الكلام على ميزان العلم فهو في الحقيقة لا يساوي شيئا.. مجرد كلام فلسفي على طريقة هو هكذا لأنه هكذا.. العلم لا يقبل هذا.. بالنسبة للعلم.. الحقيقة العلمية أو القانون العلمي هو مجرد وصف لحادث يحدث في الوجود.. ليس هو مسبب هذا الحدث.. القوانين لا تخلق شيئا.. قانون النسبية مثلًا يصف العلاقة بين الكتلة والطاقة.. لكنه لم يخلق الكتلة ولم يخلق الطاقة.. قانون نيوتن يقول أن الجاذبية بين جسمين تزيد كلما زادت كتلتهما وتقل كلما ابتعد بعضهما عن بعض.. هذا قانون يصف الجاذبية لكنه لم يخلق الجاذبية.. يمكنني أن أقول أن النقود التي لدي زائد النقود التي
_222_
لديك تساوي كذا.. هذا قانون يصف العلاقة بين النقود التي معنا.. لكنه لم يوجد النقود.. ولا يمكنني أن أشتري به شيئا.. ثم من الذي كتب قوانين الطبيعة لتحكم كونًا لم يتشكل بعد؟ وما الذي يلزم موجودات الكون على الالتزام بهذه القوانين؟
سكت “هوكينج” وعيناه تتحركان بتفكير.. قال “ديفيس”:
لماذا يتعب الجميع أنفسهم في حكاية الصدفة هذه؟ هناك قانون علمي معروف.. حقيقة علمية لا جدال فيها.. هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية.. يقول أن الفوضى في منظومة ما تتجه إلى المزيد من التبعثر والفوضى ما لم ينظمها مؤثر خارجي.. وهذا الكون هو كون في غاية النظام.. كون يتوسع بحذر مضبوط.. نجومه تدور حول مجراتها.. كواكبه تدور حول نجومها.. أقماره تدور حول كواكبها.. كل نجم من نجومه هو مصنع للعناصر يغذي به كواكبه ويركز جهوده على صناعة عنصرين فقط ينشئان الحياة.. مقادير ثوابته المائتين كلها مجهزة تمامًا لإنشاء حياة.. كان المفترض أن يكون كل هذا فوضويًا تمامًا.. لكن ما نراه أن كل شيء منظم محكم.. فحسب قانون الديناميكا لا بد أن يكون هذا الكون المنظم قد نظمه منظم.
أضاء ضوء أحمر عند “أينشتاين” فقام وقال:
ملاحظة صغيرة أود إضافتها في هذا الشأن.. لو كان هذا الكون فوضويا في جملته وتفصيله لما استطعنا فهمه ودراسته أصلًا.. ولما قامت للعلم قيامة.. ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.. العلم لا يتعامل إلا مع أشياء منظمة ومقننة دائما وأبدا.. أما المنظومات الفوضوية.. فلا يتعامل معها ولا يقدر على وصفها وفهمها ودراستها.. لو كان هناك صوت ديني بداخلي قد طرأ يوما ما فسيكون هو الصوت الذي ينبهر كل يوم بدقة هذا النظام العظيم الذي فوقنا وحوالينا وداخلنا والذي يجعلنا نتسابق لمحاولة فهمه ودراسته وفك شفراته كل يوم.
أضاء نور أحمر عند أحد المقاعد.. فقام سكوربيون .. المقنع صاحب الاستراحات.. إنني أحب رؤية هذا الفتى.. سيريح عقولنا قليلًا.. استأذنّا من الجميع باستراحة قصيرة ثم نعود لهم بعد حين.
_223_
عادت دفة الحديث إلى “آدم” الذي قال:
فليكن.. لقد اقتربنا من نهاية هذا السؤال.. سنختتم بجزء مسل للغاية.. سنلغي كل شيء قلناه قبل قليل وسنسلم جدلا بالصدفة.. سنسلم أن طاقة مهولة عجيبة قد نشأت صدفة من العدم ثم تحولت صدفة إلى جسيمات يتناسب عدد بعضها مع بعض تماما بالصدفة.. ثم أفنى بعضها بعضا وبقيت بعض الجسيمات بالصدفة.. فأخذت تتوسع بالصدفة بمقدار يحافظ على مكوناتها من الانهيار.. ثم عبر عمليات طويلة بالصدفة تحولت هذه الجسيمات لاحقا إلى أجرام.. مجرات ونجوم وكواكب منظمة يدور بعضها حول بعض.. وفي النجوم تفاعلت مكونات دقيقة بعضها مع بعض بطريقة مضبوطة تماما بالصدفة فأخرجت مزيجا من العناصر التي تصادف أنها هي المطلوبة تمام الإنشاء حياة.. ومن بين هذه الأجرام جميعا كان هناك كوكب يدعى كوكب الأرض تصادف أنه صالح تماما لنشأة الحياة فيه.. نعم سنفترض أننا رمينا النرد رمية واحدة فقط فاستقرت كل واحدة من القطع الـ 200 على المقدار المناسب لها تماما من أول مرة.. وأصبحت لدينا الآن أرض خصبة جميلة جدا جاهزة لإنشاء حياة فيها.. كل تلك البلايين من السنين قد مرت حتى نصل إلى هذه النتيجة.. أرض صالحة للحياة.. والآن ماذا؟ الآن.. والآن فقط.. ظهرت الجدة “لوكا”.. ولنر كيف يمكن للصدفة أن تنشئ شيئا مثل الجدة “لوكا”.
انفتح باب القاعة.. نظرنا كلنا لنرى ما سنعرف بعد قليل أنه الجدة لوكا.. هبت بعض الرياح من الخارج وأنظارنا كلها متوجهة إلى الباب.. ثم دخلت.. أو دخل.. لا أدري بماذا يوصف هذا الشيء.. لكنه كائن غريب الشكل.. كائن حي على شكل كرة ضخمة.. لم يكن يتحرك بنفسه.. إنما كانت الرياح تحركه أو تحركها..
_224_
حتى أتت به الرياح إلى حيث يقف “آدم” الذي نظر إليه وقال:
رحبوا معي بالجدة لوكا.. وأظهروا كثيرا من الاحترام والتوقير.. فلقد أجمع علماء الأحياء كلهم أن لوكا هي أول كائن حي.. أول شيء فيه روح ظهر على سطح الأرض.. كثير من العلماء يعتبرونها جدتنا وجدة كل الكائنات الحية.. وذلك حسب نظرية التطور التي تستنتج أن جميع المخلوقات الحية متحدرة من سلف واحد.. جدة واحدة.. وهذه الجدة هي لوكا أو LUCA .. وهي اختصار لـ Last Universal Common Ancestor أو السلف المشترك الأخير لكل الكائنات الحية.. وهي أبسط وأصغر كائن حي على ظهر الأرض.. نحن هنا قد كبرناه مليون مرة على الأقل حتى نراه بشكل واضح.. الآن نريد أن نقول أن هذه الجدة اللطيفة.. قد ظهرت في عالمنا هكذا بالصدفة.
نظرنا إلى لوكا المفترض أنها بسيطة.. في الحقيقة لا أدري كيف يوصف هذا الشيء بالبساطة.. جسمها عليه بروزات صغيرة مثل القباب كثيرة جدًا جدًا ومتساوية الحجم وبينها نفس المسافة تغطي كامل جسدهها كأنها سجادة متقنة الصنع.. على هذا الجسد أشياء كثيرة جدا تتحرك حركة سريعة.. أشياء تشبه فطر عيش الغراب تدور حول نفسها كالمغزل .. فتحات تنغلق وتنفتح من تلقاء نفسها كل حين.. حبات كالبازلاء تتحرك جيئة وذهابا.. شرائط مثل الثعابين تتحرك جيئة وذهابا.
قال “آدم”:
إن كل شيء في لوكا يتحرك.. هي نابضة بالحياة كما ترون.. تتعجبون أن هذا أبسط كائن حي.. هذا الكائن عبارة عن خلية واحدة بسيطة جدا.. نحن في جسدنا بلايين بلايين الخلايا.. والتي يكون شكلها الخارجي أكثر تعقيدًا من هذه بكثير.. إن لوكا هي أبسط كائن وحيد الخلية في الكون .. أبسط من البكتيريا والبروتوزوا.. ظهرت أول مرة في أعماق البحار حيث توجد شقوق في القشرة الأرضية تخرج ماء ساخنا.. من هناك بدأت رحلة الحياة.
أسند “آدم” يده على مكان من جسد لوكا ليس فيه شيء يتحرك وقال:
لا أحد يدري كيف ظهرت لوكا بالضبط.. قالوا أنها ظهرت بالصدفة.. وأن أشياء من هنا ومن هناك قد تجمعت في ملايين ملايين السنين لتخرج لنا في النهاية لوكا.. سنرى على أي حال.
_225_
اقترب “آدم” من جسد لوكا.. كانت أكبر منه بعشر مرات على الأقل.. أدى حركة بيديه فتحول جسد لوكا إلى جسد شفاف.. بحيث أمكننا أن نرى ما بداخله.. ولقد كان ما بداخلها عجيبا.. زحام من الأشياء المتحركة المختلفة الشكل.. قال “آدم”:
دعونا ننظر أولا إلى هذا القرص الدوار الشبيه بفطر عيش الغراب والمنتشر هنا وهناك على جسد لوكا.. سأقول لك مبدأيا.. هذا القرص الدوار.. وهذه الحبيبات الشبيهة بالبازلاء التي تتحرك جيئة وذهابا.. وهذه الثعابين التي تتحرك جيئة وذهابا.. وتلك الأشياء الصغيرة التي تتحرك داخل الخلية كالديدان.. هذه الأربعة أشياء كلها هي منظومة واحدة.. كلها يتعاون بعضها مع بعض لأجل صنع شيء واحد.. هذا الشيء هو دودة طويلة الذيل.. هذه هي لمن يريد أن يراها.. تسبح داخل الخلية.. هل ترونها؟ نعم هذه هي.. لكن ما فائدتها؟
قال “آدم”:
هذه الدودة هي الطاقة التي يتحرك بها كل شيء متحرك في الخلية.. هي المفتاح الذي تدخله في كل ماكينة صماء فتتحرك على الفور.. تضعه في حبة البازلاء فتتحرك جيئة وذهابا.. تضعه في الشريط الثعباني فيتحرك جيئة وذهابا.. تضعه في أي شيء فيتحرك الحركة المقدرة له.. هذه الدودة طويلة الذيل هي مفتاح الحياة.. وبدونها يسكن كل شيء.. هذه الدودة اسمها ATP .
نحن حين نأكل تحول خليانا ما أكلناه إلى دودة الطاقة ATP فنقدر على التحرك وتقدر قلوبنا على أن تنبض.. لكن لوكا لم تكن تأكل شيئا.. لوكا كانت تصنع طاقتها بنفسها من داخل نفسها عبر عملية عجيبة جدا تشارك فيها هذه التشكيلت العجيبة التي نراها تتحرك على سطحها.
عمل “آدم” حركة بيده فكبرت لوكا حتى أصبحت تحتل ثلاثة أرباع الساحة.. ثم قال:
بداية الحكاية كانت عند دودة صغيرة مسكينة تحمل فوق رأسها نقطتين مضيئتين وتتحرك داخل الخلية.. هذه الدودة اسمها NADH .. والنقطتان اللتان تحملهما على رأسها هما إلكترونان.. تابعوها بأنظاركم.. إنها تتجه بهما ناحية جدار الخلية من الداخل.. تحديدا ناحية هذا الشيء البارز من جدار الخلية والذي يشبه شجرة برأسين.. هذه الشجرة اسمها NAD Dehydrogenase .. تأتي الدودة وتضع الإلكترونين في الشجرة.. فتأخذ الشجرة الإلكترونين وتخرج بدلًا منهما بروتونين موجبين خارج الخلية.
_226_
نظرنا إلى النقطتين المضيئتين اللتين استقرتا على الشجرة.. ولاحظنا أن هناك حبة من حبات البازلاء تتحرك على جدار الخلية وتتجه ناحية الشجرة.. فتحرك الإلكترونان من الشجرة ليقفا فوق حبة البازلاء.. التي أخذت الإلكترونين ثم تحركت مبتعدة عن الشجرة.. قال “آدم”:
حبة البازلاء تتحرك جيئة وذهابا كما نرى .. تتحرك ناحية الشجرة لتأخذ الإلكترونات ثم تتوجه لتضعهما في هذا التشكيل الشبيه بالكوخ والبارز من جدار الخلية أيضا.. حبة البازلاء المتحركة اسمها Ubiquinone .. والكوخ اسمه Cytochrome bc1 .. يأخذ الكوخ الإلكترونين ويخرج بدلا منهما بروتونين موجبين خارج الخلية.
ثم نظرنا بعد الكوخ فإذا هناك شرائط تتحرك كالثعابين جيئة وذهابا.. اقتربت الثعابين من الكوخ فأخذت إلكترونا واحدا.. فنقلته بعيدا عن الكوخ ووضعته في تشكيل يشبه الصندوق .. ثم عادت الثعابين للكوخ لتأخذ الإلكترون الآخر واتجهت لتضعه بجانب أخيه في الصندوق .. قال “آدم”:
هذه الثعابين اسمها Cytochrome C .. وهذا الصندوق اسمه Cytochrome Oxidase .. تظل الثعابين تنقل الإلكترونات إلى الصندوق واحدا واحدا.. وعندما تجتمع داخل الصندوق أربعة إلكترونات.. يخرج الصندوق خارج الخلية أربعة بروتونات موجبة.
ثم قال “آدم”:
الشجرة ذات الرأسين أخرجت بروتونين.. الكوخ أخرج بروتونين. الصندوق أخرج أربعة بروتونات.. هذه البروتونات الموجبة عندما تخرج خارج الخلية هكذا.. يكون عدد البروتونات بالخارج كبيرًا وعدد البروتونات بالداخل قليلًا.. ولأن أي شيء ذائب في سائل يتجه تلقائيا من منطقة التركيز المرتفع إلى منطقة التركيز المنخفض.. تهرع البروتونات كما نرى لتدخل مرة أخرى إلى داخل الخلية.. لكن البروتونات لا تدخل من أي مكان بعشوائية.. بل تدخل تحديدا عبر هذا القرص الدوار الشبيه بعيش الغراب.. ودخولها هو الذي يحرك القرص فيدور حول نفسه.. لأن البروتونات الموجبة حين تتحرك نزولا من المكان الموجب إلى المكان الأقل موجبية تصنع فرق جهد كهربائي هو الذي يجعل هذا القرص يدور حول نفسه بهذا الشكل كالموتور.
تابعنا ببصرنا دخول البروتونات داخل الخلية و”آدم” يقول :
_227_
فلينظر كل واحد منكم إلى أقرب موتور دوار إليه.. هذا الموتور اسمه ATP Synthase .. يعني مصنع الـ ATP .. لو لاحظت ستجد أن له رأسًا دوارًا بارزًا خارج الخلية مكونًا من اثني عشر فصًا.. وله قاعدة داخل الخلية سداسية الشكل.. والرأس تنزل منه ماسورة توصل إلى القاعدة.. الآن انظروا إلى رأسه الدوار.. ستجدون أن كل جزء من أجزائها الاثني عشر يحمل بروتونا.. سيبدو الأمر وكأن هناك اثني عشر بروتونا يركبون لعبة الملاهي الدوارة وتدور بهم.. نلاحظ أن القرص الدوار يتحرك درجة ثم يقف فيسقط بروتون من بروتوناته في الماسورة.. ثم يتحرك درجة ثم يقف فيسقط بروتون آخر وهكذا.
أصدر “آدم” حركة بيده فكبر حجم جميع الأقراص الدوارة هذه بشكل مؤقت حتى نراها جيد ا ثم قال:
انظروا إلى الماسورة التي تنحدر من الرأس وتدخل في وسط القاعدة السداسية.. الجزء الذي يغوص من الماسورة داخل القاعدة يبدو شكله مثل شكل القدم.. عندما تدور الماسورة مع دوران الرأس تدور القدم في قلب القاعدة السداسية فترفس مع دورانها الستة أجزاء واحدًا وراء الآخر.
نظرنا جميعا إلى القرص السداسي السفلي و”آدم” يقول :
الآن لننظر في القاعدة السداسية.. انظروا جيدًا في كل جزء من أجزائها الستة.. كل جزء منهم فيه حجرة.. انظروا إلى حجرة واحدة منهن.. ستجدون أن هناك دودة ذات ذيل قصير أتت من داخل الخلية ودخلت داخل الحجرة.. هذه اسمها ADP .. ذيلها قصير مكون من ذرتي فوسفات.. حين تدخل إلى الحجرة ستجد ذرة فوسفات بانتظارها.. تفاجأ الدودة القصيرة أن هناك قدما قد رفست الحجرة فزلزلتها.. فترتمي الدودة قصيرة الذيل على ذرة الفوسفات فترتبطان وتكونان دودة ذات ذيل طويل اسمها ATP .. ذيلها مكون من ثلاث ذرات فوسفات.. تبقى دودة ال ATP ساكنة داخل الحجرة حتى تدور القدم دورتها فترفس الحجرة مرة أخرى فتنقذف الدودة طويلة الذيل من الحجرة إلى داخل الخلية.. وتنطلق لتهب الطاقة إلى كل شيء في الخلية.
قال “آدم”:
الدودة التي تحمل إلكترونين على رأسها والشجرة ذات الرأسين والكوخ والصندوق والبازلاء والثعابين.. كل هؤلاء كانت مهمتهم أن يخرجوا بروتونات خارج الخلية، فتجد البروتونات نفسها كثيرة فتدخل.. فلا تجد مكانًا تدخل منه
_228_
سوى القرص الدوار.. وحين تدخل من خلاله يدور .. وحين يدور يصنع دودة الطاقة ويقذفها داخل الخلية لتعطي طاقتها لكل شيء.
كان الكل ينظر في انبهار حقيقي.. هذا التركيب المعقد.. الذي تتكامل أجزاؤه بهذه الطريقة.. كيف نتج بالصدفة؟ هذا يبدو مستحيلًا.. قال “آدم”:
هذا الجدار الخلوي .. انظروا إليه.. هو عبارة عن سجادتين ملتصقتين ظهرا لظهر.. سجادة تطل على خارج الخلية.. وسجادة تطل على داخل الخلية.. كل سجادة مصنوعة من كرات متجاورة ملتصقة.. هذه الكرات كلها متماثلة الشكل والحجم والهيئة.. الناظر للجدار من بعيد يرى أنه مليء بالقباب.. بينما هذه القباب في الحقيقة هي رؤوس الكرات.. هذا الجدار الخلوي لا يمرر أي شيء منه.. إنما هو يختار من يمر ومن لا يمر.. لكن كيف يختار؟
أدخل آدم يده وحشرها داخل الكرات وهو يقول :
هذه الكرات كلها دهنية.. أي شيء يذوب في الدهن يستطيع المرور من هذا الجدار الدهني.. وأي شيء لا يذوب في الدهن.. مثل الأشياء التي تذوب في الماء.. لا تمر من هذا الجدار الدهني.. لكنها تمر من مكان آخر.
مشى “آدم” حتى واجه واحدًا من الثقوب.. وقال:
من هنا.. أي شيء لا يذوب في الدهون يمر من هنا عبر هذه الثقوب.. لكن أي شيء سواء يذوب في الماء أو يذوب في الدهن.. مروره يتم فقط إذا كانت كميته خارج الخلية كثيرة.. وكميته داخل الخلية قليلة.. لكن ماذا لو احتاجت الخلية شيئا ما وكمية هذا الشيء قليلة خارج الخلية وكثيرة داخل الخلية.. لكن الخلية تريد منه أكثر.. هل يمكن أن يمر ؟ نعم يمكن أن يمر.. من هنا.
مشى “آدم” إلى ثقب آخر في الخلية.. ثقب ينغلق وينفتح كل حين.. قال “آدم”:
انظروا إلى هذا الثقب الذي يفتح ويغلق.. انظروا تحديدًا إلى داخل الثقب.. ستجدون دودة الـ ATP طويلة الذيل تتجه لتلصق نفسها على الثقب من الداخل.. وفور أن تفعل هذا ينفتح الثقب.. فيدخل الشيء الذي تريده الخلية أن يدخل.. ثم ترون الدودة قد انفصلت عن الثقب من الداخل فينغلق الثقب.. وتعود الدودة لتسعى داخل الخلية.. وكأن دودة الـ ATP هذه مثل المفتاح الذي يتحرك من تلقاء نفسه فيفتح الثقب.. ثم يخرج نفسه من تلقاء نفسه فينغلق الثقب.
توجه آدم إلى أحد الثقوب التي تفتح وتغلق.. كان يبدو أنه يريد أن يدخل نفسه منها إلى داخل الخلية.. لكنه لا يستطيع.. لأن الثقب ينفتح وينغلق بسرعة..
_229_
أخرج “آدم” من جيبه مفتاحا.. عبارة عن دودة ATP طويلة الذيل.. فألصقه بالثقب.. فانفتح الثقب.. ومر آدم منه إلى داخل الخلية.. ثم قال:
كل هذا بالنسبة لما سترونه بعد قليل هو شيء متواضع جدًا.. انظروا معي هناك.. إلى تلك الوردة التي تسعى داخل الخلية.. هذه الأعجوبة.. هذا هو ما يسمونه الـ DNA .. كل كائن حي في الدنيا لديه في داخل خلياه DNA .. هذا الـ DNA عبارة عن خيط متشكل على شكل علامة X ملتصقة بعلامة X أخرى .. كل X اسمها كروموسوم.. والخيط نفسه اسمه DNA .. نحن البشر عندنا 64 كروموسوم في كل خلية.. لكن الجدة لوكا لديها كروموسوم واحد فقط.. وهي مثل كل الكائنات وحيدة الخلية، كروموسومها هذا ليس على شكل X وإنما على شكل وردة.. دعونا نكبر هذه الوردة لننظر إليها عن قرب.. ها هي ذي.
تبين أن الـ DNAالذي يشكل هذه الوردة ليس خيطًا واحدًا.. بل خيطان.. ملفوف بعضهما على بعض بطريقة حلزونية.. فيظهران من بعيد كأنهما خيط واحد.
أمسك “آدم” بالوردة وأصدر بيده حركة فكبرت الوردة أكبر وأكبر وأصبح يمكننا أن نرى الخيطين الملفوف بعضهما حول بعض بوضوح.. قطع “آدم” جزءًا من الوردة ومسكه في يده.. كان كأنه حبل يتكون من خيطين ملفوف بعضهما على بعض.. رفع “آدم” الحبل في وجوهنا بيديه فكبر حجمه كثيرًا حتى أصبحنا نرى فيه كثيرا من التفاصيل.. الحكاية ليست مجرد خيطين بعضهما حول بعض.. الحكاية أعقد من ذلك.. رأينا أن الخيطين ممسوك بعضهما إلى بعض بأعواد صغيرة كثيرة.
فك “آدم” التفاف الخيطين بيديه دون أن ينزع بعضهما عن بعض.. فشاهدنا خيطين متوازيين.. موصل بعضهما إلى بعض بأعواد صغيرة كثيرة موضوعة على مسافات متساوية بعضها من بعض.. دققنا النظر أكثر فوجدنا أن كل عود هو في الحقيقة ليس عودًا واحدًا.. إنما عودين ملتصقين رأسا برأس.. وحتى نتخيل أكثر مزع “آدم” الخيطين بعضهما عن بعض بيده وأمسك خيطًا في كل يد.. كل خيط كانت تبرز منه أعواد صغيرة على مسافات متساوية.. ثم وضع الخيطين بعضهما قريبا من بعض.. فتركبت أعواد هذا الخيط على أعواد ذلك الخيط فتلصق الخيطان ثم التف بعضهما حول بعض فكونا الحبل.. قال “آدم”:
هذه القطعة التي اقتطعتها من الوردة.. هذه القطعة من الحبل.. اسمها جين.. لوكا فيها 355 جين.. كل جين يعبر عن صفة من صفات لوكا.. هذه الأعواد
_230_
الصغيرة عبارة عن أحماض أمينية.. ورغم أن لدينا 20 حمض أميني في هذا العالم.. فإن 4 فقط منها هي التي تشكل أعواد الـ DNA .. سايتوسين (C) وجوانين (G) وأدينين (A) وثايمين(T) .
الـ A تحب الـ T.. والـ C تحب الـ G.. فإما أن يكون عندنا عود اسمه AT .. أو عود اسمه GC .. أو عود اسمه TA .. أو عود اسمه CG .. أربعة احتمالات.. تسهيلًا حتى نقرأ أي جين.. نحن نقرأ الحروف الموجودة على خيط واحد.. لأن الحروف الموجودة على الخيط الثاني ستكون هي المناظرة لها.. فلا حاجة بنا لذكر الحروف على الخيط الثاني.. فعندما نقرأ جينا معينا نقول أن هذا الجين مثلًا هو ATT GCC TAA TAA ACC .
قطع “آدم” قطعة أخرى من الوردة ثم قطعة أخرى .. قال “آدم”:
هذه عدة جينات كما ترون.. كل جين من هذه الجينات عبارة عن ترتيب معين من الحروف.. هذا الترتيب عبارة عن كود Code .. نلاحظ أننا نكتب حروف الجين ثلاثة ثلاثة.. كل ثلاثة حروف اسمها “كودون”.. وكل كودون هو أمر لصناعة حمض أميني واحد.. وعندما تجتمع عدة كودونات مرتبة ترتيبا معينا بعضها بجانب بعض فهي تعني وصفة لعمل عدة أحماض أمينية مرتبة ترتيبا معينا.. والأحماض الأمينية حين تترتب ترتيبا معينا تصنع شيئا يدعى البروتين.. يعني هذه الجينات هي أكواد لصناعة بروتينات.
لكن ما هو البروتين أصلًا؟ حتى توجد لتكوينه جينات وكودونات وأكواد.. هل تذكر التركيب الذي يشبه عيش الغراب ذا القرص الدوار؟ هل تذكر الشجرة ذات الرأسين؟ أو الكوخ.. أو الصندوق .. أو حبات البازلاء المتحركة؟ هل تذكر الثقوب التي تفتح وتغلق؟ والدودة التي تحمل نقطتين مضيئتين على رأسها.. هل تذكر الثعابين التي تتحرك جيئة وذهابا؟ هذه التراكيب العجيبة كلها هي بروتينات.. كل بروتين منها مكتوبة طريقة تصنيعه في جينات تحملها تلك الوردة.. كأن كل جين هو مذكرة.. كل مذكرة مكتوب فيها طريقة تصنيع تركيب أحد البروتينات.. هذه المذكرات كلها – الجينات – يجتمع بعضها مع بعض في كروموسوم واحد متصل.. كتاب واحد.. يشرح طريقة صنع كل بروتين موجود في لوكا.. إذًا لو أن هذا الكتاب مكتوب فيه طريقة الصنع.. أين الصنع نفسه؟
رمى “آدم” كل الجينات التي معه وأبقى واحدا فقط في يده وقال:
هذا الجين فيه وصفة عمل بروتين الشجرة ذات الرأسين.. والآن انظروا جيدًا.
_231_
كبر آدم الجين عشرات المرات حتى أصبحنا نرى الخيطين الملتفين وتفاصيلهما.. وفجأة جاءت بيضة تسبح ناحية “آدم”.. ثم تحركت البيضة إلى طرف الجين فأمسكت به وأدخلته في جسمها.. لم نكن نرى ما بداخل البيضة.. لكن آدم عمل حركة بيده فانكشف لنا ما يحدث داخل البيضة.. قال “آدم”:
هذه البيضة عبارة عن بروتين هي الأخرى .. واسمها RNA Polymerase .. تابعوا ما يحدث.
رأينا البيضة بعدما أمسكت بطرف الجين وأدخلته في قلبها.. بدأت تتحرك ببطء على الجين باتجاه طرفه الآخر.. وبينما تتحرك كان هناك شيء عجيب يحدث في داخلها.. في البداية لاحظنا أن الخيطين في داخلها منفك بعضهما عن بعض.. فقط في داخلها.. كان هذا عجيبا لأنها لو كانت تفك الخيطين وتتجه ناحية الطرف الآخر.. سيتوجب أن نراها تخلف وراءها خيطين مفكوكين بينما تمشي.. لكن لم يكن هذا هو الحاصل.. كان ما نراه هو أنها تفك الخيطين بداخلها هي فقط.. ثم يبدو أنها تعيد لحمهما بينما تمشي.. لم نفكر كثيرا في أمر الفك والإلحام هذا لأنه كان هناك شيء أكثر غرابة يحدث.
أوقف “أدم” البيضة.. فنظرنا إلى الخيطين المفكوكين داخلها.. خيط سفلي وخيط علوي وكل خيط عليه أعواد.. حجم البيضة لا يسع إلا لأن ترى داخلها عودًا واحدًا يخرج من الخيط العلوي وعودا يخرج من الخيط السفلي.. وفجأة ظهرت شريطة قصيرة من مكان ما وهي تحمل عودا هي الأخرى .. دخلت الشريطة داخل البيضة ووضعت العود الذي معها على العود الذي في الخيط السفلي.. وأصبحت البيضة تتحرك على شريط ال DNA عودا عودا.. وكل عود تمر عليه البيضة نجد أن هناك شريطة جاءت من مكان ما ووضعت عليه عودا.. فتمشي البيضة وتلتصق الأعواد على الأعواد.. فيتكون شريط كامل يخرج من طرف البيضة الخلفي بينما تمشي.. كان يبدو وكأنها نسخت شريطا مناظرا لأحد الخيطين.
قال “آدم”:
هذه البيضة تنسخ نسخة من أحد الخيطين.. كما نرى هي فكت الخيطين ومشت من طرف الجين إلى طرفه الآخر لتنسخ نسخة من أحد الخيطين.. وها هي النسخة تخرج منها.. هذه النسخة اسمها Messenger RNA .. وهي عبارة عن خيط واحد يخرج منه أعواد.. نسخة من أحد الخيطين.. والآن انظروا ماذا يحدث في هذه النسخة المصنوعة.
_232_
تحركت النسخة المصنوعة ناحية شيء ما يبدو مثل الطبق فوضعت نفسها عليه وكأنها خيط معكرونة يضع نفسه على طبق من أطباق الطعام.. ثم جاء شيء آخر يبدو مثل الغطاء وغطى الطبق.. مثلما تضع غطاء آنية الطهو على طبق.. كشف لنا “آدم” ما يحدث داخل الغطاء.. وقال لنا:
هذا الخيط المنسوخ.. هو مثل الخيط العادي تماما.. كل ثلاثة أعواد فيه اسمها كودون .. وكل كودون يعبر عن حمض أميني.. انظروا هناك.
نظرنا فإذا هناك شيء قادم يشبه مقبض الباب.. قال “آدم”:
دعونا من الغطاء والطبق والمعكرونة وركزوا قليلًا في هذا المقبض.. اسمه Transfer RNA .. يحمل على رأسه سلسلة متشعبة الشكل.. ويحمل على قاعدته ثلاثة أعواد.. السلسلة المتشعبة التي يحملها فوق رأسه هي حمض أميني واحد من الـ 20 حمض أميني الموجودين في العالم.. والثلاثة أعواد التي تحته هي الثلاثة أعواد التي تعبر عن هذا الحمض الأميني.
انطلق المقبض بسلسلته وأعواده ناحية ذلك الغطاء والطبق والمعكرونة.. انظروا.. إنه يضع أعواده الثلاثة على أول ثلاثة أعواد في الشريط المنسوخ.. والآن انظروا إلى يمين الطبق.
نظرنا فإذا هناك كثير من المقابض آتية.. وكل مقبض يحمل على رأسه سلسلة متشعبة ويحمل أسفله ثلاثة أعواد.. وكلهم توجهوا ناحية الغطاء والطبق.. ثم نظموا أنفسهم طابورا.. حتى يدخلوا إلى الطبق واحدا واحدا.. دخل المقبض الثاني إلى الطبق ووضع أعواده الثلاثة على الثلاثة أعواد التالية من الشريط المنسوخ… فصار الطبق عليه مقبضان متجاوران كل واحد منهما يحمل سلسلة متشعبة على رأسه.. فالتصقت السلسلتان المتشعبتان وانفصل عن مقابضهما.. ثم خرجت المقابض من الطبق.. ثم دخل بعدهما مقبضان آخران.. يحملان حمضين أمينيين آخرين.. التصقا بالحمضين الأولين فصار لدينا أربعة.. ظلت المقابض المنتظمة كالطابور تدخل واحدا واحدا إلى داخل الطبق وكل واحد منها يحضر حمضه الأميني ويلصقه في الأحماض الأمينية المتكونة.. ولما انتهى الشريط المنسوخ ولم تعد فيه أعواد.. خرجت الأحماض الأمينية الملتصقة من الطبق.. كانت عبارة عن سلسل متشعبة بلا أي شكل ولا مظهر.
ثم شاهدنا شيئا عجيبا.. هذا الشكل الغير منتظم.. هرعت إليه عدة أجسام ذات أشكال غريبة نحن في حل من وصفها.. أحاطت به هذه الأجسام.. بعض هذه الأجسام صار يلوي السلسل بطريقة معينة.. وبعض الأجسام صار يشكل
_233_
السلسلة مثل الصلصال.. بعض الأجسام كان يحمل على رأسه ذرة فوسفور أو ذرة كبريت فيضعها داخل السلسلة.. شيئا فشيئا كنا نشاهد تخليق الشجرة ذات الرأسين.. وظللنا نشاهد العملية حتى تمت.. الكل كان يشاهد بانبهار حقيقي.. كثير من العلماء الذين لم يعرفوا هذه الأمور أراهم يدونون كثيرا من الملاحظات على أوراق أمامهم.. قال آدم:
هذه الأشياء التي هرعت لتشكيل السلسلة هي بروتينات خاصة موجودة داخل الخلية مهمتها تخليق الشكل الغير منتظم لتصنع منه بروتينا معروف الشكل.
هرع أحد الحراس إلى “آدم” وأعطاه ورقة.. نظر “آدم” في الورقة وقال:
هناك سائل كتب سؤاله على ورقة بينما نشاهد العرض.. يقول من أين أتت المقابض بالأحماض الأمينية التي كانت تحملها على رأسها.. هل هذه الأحماض الأمينية موجودة أصلًا داخل الخلية أم أن الخلية تحصل عليها من الخارج؟ حسنا.. إن هناك 500 حمض أميني في هذا العالم.. فقط 20 منهم هم الذين تستخدمهم الخلية لصناعة البروتينات الخاصة بها.. هؤلاء الـ 20 تتم صناعتهم في الخلية نفسها.. لكل واحد طريقة تصنيع معقدة جدًا.. لن نتحدث عنها طبعا لأنه لا وقت لهذا.
ثم قال “آدم”:
هناك عمليات أخرى تحدث في لوكا لم نتحدث عنها.. عمليات معقدة جدًا.. مثل عملية الانقسام.. إن لوكا تقسم نفسها إلى نسختين.. حتى تستمر في الحياة.. تتكاثر بالانقسام.. وهي عملية معقدة نحن في حل من وصفها أيضًا.
صغر “آدم” لوكا حتى استطاع أن يمسكها بين يديه كالكرة.. وقال:
هذا المخلوق الشديد التعقيد من داخله.. هو أبسط كائن حي على هذه الأرض.. يمكنني أن أتخيل مثلًا أن هناك بضعة عناصر وأجسام لا فائدة منها وضعت في بركة مليئة بالتيارات المائية التي تلعب بهذه الأجسام والعناصر يمينا وشمالا.. وأن هذه البركة ظلت تلعب بالأجسام والعناصر هكذا مليون سنة.. يمكنني أن أتخيل أنه بعد هذه الفترة الطويلة مثلًا يمكن أن يتصادف أن يظهر شكل اعتباطي عبارة عن شجرة ذات رأسين.. ويمكنني أن أتخيل أن مليون سنة أخرى مرت من تحريك العناصر والأجسام واحتكاكها.. فظهر شكل آخر اعتباطي عبارة عن صندوق .. وبعد مليون سنة أخرى ظهر شكل كالكوخ.. وبعد مليون سنة أخرى ظهر شكل مثل الدودة.. كل هذا يمكنني تخيله.. لكن أن تتفق الدودة
_234_
والصندوق والكوخ والشجرة ذات الرأسين على أن يتموضعوا كلهم على سجادة معقدة الصنع تكونت هي الأخرى في مليون سنة بالصدفة.. ثم أن يتفقوا على أنهم سينتظمون بهذه الطريقة ليقوموا بمهمة واحدة.. وهي تأمين فرق بروتوني يسمح لهذا الشيء الشبيه بعش الغراب أن يدور حول نفسه وينتج مركبات طاقة.. لأن مركبات الطاقة هذه ستجعل هذه الأشياء تتحرك كلها.. ثم يتصادف أن هناك شريطا غريب الشكل لديه خيطان وأعواد بينهما.. وأن هذا الشريط يحمل طريقة عمل كل هذه التكوينات التي تكونت بالصدفة أصلًا في مليون سنة.. هذا طبعا هراء.. لذلك ظهر عدد من الفرضيات التي تحاول أن تفهم كيف خرج لوكا بالصدفة.
قال “آدم”:
طبعًا بما أن كل التركيبات التي في الخلية موصوفة بالتفصيل على شريط الـ DNA ..فالمنطق يقول أن هذا الشريط هو الذي ظهر أولا.. وكان يحمل على ظهره طريقة صنع البروتينات.. عش الغراب الدوار والكوخ والجرة ذات الرأسين والدودة والبازلاء والبيضة السحرية والطبق والغطاء.. فرضية جميلة.. لكن من أين ظهر الجدار الخلوي .. السجادة.. هي ليست موصوفة في الـ DNA لأنها ليست بروتينا بل هي كرات دهنية منتظمة.. من أين أتت؟ المفترض إذًا أنهما ظهرا معًا.. شريط الـ DNA والسجادة.. وقد أحاطت السجادة بالشريط بالصدفة.. جميل.. بدأنا نفكر في الاتجاه الصحيح.
قال “آدم”:
الـ DNA مكون من خيطين وأعواد.. الأعواد هي أحماض أمينية.. الأحماض الأمينية هذه لا تأتي من الفضاء وإنما تتصنع داخل الخلية.. وحتى تصنعها الخلية تحتاج إلى إنزيمات.. والإنزيمات هي بروتينات.. والبروتينات مكونة من أحماض أمينية.. يعني أنت حتى تصنع أحماض أمينية تحتاج إلى بروتينات مكونة من أحماض أمينية.. دوامة جميلة ستأخذك داخلها ولن تخرج منها أبدا.. لو لم تفهمها اقرأها مرة ثانية.
أشار “آدم” بيده وقال:
لا عليك.. افترض أن الأحماض الأمينية هبطت عليك من الفضاء كلها حتى تحل لك هذه المشكلة.. الآن لديك أحماض أمينية كثيرة مجانية.. وتريد أن تصنع منها إنزيمات )بروتينات(.. وحين تصنع إنزيمات ستستخدمها لتصنع الأعواد..
_235_
وحين تصنع الأعواد ستصنع منها الـ DNA .. جميل.. لكن وصفة تصنيع الإنزيمات مكتوبة في أحد الجينات على خيط الـ DNA .. وحتى تقرأ هذه الوصفة وتصنع الإنزيم ستحتاج إلى البيضة السحرية والطبق والغطاء والمقابض.. وهؤلاء طريقة تصنيعهم مكتوبة في جينات أخرى على خيط الـ DNA .. يعني أنت تحتاج إلى الـ DNA حتى تتمكن من صنع الـ DNA .. دوامة أخرى .. دعك من أنه لا توجد أحماض أمينية تهبط من الفضاء أصلًا.. ولو لم تستوعب كلامي اقرأه مرة ثانية.
أكمل “آدم”:
دعك من الأعواد.. افترض أنها هبطت علينا من الفضاء.. الآن لديك أعواد مجانية.. تريد أن تضعها على شريط الـ DNA .. الشريط نفسه مصنوع من سكر الرايبوز والفوسفات.. سكر الرايبوز حتى تصنعه تحتاج إلى إنزيمات.. والإنزيمات بروتينات.. والبروتينات طريقة تصنيعها مكتوبة في الـ DNA .. عدنا إلى الدوامة.. حتى تصنع شريط الـ DNA أنت تحتاج إلى DNA .. مشكلة!
قال “آدم”:
دعك من شريط الـ DNA كله.. إنه صعب.. لننظر إلى الجدار الخلوي .. هل يبدو أسهل في تصنيعه؟ لاحظ أن الجدار الخلوي عليه بروتينات كثيرة هو الآخر.. الكوخ والشجرة والصندوق وغيره.. دعك منها كلها.. لا نريدها.. نريد أن نصنع جدارا خلويا بدون هذه الأشياء.. ماذا عن الثقوب التي تفتح وتغلق من تلقاء نفسها في الجدار.. ألا تريدها؟ هي أيضا بروتينات.. فليكن.. لا تريدها.. تريد أن تصنع جدارا خلويا بدون ثقوب تغلق وتنفتح أوتوماتيكيا.. تريد جدارا فيه ثقوب عادية.. هذا يبدو سهلًا.
أكمل “آدم”:
افترض أن هناك جدارًا خلويًا قد كُونت بكراته الذهنية وذيوله بالصدفة في مليون سنة وفيه ثقوب عادية هنا وهناك.. وأنه تشكل على شكل كرة.. جميل.. ها هو قد أصبح خلية فارغة بلا ثقوب.. الآن لو تركت هذه الكرة في الماء وحدها ستنفجر.. لماذا؟ بسبب خاصية الانتشار.. الأشياء تتحرك من المنطقة ذات التركيز المرتفع إلى المنطقة ذات التركيز المنخفض.. الماء خارج الخلية الفارغة كثير.. وداخلها قليل.. ستجد الماء قد انتقل عبر ثقوب الجدار العادية إلى داخل الخلية.. وستجده ظل ينتقل وينتقل حتى يملأ الخلية كلها ثم تنفجر.
_236_
ما الحل لهذا في الخلية العادية؟ الخلية العادية فيها ثقوب تنفتح وتنغلق.. بمفتاح هو الـ ATP لتدخل إليها بعض الأشياء التي تحتاجها الخلية.. هل تذكر هذا؟ برأيك ما الذي تفعله الخلية بهذه الثقوب التي تنفتح وتنغلق؟ هي تستخدمها في أن تطرد الصوديوم منها وتدخل البوتاسيوم.. هذه الحركة تصنع توازنا يمنع مزيدا من الماء أن يدخل لداخل الخلية ويفجرها.. كل الخليا تفعل هذا.
إذًا حتى تحمي خليتك الفارغة تحتاج إلى ثقوب تنفتح وتنغلق بمفتاح هو الـ ATP .. هذه الثقوب عبارة عن بروتينات والـ ATP لا يصنعه سوى ذلك القرص الدوار الشبيه بعيش الغراب.. والقرص الدوار حتى يصنع لك الـ ATP يحتاج للكوخ والصندوق والشجرة.. كل هذه البروتينات والقرص والثقوب التي تنغلق وتنفتح طريقة تصنيعهم مكتوبة في الـ DNA .. يعني حتى تنشئ جدارا خلويا أنت تحتاج إلى DNA .. نفس الدوامة.. عدنا مرة أخرى إلى الـ DNA .
ختم “آدم” بقوله:
الأمر مثل أن يكون لديك برنامج كمبيوتر مهمته أن يصنع لك كمبيوتر.. هذا البرنامج مكتوب بلغة برمجة معينة.. لكنك حتى تكتب البرنامج بلغة البرمجة المعينة تحتاج إلى كمبيوتر لتكتب عليه.. باختصار أنت تحتاج إلى كمبيوتر لتكتب برنامجا يصنع لك كمبيوتر.. كيف تؤمن أن الكمبيوتر قد نشأ بالصدفة من تلقاء نفسه وكتب برنامجا دقيقا جدا لصناعة نفسه ولصناعة كمبيوتر أكبر؟ لو كان للمستحيل تعريف.. فهذا هو.
الخلاصة أن لوكا يستحيل أن تكون قد تكونت بالصدفة.. بأي طريقة وأي منطق في الأرض.. وكوننا الكبير المنظم هذا يستحيل رياضيا أن يكون قد تكون بالصدفة.. لأن 200 قطعة نرد يستحيل رياضيا أن يعطوك أرقاما صحيحة من رمية واحدة.
نظر “آدم” إلى المبارك وقال:
سيدي.. يمكنك أن تذكر رأي الدين في حكاية الصدفة هذه.. ولك أن تختصر في ذلك.
قال “المبارك”:
إن ربي هو الذي يدبر الأمر في السماء والأرض.. سبحانه لا يخلق شيئا عبثا
_237_
يقول : ﴿ أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ * فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ﴾.. ويقول : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾.. يعني أظننتم أنكم خلقتم من لاشيء.. أظننتم أنكم خلقتم هكذا عبثا؟! بل الله الذي خلق سبحانه وإليه ترجعون.
ثم سكت “المبارك”قليلًا وقال:
بالطبع لم تأت السماوات والأرض والدواب ولم يأت الإنسان صدفة.. بل إن ربي هو الخالق والمدبر والعليم بكل شيء كما قال : ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾..
دعك من كل هذا الذي سمعته اليوم وألقه خلف ظهرك.. أنا سأعطيك لوكا مجانية.. سأعطيها لك ميتة لا حياة فيها.. فيها DNA وفيها جدار خلوي وفيها بروتينات وإنزيمات وشجرة وكوخ وثقوب تنفتح وتنغلق.. خذها مجانية مني لك.. أريد منك أن تحييها.. دع الصدفة والعبثية جانبا.. اشتغل عليها في معاملك.. حرك ما تريد أن تحركه فيها وضع هذا بجوار هذا.. وجرب أن تحييها بعد أن ماتت.. دعك من لوكا.. سأعطيك إنسانا كاملًا.. كل أجهزته موجودة.. لكنه ميت.. هل تقدر على أن تعيد له الحياة ؟ بل إنك لو وضعته في معمل واشتغلت عليه بلايين السنين تجرب كيف تحييه.. لن يحيا.. هل تعرف لماذا؟ لأنه بغض النظر عن كل التركيبات المعقدة في خلياه وفي أعضائه وفي قلبه.. كل هذا هو مجرد وعاء.. هناك شيء آخر يدعى الروح.. هذه الروح توضع في هذا الوعاء فيحيا.. وتنتزع من هذا الوعاء فيموت.. هل تعلم ما هي الروح أصلًا؟ علم الإنسان لم يعرف.. لأن فوق كل ذي علم عليم.. وربي سبحانه هو الذي خلق الروح.. وهي تحدي أمام البشر.. يقول الله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾..
قال له “آدم “:
أوجزت فأجدت يا سيدي شكرا لك جزيلًا.. يمكننا أن نقول أننا أجبنا عن هذا السؤال من الناحيتين العلمية والدينية.. أرجو ألا تكونوا قد مللتم. ثم انحنى لنا وانحنى للجميع.. وقمنا أنا وأنت وقام العلماء يستعدون للمغادرة.. توجهنا إلى الكرولر التي كانت تنتظرنا بمنظرها الدودي المميز.. دخلنا فيها وانطلقنا من فورنا خارجين.
***
_238_
إنها المرة الأولى التي أرى فيها هذه العمة لوكا.. حقا شيء عجيب جدا الذي رأيته اليوم.. لا أتخيل حقا كيف أن هذا الشيء الشديد التعقيد قد جاء بالصدفة.. مهما ألفوا في ذلك من نظريات.. هذا الشيء مخلوق مخلوق مخلوق .. ولا احتمال فيه للصدفة أبدًا.
كنا قد وصلنا إلى القاعة.. نظر لي “سكوربيون” وأنا أتحدث فقال لي:
يبدو لي أنك أنت الثرثار يا هذا.. دعه لي قليل فلا بد أنكم قد ورمتم عقله بأحاديثكم العلمية المفصلة.

هل انتهيت منه يا سكورب.. كنت قد بدأت أنام هنا.. هيا إلى الصفحة الأخيرة يا عزيزي .. أقترح عليك أن تلعب لعبة العد وتختار العالم القادم اعتباطيا.. هذا أكثر إثارة صدقني.

***
_239_

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق