قصص

رواية ارض السافلين …الجزء الرابع

_48_
مهلاً.. أهذه “الكرولر” تسير بسرعة أم أنه يخيل إلي.. هل تشعر أن هذه “الكرولر” تتسارع كل ثانية؟
هل هناك خلل ما؟ السرعة تتزايد حقا.
حاول أن تفعل شيئا.. لقد أصبحت السرعة لا تطاق.
حرك أي شيء يمكن أن يتحرك في هذه الراحلة الغبية.. يا إلهي! أيها الأحمق.. نحن سنصطدم بهذا المبنى.. لا يوجد وقت للقفز بعيدًا.. انتبه!
مررنا من جدار المبنى بالكرولر وكأننا أشباح.. وكأن الكرولر هي الأخرى شبح.. أصبحنا داخل المبنى.. لم أعد أرى أمامي إلا كرولر تتحرك بسرعة محمومة على سلالم مبنى قديم طويل.. وتصعد.. ثم تستدير.. وتصعد.. هذه الكرولر ستقتلني يومًا ما.. إلى أين يأخذنا هذا الشيء؟ هناك أصوات تقترب بينما نستمر في الصعود.. إهدأ قليلا حتى أركز.. أليست هذه أصوات شياطين؟ إنها تبدو مألوفة لي.. ألا تبدو مألوفة لك؟ هناك صوت حية.. ألا تميزه؟ إنها تحت قدميك.. لا ترفع قدمك هكذا.. لا تقلق هذا شيطان.. والشياطين لا تؤذي الأقدام.. إنه يصعد إلى رقبتك ويلتف عليها ويرفع رأسه بمواجهتك.. أنا أعرفه.. إنه “سيربنت”.
لا تفزع هكذا يا رفيق.. لقد توقفت الكرولر.. بالنسبة للشيطان “سيربنت” فهو ليس مؤذيا.. هيا ترجل عن هذه الراحلة.. ما زال أمامنا سلم واحد لنصعده بنفسنا.. هل تسمع صوت الشياطين بالأعلى؟ من قال أن “سيربنت” هو الوحيد.. ما زال هناك ستة غيره.
هذا العالم هو عالم الوهم والكذب والخداع والتضليل.. ضع هذه الكلمات كلها في كلمة واحدة واعتمدها اسما لهذا العالم.. الشياطين وجودها طبيعي هنا… لكن هذه الشياطين التي نسمع صوتها بالأعلى تبدو مألوفة جدًا لي.. لقد أخذتنا أرض السافلين إلى داخل جو رواية أثارت جدلًا مؤخرًا.. أنتيخريستوس.
ليس هناك وقت لأشرح لك الموضوع.. لكن باختصار مخل أقول لك.. إن بطل الرواية “بوبي فرانك” يحبس نفسه في أعلى هذا السلم وراء هذا الباب.. وهناك سبعة شياطين عند الباب يطالبون برأسه.. إنهم يحاولون فتح الباب والدخول
_49_
إليه لكن يبدو أن “بوبي” يحجزهم عنده بتعويذة ما.. ليس هذا فقط بل إنه يسخرهم بتعويذة أخرى ليدخلوا إليه واحدًا واحدًا .. يحكون له ما يعرفونه من أسرار العالم .. و كلما دخل واحد خرج بعد حين ودخل الذي يليه .. لكن تعاويذه و تساخيره مؤقتة ثم سيكسرون عليه بابه بعد قليل و سيقطعون رأسه و رأس كل من يستمع إليه .. فإنما هو يؤخرهم حتى حين .. حتى ينهي ما يريد أن ينهيه بالداخل .. لا تفتح فمك هكذا .. إتفقنا أن هذا إختصار مخل .. دعنا فقط ننهي ما أتينا لننهيه .. المفترض أننا سنمر بين هذه الشياطين كلها لندخل إلى “بوبي فرانك” في غرفته .. لأن هناك أوراقًا في رواية أنتيخريستوس بقيت عند “بوبي” و إحترقت معه و لم تنشر .. و نحن هنا لمعرفه فحوى تلك الاوراق.
هل يمكنك أن تمسك هذا الشيطان المتعلق برقبتك و ترمي به بعيدًا الآن؟ حتى يمكننا ان ندخل على الأقل .. هناك سبعة شياطين ينظرون لنا بينما نمر من بينهم .. لكن هؤلاء ليسوا كل شياطين أنتيخريستوس .. فهناك شيطان ثامن تم ذكره فقط في الأوراق التي إحترقت .. وهذا الشيطان الثامن موجود الآن بالداخل عند بطل الرواية .. و إننا لا بد أن ندخل الآن حتى نعرف حكايته بأنفسنا.
رائحة عطنة قابلتنا لمّا دخلنا .. شموع .. غرفة صغيرة غير مرتبة .. شاب يعطينا ظهره و يجلس على طاولة صغيرة ينهمك في كتابة شيء ما .. “بوبي فرانك” .. هذا هو .. لقد دخلنا في قلب عالم هذه الرواية الآن.
كان بوبي يكتب..
مازلت لم أنتهِ بعد .. بل إنني لأم أصل حتى إلى نصف ما أريد .. سيكون حظي وافرًا لو أمكنني أن أحدثك بكل ما علمت .. وسيكون حظك وافرا لو وصلك حديثي كاملًا .. لدينا الآن ورقة واحدة فقط .. ورقة الإعلام .. وعليها صورة تلفاز ضخم عليه صورة رجل يبدو أنه مذيع .. وأمام التلفاز الضخم يحتشد عشرات الرجال و النساء يسمعونه في إنهيار .. ورغم أنها ورقة واحدة فإن مقامها مقام عشرة أوراق .. أو أكثر .. يكفي أن تعرف أن الشيطان الذي سيحدثنا عنها هو “ديكوري” .. هاهو “ديكوري” قد أتى .. بحلة سوداء و شعر أسود مصفف و قفاز أسود .. كل شيء فيه أسود .. أنيق .. له ملامح وسيمة جدًا .. يبدو مهيبًا .. فلنستمع إلى هذا الكيان الآتي.
***
انا الخدعة التي تخدعك كل مرة وتستغفلك كل مرة .. وتصدقها كل مرة.. لشدة بلاهة منك .. أو لشدة ذكاء مني .. أنا العصابة الموضوعة على عينيك ..
_50_
والتي تسمع من بعض الناس أنها موجودة لكنك لا تهتم.. ولا تصدق .. أنا السجن الذي دخلت فيه بقدميك وأعطيتني المفتاح.. السجن الذي لا ترى له قضبانا.. السجن الذي يسجن عقلك.. وإني لست بمخرجك منه بعد إذ دخلته.. وإنك لست براغب في الخروج.. لأنك إمعة.. لا رأي لك ولا فكر.. وإن ظننت أنك صاحب رأي.. فرأيك هو رأيي أنا الذي لقنتك إياه.. أنا أحب أن أفعل هذا بك.. أحب أن أسوقك ورائي كالجرو.. فإذا نبحت وارتفع صوتك أرمي لك شيئا لتجري وراءه ويلهيك.. فتكف عن النباح.
أنت محظوظ اليوم لأنك أصبحت تملكني.. بتعويذة من تعاويذ “بوبي فرانك” التي لا أدري من أين يأتي بها بالضبط.. محظوظ لأنني أنا – صاحب السجن – سأضع يدي في جيبي اليوم وأخرج ذلك المفتاح الذي أعطيتنيه من قبل وأفتح لك.. وأحررك من هذه القضبان كلها.. وآخذك معي لترى ما غفلت عنه أو تغافلت عنه.. أو أغفلتك عنه أنا وصدقتني.
تعال معي إلى جبال روكي.. أجمل جبال في العالم.. متع بها ناظريك.. فإني آخذك إلى جوفها.. إن هذه الجبال هي كنوز.. فمثل أنها تحف تزين وجه الأرض.. فهي تحمل في جوفها منافع لولاها لما قامت أمريكا على أقدامها ولما صار لها قيمة ووزن .. اليوم سأريك كنزا واحدا من كنوز جبال روكي.. هذا الكنز هو الفحم.. هنا يرقد وقود أمريكا.. في نهايات القرن التاسع عشر.. أيام كان الفحم هو الوقود قبل أن يأتي البترول.. كانت هناك عدة شركات كبيرة تعمل على استخراجه من مراقده.. وأهم وأقوى هذه الشركات كانت شركة CF&I .. إحدى شركات الروكيفيلر.
ورغم أن الروكيفيلر كانت ولا تزال لديهم مساوئ عدة.. فإن تلك الفترة وحدها من تاريخهم.. كانت مضيئة.. بسبب شخص واحد كان يملك الشركة وقتها خلفًا لأبيه.. وكان يختلف عنهم كثيرًا في الأفكار والتوجهات.. كان يدعى جون دي روكيفيلر جونيور.. ولا يختلف اثنان على أن جون دي جونيور هذا هو واحد من الأركان التي قامت عليها أمريكا في ذلك الوقت.
لم يكن على طراز الروكيفيلر السابقين واللاحقين.. كان محسنًا كريمًا.. الفقراء يصيبون كثيرًا جدًا من ماله الوفير.. متواضعًا يجالس العمال البسطاء ويهتم بشؤونهم الصغيرة البسيطة.. وكانت لديه عين رجل أعمال تقتنص الفرصة حين تراها.. ولا تتركها حتى تحولها إلى ثروة.. قرأ الرجل يومًا نبأ اكتشاف أحد
_51_
عروق الفحم في جبال روكي في كولورادو.. فأنشأ فورًا شركة CF&I لتستخرج الفحم من تلك العروق.
بسبب هذه الشركة وعملها في ذلك الوقت تم توظيف عشرات آلاف الرجال.. ولم يكن يفرق في التوظيف بين أبيض أو أسود أو هندي أو مكسيكي.. كان يوظف الكل ويهتم بالكل.. وليشجع الرجال على العمل.. كان يعطيهم أجرا على قدر ما يستخرجه كل رجل منهم من الفحم.. كان الواحد منهم يعمل ساعات طوال بلا مشاكل عالمًا أن أجره سيكون على قدر تعبه.. حتى إن كثيرًا من الرجال أصبحوا يشجعون أطفالهم على العمل معهم.
تعال لنقترب من موقع عمل هؤلاء العمال.. أريد أن أريك شيئا.. انظر إلى هذه المساكن المتجاورة هناك.. هذه مساكن خاصة بناها الروكيفيلر لأجل عماله.. مساكن دافئة وواسعة وحديثة.. من كثرتها تشعر أنها مدينة صغيرة.. لديهم محلات خاصة بهم هنا.. كل شيء فيها رخيص.. فلا يحتاج الواحد منهم أن يشتري من مكان آخر.. تعال من هذه الجهة وحاذر جيدا.. فقد تأتيك رصاصة في رأسك بينما نمر.. لا تتعجل التفاصيل.. فقط اخفض رأسك وتعال من هنا.
هل ترى هذه المخيمات هناك على الجهة المقابلة للمساكن؟ هذه المخيمات هي بداية قصة دموية بعض الشيء من تاريخ أمريكا.. قصة تدعى مذبحة ليدلو.. عندما قرر مجموعة من العمال في مناجم الروكيفيلر عمل إضراب عن العمل لأنهم يريدون زيادة في حصتهم التي تعطى لهم مقابل الفحم.. لم تكن هذه مشكلة.. من حق أي عامل أن يطالب بزيادة في دخله.. ومن حق أي عامل أن يبدأ إضرابا.. لكن هؤلاء لم يكن الإضراب الذي فعلوه إضرابا عاد يا.. لقد كان إضرابا مسلحا.
خرجوا من مساكن الشركة وقرروا أن يبنوا خيامًا هناك في تلك الجهة ويسكنوا فيها.. المشكلة أنهم بنوا هذه الخيام لتعترض طريق الموظفين العاديين.. فلم يكن يستطيع أحد أن يدخل أو يخرج من الشركة إلا بعد المرور على خيامهم هذه.. وكلما مر موظف عادي من أمامهم ضايقوه.. ودعوه للانضمام إليهم.. وإذا رفض شتموه وأطلقوا عليه النار ليخوفوه.. وإذا رد عليهم ردًا لا يعجبهم قتلوه.. كانوا ببساطة عصابة يرأسهم رجل يدعى “لويس تيكاس”.
كانوا متوحشين.. وفورًا اتصل جون دي روكيفيلر بالحكومة وطلب إرسال حرس وطني خاص لحماية عماله.. وبالطبع تجاوبت معه الدولة على الفور
_52_
وأرسلت فرقة خاصة من الحرس الوطني لتحرس الموظفين الداخلين والخارجين من الشركة.. وكانت هناك محاولات للتفاوض مع هؤلاء العمال المضربين المتوحشين بكل الطرق ولكن كلها باءت بالفشل الذريع.
كانوا إذا ملوا من الجلوس في الطرقات هكذا خرجوا في مظاهرات في شوارع المدينة.. يشتمون في الروكيفيلر.. وتقودهم امرأة يسمونها الأم جونز.. كانت صاحبة بيت دعارة شهير في كولورادو.. ولم يكن هذا غريبًا.. فدائمًا أصحاب السوء يكون بعضهم عونًا لبعض.. كان الحرس الوطني الذي عينته الدولة حذرًا جدًا في التعامل معهم.. لأن معهم نساءهم وأطفالهم في تلك الخيم.. ثم جاء اليوم الموعود.. يوم مذبحة ليدلو.. حقا لم يكن جلوسهم في خيامهم هكذا وتصرفاتهم العدوانية تبشر بأي شيء أفضل مما حدث في ذلك اليوم.
في ذلك اليوم وجد الحرس الوطني جثة موظف من موظفي الشركة مقتولا ببشاعة ومخبأ وراء إحدى الزوايا.. غضب الحرس الوطني وانطلقوا بسياراتهم ناحية الخيام ليحققوا في الأمر.. فقابلتهم رصاصات من المضربين المسلحين.. فجرح كثير من رجال الحرس الوطني الذين اتخذوا ساترًا وتبادلوا إطلاق النار مع المضربين.. كانت معركة راح ضحيتها كثير من الرجال.. لكن ليس لأجل هذا سميت مذبحة ليدلو.. بل لأجل شيء آخر .
فهناك في إحدى الخيم.. وفي أوج القتال بين الطرفين.. وفي أوج الشد والجذب.. انقلب أحد المواقد.. نعم لقد كان هؤلاء المضربين مغفلين كفاية ليضعوا مواقدهم بداخل خيامهم.. فلما انقلب الموقد أمسكت النار في قماش الخيمة واحترقت الخيمة.. ولما انفض القتال في ذلك اليوم.. تم رفع هذه الخيمة.. فوجدت بداخل الخيمة حفرة.. و داخل الحفرة يرقد أحد عشر طفل متفحما.. لأجل هذا سميت بمذبحة ليدلو.
خرجت مظاهرات عنيفة جدا بعدها في الشوارع.. الكل حمل شركة الروكيفيلر مسؤولية موت الأطفال.. لكن أحدا من الذين يتهمون الشركة لم يكن يعرف حقيقة ما حدث كما حدث.. الكل كان يلقي الاتهامات جزافا هكذا.. تعال لأريك موقع المظاهرة التي خرجت هناك في شوارع كولورادو.
***
ذهب بنا “ديكوي” الشيطان الوسيم إلى حيث موقع المظاهرة الحاشدة.. كان فيها ألف من البشر أو يزيد.. الكل يهتف هتافات غاضبة جدًا.. كل المتظاهرين
_53_
عمال.. لقد استغل أولئك المضربين المتوحشين موت الأطفال في استدرار عاطفة العمال الآخرين في جميع شركات الفحم.. وخرج الكل في مظاهرة صارخة غاضبة.. حاول ألا تضيع مع الزحام يا فتى.. أبق عينك على “ديكوي” بملبسه السوداء المميزة.. الكل هنا غاضب جدًا.. لكن مهلًا.. من هذا بالضبط؟
كان هناك شخص يمشي مع المتظاهرين يرتدي ملابس عجيبة جدا.. لكنها موحية جدا.. كان يرتدي قناعا احترافي الشكل ورداء غريبا وقبعة غريبة.. كان القناع حزينا نوعا ما.. نظر إلينا ونظر إلى “ديكوي”.. ثم مد لنا يده في الهواء ببطء.. لم نفهم ماذا يريد.. يبدو أنه يريد الإمساك بيدي.. مددت له يدي أنا أيضا.. قبل أن أمسك بيده سمعت صرخة “ديكوي” يحذرني بصوت عال .. لكني كنت قد أمسكت يد المقنع غريب المنظر بالفعل..ولما التقت يده بيدي تجمدت يدي وتجمدت يده وتجمد ديكوي .. وتجمد كل شيء حولنا.
حتى المتظاهرون تجمدوا على أوضاعهم.. وظل الوضع على تجمده هذا لثانية ثم بدأت الأجواء تتقشر من حولنا.. تتقشر هي أدق كلمة تصف ما يحدث حولنا الآن.. كل شخص وكل مبنى حولنا أصبح يتقشر.. وكأنه يزول عنه سطحه وينسلخ.. وتتصاعد القشور إلى السماء.. نظرت إلى من أمسكت بيده فوجدته كما هو لم يتقشر منه شيء.. وأنت كذلك كما أنت.. وأنا كما أنا.. ثم رأينا شيئا مفزعا.
كانت الدنيا قد أظلمت بعد هذا التقشير الذي حدث.. والمباني كلها قد انسلخت عنها واجهاتها المدهونة وعادت إلى طور الطوب الأحمر.. واختفى المتظاهرون كلهم.. لم أعد أرى سوى “ديكوي”.. نظرة واحدة إلى وجهه أفزعتني أشد الفزع.. لقد تغير الوجه الوسيم إلى وجه شيطان رجيم غاضب ينظر إلى هذا الانسلاخ بغيظ.. شدني ذلك المقنع من يدي وتحرك وتحركنا معه بعيدا عن “ديكوي”.. قال لنا صاحب القناع الحزين:
أليس قد قيل لكم في البداية أن هذا الشيطان هو شيطان الوهم والتضليل.. لماذا مشيتم معه؟ وبدا أنكم مصدقوه.. إن كل ما أخبركم به كذب.. أنتم في أرض الإعلام.. وديكوي هو شيطان الإعلام.. ملك ملوك التضليل.. ألم يقل لكم في أول كلمه أنه هو الخدعة التي ستخدعكم كل مرة وستصدقونها كل مرة؟ إن لم تكونوا وجدتم واحد ا منا كان سيسمم عقولكم أكثر.. لقد خلصتكم منه.. والآن سأترككم هنا وأمضي.. لكن احذروه.. لا تجعلوه يخدعكم مرة أخرى.
قلت له:
_54_
مهلا يا هذا.. أين نحن بالضبط؟ وماذا حدث لأجواء العالم؟
قال لي بهدوء:
لقد انسلخت قشور الكذب والتضليل عن العالم وأصبحت ترى حقيقة كل شيء.. أنت في عالم الحقيقة الآن.
سألته:
ولماذا عالم الحقيقة مظلم هكذا؟
أجاب قائلا:
لأنهم أظلموا الحقيقة يا صديقي وأخفوها وضيعوها.. وأظهروا الكذب وزينوه وحسنوه ودعوا له.. لم يعد يعرف الحقيقة إلا من يسعى إليها.. أما الذي يسترخي ويتلقى مثلما يتلقي المتلقين من الإعلام فهو لا يصيب إلا الكذب.
كان يتهيأ للرحيل فقلت له:
من أنت بالضبط؟
نظر لي بغموض ثم انطلق إلى إحدى ثنايا هذا العالم المظلم.. نظرنا حولنا..هل هذا عالم الحقيقة الآن؟ سمعنا أصوات معاول تضرب في الصخر بذلك الرنين المميز للمناجم.. كانت الأصوات تأتي من قريب.. تعال لنتجه ناحيتها.. مشينا حتى واجهنا جبل عظيما تحته كهف كبير وأمامه بعض المعدات.. دخلنا من الكهف.. رجال كثر يضربون باطن الجبل بمعاولهم ليخرج لهم ما يريدونه منه.. فور دخولنا ركض ناحيتنا كثير من الأطفال الصغار.. يغشى وجوههم غبار الفحم.. حتى تبدو عيونهم لامعة بشكل مميز.. وقفوا أمامنا صفا متجاورين يغشى وجوههم الحزن .. قال لنا أحدهم:
هل أنتم المسعفون ؟ نحن نريد مسعفين.. إن والد هذا الفتى مات.. هل يمكنكم إعادته إلى الحياة؟
تجاهلت إجابة سؤاله البريء وقلت:
و كيف مات يا عزيزي والدك؟
قال الفتى:
اختنق.. لم نعد ندري ماذا نفعل لنوقف هذا.. يموت كثير من آبائنا في المناجم.. الاختناق أو الانفجار.. أو ال…
_55_
فجأةً سمعنا صوتًا كأنه صوت كارثة ستحل فوق رؤوسنا.. ثم تبين لي أنه صوت انهيار.. كان في الناحية التي يعمل فيها العمال بمعاولهم.. هرب بعضهم لكن الباقين سحقتهم الصخور.. قال الفتى:
أو الانهيار.
ثم قال طفل آخر:
خمسة من آبائنا يموتون على الأقل كل يوم.. ولنا سنة كاملة على هذا الحال.. هل أنت يا سيدي أتيت لتصلح هذا الوضع؟
قلت له:
خمسة رجال يموتون كل يوم منذ سنة.. ولماذا يستمرون في العمل إذا؟
قال لي رجل من ورائي:
ومن قال أننا سنستمر.. نحن سنبدأ إضرابا كبيرا.. نطالب فيه شركة الروكيفيلر بتأمين سلامة عمالها لأننا لسنا حيوانات.
قلت له:
لكني سمعت أن الروكيفيلر هي أكثر شركة تحسن إلى عمالها ولهذا يأتيها العمال من كل الجنسيات.
نظر لي بدهشة حقيقية وكأنني قلت شيئا عجيبا أو أحمقَ وقال لي :
نحن نعمل أربع عشرة ساعة في اليوم يا عزيزي كل يوم بلا راحة ونحصل على دولار ونصف في اليوم.. حاجاتنا العادية الأساسية لا نقدر عليها.. ولا نأخذ أجرنا نقودا.. بل نأخذه إيصالات لا يمكننا أن نستخدمها إلا في متاجر الشركة الموجودة في مساكن الشركة.. أي أنه حتى هذه النقود القليلة لا يمكننا أن نستخدمها خارج السكن.. يموت منا كل يوم خمسة رجال.. يزيدون أو ينقصون .. الخلاصة أننا نعيش في حظيرة حيوانات نعمل فيها ويلقون لنا علفا فقط حتى نقوى على العمل.
وما الذي يجبركم على البقاء يا رجل؟ فقط اذهبوا وابحثوا عن عمل آخر.
لا يستمر معظمنا في العمل.. وبالفعل نبحث عن عمل آخر.. ولكن يأتي بدلا ممن يغادر عمال آخرون مستجدون لا يعرفون الحقيقة، ثم يكتشفونها مع الوقت فيغادرون.. لذلك فكرنا في أن نعمل إضرابا شامل.. كل العمال يمتنعون عن العمل ونعلن جميعا أن لنا مطالب.. تأمين سلمتنا.. زيادة نقودنا.. تحديد
_56_
ساعات العمل بثمان ساعات فقط.. منع أسلوب الإيصالات تماما.. لا بد أن نقف وقفة واحدة معا لإنهاء طمع الروكيفيلر وشركات الفحم الأخرى التي تسير على ما يسير.
سمعنا صو تا ينذر بكارثة.. هذه المرة هرب الجميع من الجبل بعيدًا.. ولحقنا بهم.. خرجنا من الجبل ونظرنا فلم نجد أحدا ممن كانوا بالداخل.. أين ذهبوا بالضبط؟ هل اختفوا؟ سمعنا صوت صياح حشود يأتي من مكان قريب.. نظرنا فإذا هي مظاهرة حاشدة يمشي فيها كثير من الرجال والنساء والأطفال.. توجهت المظاهرة ناحيتنا ورأيت الأطفال الذين كانوا في المنجم يتقدمون مني ويعطونني إحدى اللافتات.. ثم يمشون أمامي مجتمعين كلهم حول امرأة واحدة ترتدي رداء أسودَ و قبعة سوداءَ وتصيح في حماس ويصيح الكل معها.. من هذه؟ قال لي أحد الرجال بجواري :
إنها الأم جونز.. الكل هنا يعتبرها والدة له.. انظر نظرة واحدة إليها وستعرف لمَ يسمونها بالأم جونز.. لقد وهبت حياتها كلها للدفاع عن حقوق العمال والأطفال العاملين.
تقدم أحد الصحفيين من الأم جونز وقال لها:
أيتها الأم جونز.. لماذا لا تتحدثين عن مشاغبات العمال.. لماذا تتخذين دائمًا جانبهم؟
قالت له الأم جونز:
وأنتم أيها الصحفيون لماذا لا تتحدثون عن عمل الأطفال في الطواحين؟ لماذا لا تتحدثون عن الأطفال الذين تحطمت أيديهم من العمل؟ لماذا لا تتحدثون عن استغلال أصحاب الشركات لهم؟
قال الرجل:
لأن أصحاب الطواحين لديهم أسهم في الصحف يا أم جونز.
قالت له الأم جونز بثورة:
وأنا لدي أسهم في هؤلاء الأطفال.. وسأعرف كيف أجعل قضيتهم معروفة للجميع.
فرق بينهم الحشد وظللنا نمشي في المظاهرة حتى انفضت وتفرق الجميع وبعضهم يسلم على بعض.. فرغت الأجواء من الحشود.. ونزل الليل كأنه عباءة سوداء لفت كل شيء.. ووجدنا أنفسنا عند مخيمات العمال المضربين..
_57_
كنا في الليل ومعظم الساكنين يجلسون خارج خيامهم.. وهناك رجال يعزفون في المنتصف موسيقى ريفية جميلة ورجال آخرون يرقصون مع نسائهم وأطفالهم بطريقة ريفية.. لا يبدو هؤلاء الناس كالعصابات.. ولا أرى عندهم أسلحة.. انتبه أحدهم لنا.. فقام من مجلسه ورحب بنا ودعانا لنجلس بجواره.. كان لديه بنتان صغيرتان جاءتا إلينا ببعض الحلويات.. هممت بأكل الحلوى لكن صوت سيارة تمشي مسرعة وغاضبة قطع علي الأجواء فنظرت ونظر الجميع بهلع ودخلوا إلى خيامهم في رعب.. قال لنا الرجل الذي استضافنا:
تعاليا إلى الداخل بسرعة.. إنها قوات الـ Beldwin Felts .
دخلنا إلى الخيمة البسيطة ولاحظنا أن امرأة الرجل وبنتيه قد دخل في حفرة بداخل الخيمة.. قال لنا الرجل:
اختبئا هنا في هذه الحفرة.. إن الـ…
قطع حديثه صوت طلقات رشاش غزيرة جدًا تضرب الخيام بعشوائية.. قفزنا في الحفرة وقفز الرجل وراءنا بسرعة.. ورأينا الرصاصات تخترق خيمة الرجل وتضرب أثاثه البسيط.. قلت للرجل بعصبية:
من هؤلاء القوات بالضبط؟
قال الرجل:
إنهم الحرس الخاص للروكيفيلر.. وهم يأتون في بعض الليالي بسيارتهم المسلحة ويضربون طلقات في الهواء هكذا بعشوائية لإخافتنا وإرعابنا.. حتى نفض هذا الإضراب.. لكننا ثابتون على موقفنا رغم هذه المخاطر.. لا بد أن يعترفوا بحقوقنا وحقوق كل عمال الفحم في أمريكا.
سكت صوت السيارة وكأنها ابتعدت.. وخرجنا بحذر من خيمتنا.. سمعنا صوت نحيب أم بالجوار.. لقد أصابت واحدة من الرصاصات الطائشة هذه ابنها “شنايدر” فصارت تبكي قهرا ودما وتصرخ باسمه وتنظر إلى السماء ثم تنظر إلى الرجال.. الذين نمت لديهم موجة رهيبة من الغضب والرغبة في الانتقام.. ودارت بينهم مناقشات حامية حضرناها كلها.. انتهت في النهاية إلى أنه يجب أن تكون لهم أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم.. لا بد أن يحموا نساءهم وأطفالهم من هذا الشر.. ارتفعت أصوات تطالب بالتخلي عن الإضراب وفض كل شيء.. لكن كانت هناك أصوات أكثر تصر على التمسك بالقضية حتى النهاية حتى يصل صوتهم إلى من بيده تنفيذ هذه المطالب.. لأجل جميع عمال الفحم في أمريكا.
_58_
شعرت بيد صغيرة تشدني من ردائي فنظرت ورائي.. فإذا هم نفس المجموعة من الأطفال الذين رأيتهم في المنجم.. كان أحدهم يقول لي:
أيها السيد.. إن هؤلاء المسلحين يقتلوننا كل يوم.. هل ستوصل صوتنا إلى من يحمينا؟
إن هذا الطفل يظنني شيئًا مهمًا.. لكن معه حق على أية حال.. إن توصيل رسالة مظلوم في الوقت المناسب إلى الرجل المناسب قد تمنع كارثة كبرى .. لكن هؤلاء أوصل أصواتهم إلى العالم شيء آخر.. شيء بشع.. مرة أخرى سمعت صوت سيارة مسرعة.. بل عدة سيارات هذه المرة.. وعدة رجال مسلحين.. وآلاف من الطلقات العشوائية في الهواء وعلى الخيام.. لكن هذه المرة كانت مختلفة.. هذه المرة كان هناك رد من العمال بالأسلحة.. وكانت المعركة.. أين ذهب الأطفال الذين كانوا أمامي؟ لا بد أن يحميهم أحد.
نادانا رجل من جانبنا وقال لنا: أنتما أيها الغريبان.. لا تخاذل اليوم.. الأطفال في خطر.. خذوا هذه الأسلحة وشاركونا.
رمى لنا ببندقيتين.. التقطناهما واتخذنا ساترا.. وبدأنا نطلق نحن أيضا على الحرس المعتدين.. لاحظت أنه ليست لديهم رحمة.. إنهم هنا للقتل.. رأيت كثيرين يتساقطون حولنا من العمال.. المساكين كانوا مبتدئين في القتال.. ليسوا مثل الحرس المدربين جيدا.. كما أن بنادق الصيد التي معنا هذه ليست مثل الرشاشات التي معهم.. كانت معركة غير متكافئة.
ثم رأينا أحد الحرس وهو يخرج من موقعه ويرمي بشيء مشتعل.. هذا المجنون .. الخيام.. احموا الخيام.
اصطدم هذا الشيء المشتعل بإحدى الخيام فبدأت تشتعل.. كان مشهدا مرعبا.. أسمع صرخات أطفال ونساء من داخل الخيمة.. كل من حاول أن يتخلى عن ساتره واتجه ناحية الخيمة أتته نيران رشاشات الحرس.. لماذا لا يهرب الأطفال من الخيمة المحترقة؟ لماذا هم فقط يصرخون بالداخل؟ لم أتحمل أن أظل مستترا هكذا طويل فانطلقت أنا أيضا من مكاني وجريت ناحية الخيمة بسرعة.
قطعت بضع خطوات محظوظة باتجاه الخيمة.. لم يصبني وابل نيرانهم.. أصبحت أستطيع رؤية ما بداخل الخيمة.. كان الأطفال في الحفرة التي بداخل الخيمة.. وهناك حديد يغلق عليهم الحفرة.. وهناك شيء ما يمنع الحديد من أن
_59_
يفتح مهما دفعه الأطفال.. والنيران قد أوقدت كل شيء حولهم في الخيمة.. رأيت وجوههم البريئة المرتعبة.. إنهم هؤلاء الأطفال الذين رأيناهم في المنجم أول مرة.. كان العمال قد وضعوا هذا الحديد على الحفر لمزيد من الحماية لكن يبدو أنه تحول إلى سجن.. قال لي أحدهم:
أيها الغريب انقذنا أرجوك.. أيها الغريب.
خانني الحظ وأصابتني عدة طلقات في أماكن متعددة في جسدي.. سقطت على الأرض وشاهدت مشهدا من أبشع المشاهد وأنا ساقط.. مشهد النيران التي تلفح وجوه الأطفال وهم يمسكون بعضهم ببعض ويحاولون الابتعاد عنها والالتصاق بالحوائط.. وميزت أن هناك امرأتين معهما أيضا تصرخان وتحاولان فتح الحديد بل جدوى .. بدأ وعيي ينسل مني حتى انطفأت الرؤية من عيني ولم أعد أرى شيئا وصار رأسي يدور وكأنه ينزل إلى أعماق الأرض.. حتى فقدت الوعي.
***
ثم تراءى لي ما يشبه الحلم.. رأيت “ديكوي ” الشيطان بوجهه الوسيم وهو يقف بجوار بعض الرجال الجالسين على مائدة.. اقتربت كاميرا الحلم الذي أحلم به من وجه ذلك الرجل الذي يقف “ديكوي” بجواره.. فظهر اسمه مكتوبا بالخط الأبيض الكبير تحته.. “إيفي لي”.. وبين قوسين (إيفي السام).. يبدو أنه ليس رجل جيدًا.
كان يجلس على رأس المائدة جون دي روكيفلر جونيور.. قال له إيفي السام:
أنت يا سيدي قد أصبحت أكثر شخص مكروه في أمريكا كلها بعد أحداث ليدلو.
قال رجل من الجالسين:
المظاهرات تخرج تقريبا كل يوم.. كلها شتائم فيك سيدي جون دي.
قال إيفي السام:
لهذا يا سيدي أنا هنا.. لإصلح هذا الأمر.. وتحويلك من أكثر شخصية مكروهة في أمريكا إلى أكثر شخصية محبوبة فيها.
قال له “جون دي “:
وكيف ستفعل هذا بالضبط؟
قال إيفي السام:
_60_
البروباجاندا.. تغيير رأي حشود كثيرين من البشر.. تغيير الصورة التي يحتفظون بها في خيالهم لشيء تماما فتتحول إلى صورة معاكسة.. هذا تخصصي.. أنا أسميه Public Relations.
قال “جون دي” باستهزاء:
هل لديك عصا ساحر توجهها ناحية الحشود فتتغير آراؤهم؟
قال إيفي السام بلهجة من يعرف ما يتحدث عنه:
بل لدينا “ديكوي”.
في هذه اللحظة ارتفعت قدما “ديكوي” من على الأرض وطفا في الهواء.. فرجع الجالسون بمقاعدهم خوفا وتحفزوا.. قال إيفي:
إن “ديكوي” هو سيد الإيهام والتضليل.. أنت لن تفهم ما هو “ديكوي” إلا عندما تراه يعمل.
سمعنا ضربات عنيفة جدا على الباب وكأن أحدًا يحاول كسره من الخارج.. ولم تمض ثانية واحدة إلا وانكسر الباب وظهر وراءه أناس كثيرون في غاية الغضب يبدو أنهم من المظاهرة.. أول ما رأوا “جون دي” جن جنونهم أكثر وخطوا إلى الداخل بطريقة هجومية غاضبة.. ثم انكسر زجاج الغرفة الذي يطل على الخارج ودخل متظاهرون آخرون يبدو أنهم تسلقوا المبنى حتى وصلوا للغرفة.. فزع الجالسون كلهم ولم يستطع أحد القيام من مجلسه ورفع المتظاهرون أياديهم بأخشاب وفؤوس وعمدان عازمين على تحطيم رؤوس الجالسين الذين غطوا وجوههم بأيديهم.
مرت ثانية واثنتان وثلاث.. ثم أبعد الجالسين أيديهم عن أعينهم ونظروا حولهم فلم يجدوا أحدا من المتظاهرين.. ووجدوا الباب مغلقًا والزجاج سليمًا نظيفًا بلا خدش.. قال إيفي السام:
كل ما رأيتموه وهم.. أتاكم به صانع الوهم.. ديكوي .. وهو سيفعل المثل مع جموع البشر الذين يكرهونكم في الخارج.. إنه يستخدم البروباجاندا.. وآلة البروباجاندا في زماننا هذا هي الصحف.. مقالات مكثفة تكتب في جميع الصحف تحكي قصة مختلفة تمامًا عما حدث في ليدلو.. قصة تجعل الناس يكرهون العمال ويرونهم مثلما يرى الشخص العادي العصابات.. إن تكرار سماعك وقراءتك للكذبة من عدة مصادر في نفس الوقت وبشكل مكثف يجعلك تصدق
_61_
الكذبة في النهاية.. ليس هذا فقط بل أنت ستدعو لها.. ستصير بوقا من أبواقها.. هذه هي البروباجاندا.. هذا هو ديكوي.
نظرت إلى “ديكوي” الذي كان طافيًا في الهواء.. لكن عينيه الساخرتين توجهتا ناحيتي فجأة وصار يطالعني أنا في عيني مباشرة.. ثم تحرك إلىّ طفوًا في الهواء.. تراجعت في رعب واستيقظت على الفور.. نظرت حولي.. رأيتك تجلس بجواري في مشفى ما تنتظرني أن أفيق.. يا عزيزي أين نحن؟ لقد خدعنا “ديكوي”.. خدعنا الإعلام.. كل ما ذكر في الصحف في تلك الفترة عن مذبحة ليدلو وعن الروكيفيلر كان كذبًا.. بروباجاندا.. وقد آتت ثمارها جيدًا.. لكن لحظة.. أين نحن؟ هل انتقلنا بالزمن؟ أنا أرى جهاز تلفزيون أمامنا في المشفى.. أيام ليدلو لم يكن هناك تلفزيون.
أمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفزيون وشغلته لعلي أرى فيه ما يفيدنا.. كان ما تعرضه الشاشة عجيبًا.. كانت تعرضني أنا وأنت في جلستنا هذه وكأنها كاميرا مراقبة.. غيرت القناة.. وفور أن غيرتها تغيرت أجواء المشفى الذي كنا فيه لتصبح الأجواء حولنا هي الأجواء التي تعرضها القناة التي غيرنا إليها.. كانت القناة تعرض مشهدًا طبيعيًا فيه أنهار وشلالات.. ونفس المشهد كان حولنا في الحقيقة بنفس تفاصيله.. غيرت القناة مرة أخرى .. أجواء حرب ودبابات.. صارت الأجواء كلها حربًا ودبابات وأصواتًا تصم الآذان.. غيرت القناة مرة أخرى .. يا إلهي! حاذر رأسك.. إنه الـ….
انفجار كبير ضخم مع صوت اصطدام رهيب أتى من فوق رؤوسنا.. وضعنا أيدينا في آذاننا وأسرعنا الخطى مبتعدين غير قادرين حتى على النظر لأعلى لنفهم ما هذا.. لا يهم ما هي الكارثة التي فوق رأسك.. المهم أن تجد وقتا للهرب.. الكثير يصرخون حولنا وينظرون للأعلى ويركضون مبتعدين ومن نراهم على بعد منا يشيرون إلى ما يحدث فوقنا برعب.. لقد عرفت الحادثة فور أن رأيتها في التلفزيون .. إنها حادثة سبتمبر الحادي عشر.. اصطدام الطائرات ببرج التجارة العالمي في نيويورك.
***
إن أقل رد فعل طبيعي لأي إنسان يرى المشهد على الواقع هو أن يصرخ.. لذا فالشارع كله حولنا تحول إلى صرخات.. رفعت رأسي لأعلى فرأيته.. برج التجارة العالمي الشمالي.. كان واقفا بقامته المرتفعة المعهودة ويتصاعد الدخان من شق في رأسه.. يا إلهي! انظر.. هناك أناس يتساقطون من البرج.. هل ينتحرون؟ لماذا لا
_62_
ينتظرون الإنقاذ؟ ثم وصل الإعلام ورجاله وكاميراته التي نُصبت واتجهت كلها إلى الأعلى تصور الكارثة.. دقائق مرت يملأها القيل والقال.. ثم أرسل أحدهم طائرة ثانية من الجحيم الذي أرسل منه الطائرة الأولى.. اصطدمت بالبرج الثاني.. فأسكتت الأفواه وهزت الأرجاء وجعلت كل من وقف للمشاهدة يهرع للهرب من هذا الجحيم.
ابتعدنا أكثر من ابتعادنا الأول .. نظرت إليك.. إن دقات قلبك تسارعت يا فتى.. وحق لها أن تتسارع.. أنت ترى أمرا لا يحدث سوى مرة واحدة.. لست أقصد في حجم الوفيات فهناك مذابح تحدث كل يوم تصعد فيها آلاف الأرواح البريئة إلى بارئها.. مذابح تسمع عنها كل يوم ولا تعطيها ذلك الاهتمام الذي تعطيه لهذه الكارثة.. ربما لأن حجم الإثارة أو “الأكشن” في هذه الكارثة عا ل جدًا.. أو ربما لأن الإعلام ركز عليها كثيرًا.. أو ربما لأنها أمريكية.
وقفنا عن بعد وظللنا نرقب هذه المأساة.. نحن في يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 يا صديقي.. ذلك اليوم الذي يتذكره العالم كله جيدًا ولا ينساه أحد.. أنت قد رأيت هجمتين فقط.. لكن الواقع أن هذا اليوم شهد أربع هجمات إرهابية من النوع الفاخر في أمريكا.. هجمات قتلت حوالي ثلاثة آلاف شخص وجرحت ستة آلاف آخرين.. هجمات خسرت أمريكا فيها هيبتها أمام العالم.. وخسرت من رصيدها ما يقرب من ثلاثة تريليون دولار في يوم واحد فقط.. يوم مشؤوم. أربع هجمات نفذتها أربع طائرات.. ترجع إلى شركتين من أعرق شركات الطائرات الأمريكية .. United Airlines و American Airlines .. أقلعت الطائرات بركابها من شمال أمريكا بشكل عادي مثل كل يوم متجهين إلى غرب أمريكا.. تم اختطاف الأربع طائرات وهي في الجو من قبل تسعة عشر إرهابيا.. طائرتان من الطائرات هما الطائرة 11 والطائرة 175 اصطدمتا بالبرج الشمالي والبرج الجنوبي من مركز التجارة العالمي في نيويورك كما رأيت أمام عينيك.. وخلال ساعة ونصف تقريبا.. سينهار هذان البرجان العظيمان بكاملهما ويتساويان بالأرض.. كأن لم يكن لهما وجود.. مخلفين وراءهما الكثير من الرماد والنيران والأنقاض.. نيران كانت كثيفة حتى جعلت مبنى آخر في مجمع التجارة العالمي ينهار ويتساوى بالأرض هو الآخر.. المبنى السابع.. ثلاثة مبان ضخمة عالية تنطح السحاب نزلت وتساوت نواصيها بالأرض.
_63_
الطائرة الثالثة هي الطائرة 77 .. هذه اصطدمت بالبنتاجون .. وزارة الدفاع الأمريكية الحصينة.. وتسببت في تحطم الجزء الغربي من المبنى.. الطائرة الرابعة.. الطائرة 93 .. كانت متوجهة ناحية واشنطن إلى البيت الأبيض.. أهم مبنى في أمريكا.. لكن معركة بين ركابها ومختطفيها أدت إلى انحراف الطائرة عن هدفها وسقوطها على الأرض متحطمة في شانكس فيل.
مباشرة بعد الضربات أصبحت كل قنوات الميديا يتحدثون كالمحمومين ويذكرون اسم أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي على أنه هو الرجل الذي يقف وراء هذه العمليات كلها.. وبعد خمسة أيام من الجدل والقيل والقال صرح “بن لادن” رسميًا بأنه لا علاقة له بهذه الضربات من قريب ولا من بعيد.
إلا أنه اعترف بعد سنوات بأنه هو المخطط لها منذ البداية.. وقال أنه فعلها انتقامًا من دعم أمريكا لإسرائيل.. ذلك الدعم الذي يحمي إسرائيل ويعينها على قتل آلاف مؤلفة من أطفال المسلمين ونسائهم.. وانتقامًا من العقوبات التي فرضتها أمريكا على العراق.. والتي مات بسببها أكثر من مليون طفل عراقي.
بعد سنة ونصف من الضربات تم القبض على إرهابي شديد الخطورة من تنظيم القاعدة يدعى خالد شيخ محمد.. وقد اعترف أنه هو المسؤول عن عملية 11 سبتمبر كاملة من الألف إلى الياء.. قال أن الفكرة برزت في ذهنه عام 96 وأخبر بها “بن لادن” الذي أعجب بالفكرة ووافق عليها.. وبدأ تنفيذ المخطط.
في عام 99 جاء إلى أفغانستان أربعة شباب.. محمد عطا، مروان الشحي، زياد الجراح، هاني حنجور.. تدربوا في أفغانستان حوالي سنة ثم انطلقوا إلى أمريكا ودخلوا عدة مدارس لتعليم الطيران هناك وتخرجوا منها بدرجات عالية.. وأصبحوا جاهزين لينفذوا أكبر عمليات استشهادية إرهابية في التاريخ.
بعد تنفيذ الضربات بقليل انطلقت قوات أمريكية كثيرة إلى أفغانستان للقبض على “بن لادن” وتم احتلال أفغانستان.. واستمرت محاولة العثور على “بن لادن” طويلًا.. لكن بل جدوى .. كان مثل الزئبق.
ثم بعدها بخمـ… خمسة… هذه الط..
يا إلهي إنني أبصق دمًا! أحد ما طعنني في ظهري يا صديقي.. إن دموعي تنزل من عيني ساخنة يا صديقي.. هل ترى الذي طعنني؟ إني أرى عينيك تنظر إليه بتعجب.. من هو؟
_64_
نزع الذي طعنني سيفه من جسدي بقوة وتركني أهبط على ركبتي.. نظرت له.. إنها فتاة.. فتاة مقنعة.. قناع احترافي مثل الـ…
إن طعنتها غائرة تلك اللعينة.
توجهت إليك الفتاة التي كانت ذات منظر يبث الرهبة بقناعها الأنثوي المتقن وشعرها الناعم المنسدل على كتفيها.. نظرت إليك وقالت:
ألم نقل لك يا صاحب العقل ألا تتبع ديكوي .. ألم نقل لك ألا تمشي وراءه؟
نظرت أنت إليَّ أنا الآن.. أنت تبحث عن ديكوي .. هل تتذكر هذه العين يا هذا؟ هل هذه عيناي؟ هل كان لي أنياب من قبل مثل هذه أيها الغبي؟ لقد أخبرتك أنني سأخدعك كل مرة وستصدقني كل مرة.. وستكون أبله كل مرة.. إمعة كل مرة.. فقط تصدق كل ما يقال لك.. فقط تثق في الكلام عندما تسمعه.. لهذا سأسجنك في سجني إلى الأبد.. ولن يحميك هؤلاء المقنعون .. وإن أنقذوك الآن فسآتيك مرة أخرى .. ولن يكونوا حولك.. أنت لي يا صاحب العقل.. أنا أتغذى على خداعك.. إنه شيء يشعرني بالنشوة.
تغيرت ملامح وجهي الذي تعرفه إلى ملامح ديكوي الوسيمة التي تحولت تلقائيا إلى ملامح شيطان.. وتحولت ملابس الشخص الذي تعرفه إلى ملابس ديكوي السوداء.. وارتفع ديكوي في الهواء وهو ينظر إليك بغل وإلى المقنعة التي أنقذتك.. ثم ذهب كالريح بعيدا وترك المشهد.. كانت الفتاة المقنعة الآن تقف بجوارك وتربت على كتفك.. لا تقلق.. لن تكون وحيدا في هذا العالم.. لا أريد أن أصدمك لكن رفيقك الذي أدخلك إلى هذا العالم أول مرة وعشت معه أحداث أرض السافلين السابقة، مات في أحداث مذبحة ليدلو عندما ذهب لإنقاذ الأطفال.. لن يأتي بعد اليوم.. وهذا الشيطان تنكر بشكله ليخدعك.. لا تقلق.. أنت لست وحدك.. لا تقلق أبدا.. نحن معك.
نظرتَ إلى الفتاة المقنعة.. وبرغم دفء روحها وصوتها فإنك تشعر أنك غريب.. لم تعد تدري كيف ستخرج من هنا.
رفعت الفتاة المقنعة سيفها وبدأت تضرب به في الهواء ضربات قوية.. ومع كل ضربة من ضرباتها كانت الأجواء تتمزق و كأنها تضرب بسيفها قماشا.. تقطعت الأجواء القماشية كلها ومررنا عبرها إلى عالم الحقيقة المظلم الكئيب.. قالت لك الفتاة:
هذه المرة لن نتركك في عالم الحقيقة وحدك.. ستبقى معنا.. ستكون بخير لا تقلق.. تعال لأعرفك بباقي الرفاق.
_65_
أمسكت بيدك ومشيت معها داخل العالم المظلم.. كانت تسحبك وتنظر إليك بين الحين والآخر من وراء قناعها لتطمئن عليك.. حتى أدخلتك إلى ما يشبه القاعة البحثية.. كثير من المقنعين يجلسون على أجهزة كمبيوتر.. كل واحد منهم يرتدي قناعَا مختلفَا مميزَا.. كان هناك ثلاثة مقنعين واقفين وسط القاعة يتحدثون في أمر ما.. وما إن اقتربت منهم مع فتاتك.. التفتوا إليكما بترحاب.. أنت تعرف أحدهم.. إنه ذلك المقنع الذي رأيته أول مرة عندما مد لك يده في المظاهرة.. كان هو الذي تحدث مرحبا وقال:
ألكساندريا الجميلة.. أنت دائما تحضرين لنا ضيوفا رائعين إلى مجتمعنا..
مرحبا بك أيها الرفيق.. أنا أدعى زورك.
مد يده إليك فنظرت لها في حذر بسبب المرة الأولى ثم مددت يدك وسلمت عليه.. ثم نظر ” زورك” ناحية أحد المقنعين.. كان شا با أسودَ ذا جسد رياضي رشيق وقناع غامق.. قال ” زورك”:
هذا مصعب.. من المنضمين الحديثين لنا.. لكنه نشيط جد ا فوصل إلى الصفوف الأولى في زمن قصير.
ثم عرفك بالمقنع الآخر.. كان قصيرا ذا شعر طويل بني ويرتدي نظارات على قناعه.. بطريقة بدت عجيبة لكنها لائقة.. ويبدو مهزوزا قليل وهو يعدل نظارته كل ثانية.. قال “زورك”:
هذا هو الدكتور “هال”.. عالم الفيزياء العبقري .. إنه مبرمج نظام هذه القاعة كامل.
امتدت يد من ورائك وربتت على كتفك فنظرت خلفك تلقائيا.. وتراجعت إلى الوراء في رد فعل متفاجئ لكنه سعيد بما يرى .. إنه “سكوربيون”… هو هنا أيضا.. قال لك “زورك”:
هل نسيت أن سكوربيون مقنع هو أيضا؟
قال لك “سكوربيون”:
أنا سعيد أنك وصلت إلى هنا قطعة واحدة.. لا بد أن تنضم لنا قريبا يا فتى.. حقا أنا حزين لفقدك صاحبك بهذا الشكل.. لقد كان بطل.
سألتهم سؤالا بريئًا تلقائيا.. قلت لهم:
معذرة.. لكن من أنتم بالضبط؟
قال “زورك” :
_66_
أنت تعرف أن عالمنا هذا هو عالم الحقيقة.. ألم تخمن من نكون إذا؟
قالت “أليكساندريا”:
لا داعي للكلام يا سيد زورك.. هو إذا رأى عملنا سيفهم.. هيا يا رفاق.. لقد أتانا حدث ضخم.. لا ينبغي أن نضيع الوقت.
قال لهم “سكوربيون “:
بل لن نبدأ في شيء حتى يستريح الرجل.. هو يحتاج لهذا.. تعال معي يا صديقي.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق